المقهى الفلسفي بدار الثقافة المغاربية ابن خلدون : أسسه،تفاصيله، أهدافه

img

المقهى الفلسفي بدار الثقافة المغاربية ابن خلدون

أسسه،تفاصيله، أهدافه

جاءت هذه الفكرة باقتراح من الإداريين العاملين بدار الثقافة المغاربية ابن خلدون، واعتبروا دخول  الفلسفة أسوار الدار مكسبا سيساهم في إحداث ديناميكية فكرية وثقافية وذلك من خلال تدعيم أهمية الفلسفة في المجال الثقافي وبيان دورها الجوهري في قلب الموازين وإرساء ثقافة جديدة تعود للفلسفة باعتبارها “حبّا للحكمة” ومجال للتفكير ومراجعة المعارف القديمة وطرح السؤال.

يشتغل المقهى الفلسفي على جملة من المسائل الراهنية المطروحة اليوم والتي تمثل إحراجا لنا أو موضع جدل وتساؤل، وبناء على ذلك  يخصص كلّ لقاء مسألة تحدّد بالعودة إلى المشاركين والفاعلين في هذه الحلقة الفكرية وعلى إثرها يدار الحوار في إطار فلسفي فكري ثقافي.

تنوعت وتعددت اللقاءات الفكرية من خلال هذا المشروع واستقطبت مختلف الفئات من شعراء وطلبة وباحثين وأساتذة فلسفة ومسرح وسينما، حيث رحّب الجميع بهذه الفكرة النوعية وساهموا في تأثيث اللقاءات من خلال مداخلاتهم ومقترحاتهم وتصوراتهم.

يعمل هذا النادي في كلّ لقاء على الإضافة وتغيير فقرات في محاولة للخروج من الأسلوب النمطي الروتيني الذي يتعارض مع روح الفلسفة، ونجد في هذا الإطار تقديما لجوهر الموضوع ثم مداخلات للحاضرين، كما نجد ألعاب فكرية تتمثل أساسا في أقوال فلسفية ومفاهيم في علاقة بالموضوع  وعلى إثرها يفتح باب التفكير والنقاش. إلى جانب ذلك نجد حضورا للصورة التي تحمل أبعادا فكرية والتي تدفع المشارك إلى التفكير والتساؤل ومحاولة العثور على إجابات.

توثق أفكار الحاضرين خلال كلّ لقاء في محاولة لجمع القراءات الفلسفية التي يتبناها كل مشارك قصد نشرها مستقبلا في شكل كتيب صغير أو مجلّة فكرية، وتدوّن أطروحات الفاعلين في هذه المبادرة ويثري المجال المعرفي بدرجة أولى،  ويحفظ طاقات المشاركين ودورهم في المساهمة في مثل هذه المبادرات الثقافية بدرجة ثانية.

انطلق النادي من مواضيع توعوية تعمل على إيقاظ التفكير وتحسيسه بتعميم الفلسفة في المؤسسات الثقافية والتربوية وحتى الشوارع نظرا لدورها الجوهري في الرقي بالشعوب، وكان عنوان اللقاء الأول تحت عنوان “الحب والفلسفة”. وتوصلنا من خلال مداخلات الحاضرين إلى النقاط التالية:

1- الفلسفة هي حب للحكمة.

2_الحب طريق للخلاص فهو يحرّر الإنسان من كل الحواجز التي تعيق التفكير وممارسة فعل التفلسف.

3- الحب حاجة إنسانية على الفلسفة حمايته وجعله “إيتيقا إنسانية”. ولعلّ هذا ما أعلن عنه الاتجاه الإنسانوي الذي مثله كلّ من آلان باديو ولوك فيري معتبرين أنّ الحب بناء وإستمرارية للحياة والإيمان به إثبات لماهيتنا الوجودية.

4- رغم إشكالية هذه المسألة حول “الحب والفلسفة” إذ تعددت القراءات الفلسفية  يمكن التوصل من خلال أطروحات المدارس الفلسفية أنّ الفلسفة والحب مفهومان في علاقة جدلية، يدعم كل منهم الآخر، ويعززه.

وفي نفس هذا السياق، أردنا أن نفكر في مسألة الفن من خلال طرح سؤال “هل الفن إبداع أم واقع”، في اللقاء الثاني للنادي وقد انطلقنا من رسم فان غوخ الذي  يظهر تعبيرات الفن وإلتزامه بقضايا عصره وإهتمامه بالإنسانية وهمومها: حذاء فان غوخ يجسدّ معاناة الفقراء الكادحين ولا يكاد يخلو في الوقت نفسه من الجمالية ممّا يعكس قدرة الفن على الجمع بين الجانب الإبداعي الجمالي و بين الجانب الواقعي الإشكالي، ومن هنا أكدّنا أن الفن مزدوج الأبعاد.

ثم انتقلنا لمشاهدة مقاطع من عرض مسرحي للمشاركة “أمل مسعودي” وعرضنا فيلم قصير للمشارك “نور جلولي”،وتوصلنا إلى جملة من النقاط أهمها:

1-الفن نشاط إنساني وشكل من أشكال الوعي الإنساني يعكس الواقع بشكل فني  ومتميز: فهو يهتم بالتناقضات الموجودة داخل المجتمع ومن جهة أخرى  يولد وعيا جديدا يصاغ بشكل جمالي فني.

2- للفن بمختلف أشكاله تأثير على القيم الإنسانية والمنظومات الفكرية، فهو لا يمثل مجردّ صور جمالية بل هو أسلوب يمكن الوعي من التوصل إلى تصورات تحررية تقطع مع الهيمنة التكنولوجية والإيديولوجية على عقل الإنسان وتجعله يفكّر بحرية أكثر.

3-الفن حبّ للحياة وإستمرار لها، ولعلّ هذا ما يدعمه القول الشهير لفريديريك نيتشه”لنا الفن كي لا تقتلنا الحقيقة”.

وباعتبار أنّ الفن نشاط إنساني يجمع بين الإبداع والواقعية هدفه توحيد الإنسانية طرحنا في اللقاء الثالث للمقهى الفلسفي مسألة “الوحدة داخل التنوع”، أردنا من خلاله جملة من الإشكاليات المطروحة اليوم داخل المجتمع:

-هل يمكن تحقيق مبدأ الكونية ونحن مختلفون دينيا وفكريا وثقافيا؟

-هل يمكن أن يولد الإختلاف عنفا في صفوف المجتمعات الإنسانية؟

-كيف يمكن تطويع التنوع لخدمة الإنسانية وتحقيق الوحدة؟

وتمحورت تصورات المشاركين في محاولة للإجابة عن هذه الجملة من الإشكاليات حول هذه النقاط:

1-التنوع لا يمثل عائقا أمام تحقيق القيم الإنسانية الكونية ولعلّ هذا ما يدعمه مشروع كانط الذي تمثل في”مشروع سلم دائمة” في محاولة منه لترسيخ مبدأ الإختلاف والتعايش السلمي.

2-الوحدة مشروع إنساني جماعي ومسؤولية يتحملها كلّ إنسان واعي وحرّ. وعلى خلاف ما يروّج من إدعاءات فالوحدة لا تمسّ بالخصوصية الهووية والثقافية لمختلف الشعوب بل على العكس تحيي قيم الحب والصداقة والتسامح.

3-الاختلاف مقولة تلغي كلّ نوع للإقصاء والعنصرية بين الثقافات، وتجذّر الانفتاح والتعرف عن الآخر وتحقيق السعادة الجماعية.

وانطلاق من هذه النقاط خوضنا في مسألة “السعادة” من خلال طرح جملة من الإشكاليات أهمها:

-ما معنى سعادة؟  هل يمكن الحديث اليوم عن تحققها في ظلّ التناقضات التي نعيشها؟ هل السعادة مادية أم روحية؟

ومن خلال هذه الجملة من الإشكاليات توصلنا إلى أنّ:

1- السعادة تتعارض مع الشقاء والألم، وهي إحساس شعوري روحي يترجم لذة. وهذا ما يدعمه قول الفيلسوف أبيقور”إنّ اللذة هي بداية الحياة السعيدة وغايتها، وهي الخير الأول الموافق لطبيعتنا.”

2-تطرح الفلسفة العملية مسألة السعادة وتبحث في ماهيتها وشروط تحصيلها، ولقد أجمعت جلّ هذه النظريات أنّ للسعادة شروط نظرية تتعلق بالجانب الفكري كما لها شروط عمليه تعنى بأسلوب تحققها.

3-ترتبط السعادة بفعل الخير مما يجعلها قيمة إنسانية تنشد المبادئ الكونية.

4- يعتبر مفهوم السعادة معضلة وذلك يعود إلى التعارض بين إطلاقية القيم ومحدودية الحياة الإنسانية.

بعد هذه اللقاءات الناجحة التي مرّ بها المقهى الفلسفي والمسائل التي تناولها في محاولة منه لاستقطاب مختلف الفئات الإجتماعية قصد تدعيم دور الفلسفة التوعوي والتثقيفي داخل المجتمع واصل تنظيم الجلسات الأسبوعية وطرح الإشكاليات وتشريك الحاضرين في هذا المشروع. وفي هذا السياق، طرح مسألة “دور المثقف اليوم داخل المجتمع”، وكان الإجماع حول النقاط التالية:

1-المثقف يجب أن يكون عضويا يلتزم بقضايا عصره ويفضح الممارسات المخلّة بالعدالة والحق.(أنطونيو غرامشي نموذجا)

2- المثقف هو ذلك الذي يجمع بين الإبداع والإلتزام.

3-المثقف يجب أن يكون حرّا ومسؤولا باعتباره يتمتع بموقع يسمح له بنقد السلطة، وتحليل الأحداث بموضوعية.(نعوم تشومسكي:”مسؤولية المثقفين”)

تناولنا في اللقاء التالي مسألة العمل من خلال طرح جملة من الاشكاليات أبرزها: هل العمل حق؟ هل يمكن أن نتحدث عن معنى للحياة في غياب قيمة العمل؟ هل العمل واجب أم إبداع وحبّ ولذّة؟ هل يضمن العمل إنسانية الإنسان؟

حاولنا من خلال المداخلات الإجابة عن هذه الاسئلة وتوصلنا إلى هذه الأفكار:

1-العمل نشاط إنساني وقيمة تجعل الإنسان حرّا ومبدعا.

2-تحول العمل باعتباره قيمة إنسانية إلى وسيلة للكسب المادي ولم يعدّ يشكلّ غاية في ذاته.

3-أصبح الكسب المادي قيمة القيم في المجتمعات الصناعية المعاصرة، ممّا أدّى إلى تفقير الحياة من كلّ القيم وهيمنة الإستعباد.

4- يوفر العمل الإنتاج وسيطرة على الطبيعة وتحرر المجتمع من أشكال الإستغلال الطبقي.

5-العمل تحرّر للمجتمع من كلّ أشكال الإستغلال الطبقي.(ماركس)

6-التأكيد على أنّ قيمة الحرية لا تتحقق في الواقع إلا إذا انتهى العمل الذي تفرضه الحاجة والضرورة الخارجية.

ولئن كان العمل نشاط إنساني يحقق تحرر الفرد قررنا أن نخصص لقاء يهتم بمسألة الحرية وإشكاليتها وذلك انطلاقا من جملة الإشكاليات التالية:

1-هل الإنسان مخيّر أم مسيّر؟ هل حرية الإنسان مطلقة أم نسبية؟هل  هناك وجود للمعنى الحقيقي للحرية في غياب قانون يدافع عنها؟  كيف يمكن الحديث عن حرية مسؤولة؟ هل من معنى للحرية المقيدة بإلزام قانوني؟ ماهو المجال الذي يمكن أن نحقق فيه حريتنا؟

وهذا ماتوصلّ إليه الحاضرين:

1-الحرية هي القدرة على اختيار غايات وسلوكات الارادة الخاصة، وهي أيضا قيمة إنسانية تحقق الكرامة.

2-الحرية هي إرتقاء بواسطة الجدل العقلي نحو الكمال، ولا تتنافى مع العمل الأخلاقي الخيّر.

3-الفعل الانساني يتصف بحرية جزئية مصدرها القدرة على القيام بأفعاله.لكن هناك عوامل تحدّ من حرية الانسان وتتمثل في النظام الذي تخضعه له الطبيعة.

4-في غياب القانون لا يمكن الحديث عن حرية مسؤولة تحترم حريات الأخرين.

إنّ إهتمام المقهى الفلسفي بقيمة الحرية خلال هذا اللقاء فتح مجالا للحديث عن قيمة الصداقة التي تعتبر وليدة العلاقات القائمة على الحرية والصدق والحب ، ولقد توصل المشاركون خلال هذا اللقاء إلى الأفكار التالية:

1-الصداقة علاقة قائمة على المحبة المتبادلة بين الأنا والغير، ويعدّ المبدأ الأساسي في هذه العلاقة التكامل، فالحاجة إلى الآخر جذرية إذ تشهد بعدم اكتمال الأنا حينما يكون فاقدا للاعتراف به وفاقدا للصداقة والحب.(ادغار موران، إنسانية الإنسان).

2-لا تقتضي الصداقة الاستعدادات المتبادلة فحسب وإنما تحتاج إلى إرادة الخير للصديق والإفصاح عن الاخر.

3- رغم إقرار الفلسفة بعدوانية الأنا وميلها إلى العزلة والعدوان تجاه الاخر(هوبز، فرويد) إلا أنا الواقع يثبت العكس تماما فبدون وجود الاخر لايمكن العيش والاستمرار.(سارتر).

بعد هذا اللقاء، قرر المقهى الفلسفي أن يتطرق إلى مسألة أزمة التواصل اليوم في محاولة لفهم معنى التواصل والحاجة إليه والاسباب التي جعلتنا نتحدث اليوم عن “أزمة”. وذلك إيمانا بأنه من واجب الفلسفة اليوم النظر في هذه الأزمة التي مثّلت قطيعة مع قيم: الحب، الحرية،الصداقة، والوحدة والعمل على طرح حلول عملية تلتمس تكريسا لعقل منفتح عن الآخر يفكر في المنفعة العامة ويؤسس لقرية كونية تؤمن بالاختلاف وتقطع مع العنف الذي يشهده واقعنا بما فيه من إرهاب وإنتحار وتعصب واللاتسامح الديني.

ولقد توصلنا بعد جملة من المداخلات للمشاركين في هذا اللقاء إلى هذه الأفكار:

1- التواصل هو تفاعل مع الآخر سلبا أو إيجابا، يبنى على شروط نظرية وإيتيقية أخلاقية باعتباره مطلبا إنسانيا.

2- التواصل عملية تربوية تثقيفية تجعلنا نتحدث عن وحدة رغم الاختلاف الفكري والمعرفي وتعبر تدعم القيم الانسانية الكونية.

3- تطور تكنولوجيات الاتصال في مجال البث المرئي الذي يرتكز أساسا على “الصورة”، باعتبارها إحداثية تستهدف الوعي والتفكير الإنساني الحرّ، مما حوّل هذه الثورة الاتصالية إلى خطر يهدد”مشروع السلم الدائم” لكانط، ونظرية “الوحدة الكونية داخل التنوع” بعبارة ادغار موران، وبالتالي نصبح أمام إشكالية اللاتواصل الأحادية الجانب، والتي تعمل على إنتاج  إنسان منعزل، لا يؤمن بمبادئ بالتشاركية المعرفية والفكرية وليكون ضحية لمجتمع الفرجة بعبارة “غي ديبور”.

ولقد ذهب البعض في هذا اللقاء أنّ الوسائط الرمزية مثل الصورة السينمائية أو التشكيلية يمكن أن تحلّ أزمة التواصل اليوم، ولذلك قررنا الخوض في مسألة العلاقة بين السينما بالفلسفة محاولين في ذلك من خلال هذه الأسئلة إيجاد التقاطعات بين هذين المفهومين المتلازمين في أغلب الأحيان. فماذا يمكن أن تقدم الفلسفة للسينما؟ وماذا يمكن أن تقدم السينما للفلسفة؟

كيف يمكن الجمع بين الفلسفة التي تقدم عادة كخطاب نخبوي فارق في التجريد وبين السينما كحقل إبداعي جماهيري يدعم الصورة ويمتزج فيه الفكر بالخيال نحو الطريف والفريد؟

ولقد توصلنا بعد النقاش الى الافكار التالية:

1- يمكن القول أنّ السينما كتابة بالصور وأفق للتفكير الفلسفي إذ تمنحنا نوعا من الصدمة على مستوى الفكر فتنتقل إلى الجهاز العصبي ذبذبات خاصة من خلال ما يسميه دلوز الصورة_الحركة. فإذا كانت الفلسفة وضع للمفاهيم فإنّ السينما تبسيط بالصور.

2- السينما فعل مقاومة من خلال الرقي المعرفي والفكري والاتيقي التي تتنافى مع السينما التجارية، كما تمثل إستعادة للماضي وتوثيقا لدرامية التخيل وواقعه التاريخي، كما أنها تفكك الواقع السياسي على مستوى المساس بالحرية والرقابة وعلاقة الدولة بذلك.

3- الفيلسوف المستقبل هو الفيلسوف الفنان مبينا أنّ الفلسفة في حاجة للسينما لكي تحطم الصورة الدغمائية للفكر التي هيمنت على الفلسفة ومازالت تهيمن عليها منذ أفلاطون حتى هيغل، فالسينما من هذا المنظور ممارسة جديدة للصور وللسمات ينبغي على الفلسفة أن تنشىء لها نظرية باعتبارها ممارسة مفهومية.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: