المنحى الفينومينولوجي والميتافيزيقي في فكر ماكس شيللر

img

المنحى الفينومينولوجي والميتافيزيقي في فكر ماكس شيللر

بقلم : الأخضر بن جدو

مدخل:

يعدّ ماكس شيللر وفلسفته الفينومينولوجية من أهمّ الحلقات التي لا ينعقد تاريخ الفينومينولوجيا دونها . فقد ارتآى أن يجعل من فاعلية شعور الحب سبيلا لا مهرب منه، في حركة انبناء وتكوّن الأنا أو الذات ، فالحب هو المحرّك لخطّة انفتاح الأنا على العالم وانبجاس الذات في المُحيط المعيشي ألفعلي، وبهذا العمل الابداعي المستجد اقتدر شيللر ان يدشّن فتحة مهمّة وخطيرة، في تاريخ الفلسفة، لم يكن لغيره أن يجرأ عليها . فقد كان أوّل من أدخل البعد الشعوري العاطفي الفاعل – لا المنفعل – في حسبان التفلسف بعد أن كان محل استبعاد. وهو من أخرج هذا البعد من مجال السلوك الاخلاقي، وعمد الى الزجّ به في المجال الفلسفي بل واعطاه دورا لا يقدر غيره الاضطلاع به. ولعل هذا الاقتدار الخاص بشيللر جعله من أهم الفينومينولوجيين الذين يوصفون بالواقعية، فهو يعارض الفكرة القائلة: أن وجود الاشياء مرتبط بفاعلية حركة الوعي، وهي فعلا الفكرة الاساسية للفينومينولوجيا الهوسرلية التي عمل هوسرل على توضيحها واخراجها للنور في كتابه:”أفكار موجهة لفينومينولوجيا محضة”(1913) وتستند نظرية شيللر على محايثة وجود المعيش العاطفي الفاعل لوجود العالم نفسه. فالاشياء مرتبطة فعليا في وجودها بالفاعلية الذاتية للشخص . واللافت هنا هو ان شيللر باقراره بقبلية المعيشي العاطفي الفاعل في الفينومينولوجيا، يجد نفسه في منحى ميتافيزيقي رغما عنه، منحى يساهم في إنبناء الفينومينولوجيا نفسها…

وفي المقابل نجد أن فينومينولوجيا هوسرل قد شملت منذ “بحوث منطقية” و الى “أزمة العلوم الأوروبية”،  نقد الميتافيزيقا في بداهتها وسذاجتها، و اعتبرتها تمثّلا غير مؤسّس ولا مشروع للعالم، وكذلك بسبب أنها تنبني على عادات ورتابة للفكر. وقد رأى  هوسرل أن الميتافيزيقا الساذجة والمنحى الطبيعي يسيران في نفس الإتّجاه، فكلاهما يعبّران عن معتقدات لا مفكر فيها وعفوية. ولأجل هذا هما تتعارضان مع المنهج الفينومينولوجي الذي يقتضي المنحى التفكّري والتوجّه النقدي . فلاشيء يستحق أن يقال عنه أنه يقيني الا ذاك الذي يظهر في شكل حدس محض، وعليه فان التوجه الفينومينولوجي يستند الى  مقول ذي بنية كلية وضرورية مهما كانت الثقافة الاصلية للفرد. فقد توصل هوسرل الى نتيجة مفادها أن الميتافيزيقا تستند الى فكر قوامه الدغمائية والثقافة الميثولوجية والدينية، وفي مقابل ذلك تتقوم الفينومينولوجيا عنده على فكر قوامه حدسي تفكري حر، ويتحدّد ذاتيًّا وكونيا. وعليه فان ميتافيزيقا فينومينولوجية تصبح ممكنة في شكل : ذاتية مثالية أو متعالية .

فموقف هوسرل من شيللر يعتبر أن ميتافيزيقا هذا الاخير بقيت ساذجة وعفوية ولم ترتق الى مستوى الميتافيزيقا الفينومينولوجية، واذا كانت نظرية هوسرل قد لاقت معارضة خاصة بعد نشر””أفكار موجهة”” في شكل الاحراج الموالي: ألا يعدّ ميتافيزيقيّاً أعتبار قبلية وجود الاشياء في ذاتها وتحديد كينونة الاشياء من خلال فاعلية ذاتية مكونة؟؟، فان شيللر لم يكن ليعير اهتماما لذلك بل بدي لامباليا تجاهها، فكتبه منذ 1913-1916 “الاطيقا الصورية والاطيقا المادية في القيم”، “طبيعة التعاطف وصوره” كانت تظهر في منآى عن الميتافيزيقا. كما أنه لم يقدم نقده للعقلانية على أساس أن هذه الأخيرة قد تكون خانت الفينومينولوجيا أو أن تأخذ في البعد الميتافيزيقي أو الدغمائي. اذ نجده أحيانا يستعمل الوصف ميتافيزيقي في مقام الفينومينولوجي حين يروم توصيف المعيش الفاعلي القصدي .

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: