المعري أو في الطرافة السردية للهامشي فينا | عيّادي العامري

img
فكر 0 Slim oussama

في كل سردية ثقافية هناك أيقونات مرجعية كبرى في المركز كما في الهوامش المتعددة التي هي في حقيقتها مقاوماات سردية لهذا المركزي الذي ينتج تصورات و خطابات تسود لردح من الزمن، تشهد هذه الخطابات و التصورات التي تشكل روح المركز تحولات كمية بسيطة لا تؤثر على الكل البراديغمي الذي يجمع معطياتها لكن هناك لحظات نوعية إما بفعل داخلي (ثورات اجتماعية و سياسية) أو خارجي (استعمار أو عولمة أو اخترقات مخابرتية الخ) تحطم وحدة هذا البراديغم السائد و تجعله يتهاوى إن لم يستطع استيعاب المفارقات التي يواجهها، وهذا التهاوي يسمح لتلك الهوامش بدخول في حوار مع سردية المركز لتشكل ربما مخرجا تاريخيا جديدا لمرويتنا حول أنفسنا و حول انتمائنا للعالم الذي يمثل مجالنا الحيوي إدراكيا (المعرفة بالآخر) و سياسيا (طريقة تصريف علاقتنا معه). هذا الإطار التفهمي سيكون مدخلا مناسبا لطرح موضوع هذا المقال و الذي هو في الحقيقة استعادة لأيقونة من الهوامش الكثيرة في تاريخنا المضاد أو لنقل لمروية غير رسمية (أي خارج خطاب و تصور السلطة السياسية الرسمية التي تدبرت خطابنا و تصورنا لأنفسنا) سنحاول من خلالها الولوج إلى شكل البراديغم الجديد للذات العربية من ناحية الثقافة و التي هي بالضرورة الممهد الأصلي لتشكل الشرط الأولي لظهور سياسة داخل المشهد العربي المعاصر الذي لن ينجح في التأريخ لنفسه إلا في علاقة باستيعاب صدمات العولمة المشطة و الكولونيالية الثقافية الاستعمارية التي تشكل شكلا من علاقات قوة غير متكافئة. صدمات العولمة كثيرة و مربكة في أيامنا هذه و لعل أبرز الصدمات هي تلك المتعلقة بالتسييل (1) المتواصل لأشكال الاعتقاد الخاصة بكل السرديات الهووية المتعلقة بتقديم معنى أولي و عام للحياة، هذا التسييل يمر عبر اكتشاف ثقافتنا العربية لمدى سذاجة تصوراتها العلمية التي لم تعد تصلح في مواجهة صلابة العلوم الحديثة و المعاصرة. و من جهة أخرى في علاقة باكتشاف التشابه البنيوي الذي يشكل سردية الثقافات و الأديان. هنا بالذات يدخل بطلنا الهامشي، ذلك الذي علّمنا من خلال أهم أعماله أن تكون لنا قدرة احتمال السخرية من سرديتنا، من تصلبها الشرياني المتعلق بكشف جملة من السذاجات التي تتحكم فيها و تجعل منها آيلة في كل لحظة للانهيار، هذا الانهيار ليس مرتبطا بعدو خارجي قد يستهدفها إنما بعقل ساذج يحكم خطابات و تصورات المركز السياسي و الثقافي الذي حدد لنا أفق فهمنا و سلوكنا، من منا يقدر أن ينكر أن المعري برسالة غفرانه و حديثه الساخر عن الجحيم و النعيم والحساب لم يجعل من ثقافتنا و لأول مرة تواجه سذاجتها الطفولية و تكشف عن وجهها المليئ بالمفارقات و التناقضات التي إن لم يحسم فيها النقاش بشكل عقلاني لا يمكن لنا المرور خطوة واحدة إلى الأمام في المستقبل الدنيوي كما في أفق الانتظار الأخروي، هذا النقاش لم يحدث إلى اليوم ولا نظن أنه سيحدث، في حين أنه حدث بالفعل في كنيسة الغرب (2). يواصل بطلنا الهامشي فيقول بصيغته التهكمية المعتادة “في اللاذقية فتنة ما بين أحمد والمسيح هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يصيح كل يمجد دينه يا ليت شعري ما الصحيح” يبدوا أننا في الوهلة الأولى أمام بيت كتب منذ ما يزيد عن عشرة قرون، لكن مادمنا أمام المعري فإن المقاربة الكرونولوجية تتعطل تماما، لفرضية بسيطة أسوقها، أن هذا العقل الساخر، لا يكف على أن يخترع لنفسه خطوط انفلات من ظرفية المكان و الزمان، ليجعل من قوله حكمة تتجاوز تلك الظرفية لتكون بذلك مدخلا شعريا مناسبا في كل مرة. ما يهمنا الآن، هو استيعاب ما ليس ظرفي في هذا القول، و ببداهة أولى يمكن إيجازه في سؤاله المتعلق “بما الصحيح؟”، إن هذا الإرباك المعرفي الذي عاشه المعري يشابه نوعا ما ما نعيشه اليوم من غرق كل صاحب عقيدة في تمجيد عقائده و دعمها بكل الطرق المشروعة و غير مشروعة، تغيرت المآذن و النواقيس بالصور و الكتابات في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي و بال “فيديوات” الدعائية في شاشات التلفاز، و ازدادت الحيرة المعرفية و الارتباك الذي يعيشه هذا الكائن الذي يعيش زمن مابعد الملة كما وصفه الفيلسوف فتحي المسكيني، هذا الذي يعيش في المابعد، دون سقف سردي يحميه من التيه الذي يميز أذهان المابعديين في أفق الفلسفة المعاصرة، لا يستطيع في ثقافتنا العربية إلا البحث في جسد هاته الايقونة التي تشاركه السؤال المعرفي عن “ما الصحيح؟” هنا بالذات ننتقل إلى التنقيب عن منهج المعري لكشف الحقيقة، عن عمله في المنطق الذي يمثل أساس العلوم في عصره، و هنا تكون بداية جديدة لهامشية المعري، المعري لم يكتب في هذا الشأن بل كان ميّالا لناحية أخرى غير لغة الفلاسفة الصارمة، كان من المطرودين من مدينة الفلاسفة الأفلاطونية مثله في ذلك مثل هوميروس وهزيود، هؤلاء الملعونون من أباطرة الحقيقة بدعوى إفسادهم لكمال الحقيقة و لطهرانيتها الخالصة، و هذا الملعون بالذات الذي نتحدث عنه كان مدركا جيدا أن الحقيقة هي ليست تدربا على الموت و اكتشاف لمابعد الطبيعة بل هي تدرا على الحياة، أي سؤال عن المعنى و القيمة من الوجود في هذا العالم، هذا الطريق الذي سلكه المعري ربما هو السبب الحقيقي الذي دفعه ناحية التأرجح بين السخرية من كل الأباطرة، أباطرة الحقائق الفلسفية و العقائد الدينية و بين المعاناة و التراجيديا من حقيقة الوجود التي تتمثل في المرض و الفقدان و العزلة، المعري هذا الذي فقد بصره في سن الأربع سنوات و عاش كفيف البصر، هذا الذي أصيب ب”الجدري” حتى أنه أصبح يخجل من أن يرى الناس وجهه وقرر أن لا يتزوج؛ لقد أحس أبو العلاء بدمامة وجهه بعد الجدري ، فقرر أن لا يتزوج ، و لم يشأ أن يضايق أي امرأة أو جارية لا يعجبها ما يعانيه وجهه. هذا الحس التراجيدي سيدفعنا ناحية اكتشاف مشروعية مواقف المعري من رفضه قتل البراغيث حيث يقول “تسريح كفك برغوثًا ظفرت به ..أبر من درهم تعطيه محتاج كلاهما يتقيِ ، و الحياة له ..عزيزة ، و يمني النفس مهتاجًا” (3)

 إن المعري هنا يدعوك إلى تسريح البرغوث الذي تظفر بهِ يداك رحمة به و هو يرى ذلك من أعمال البر وهو أفضل عنده من الإحسان إلى محتاج بدرهم ، لأن البرغوث مسكين لا حيلة له في إيذاء الناس بخرطومه الذي يدسه في جسدك ليشرب من دمك ، فهذه طبيعته ، و هو يفعل ذلك لا يشعر بأنه يؤذيك ، و إنما هو يتقي الموت و يمني نفسه بالحياة مهتاجًا أي سعيدًا بها مقبلًا عليها ، مثاله في ذلك مثل المحتاج الذي ينتظر منك الدرهم ليأكل و يتقي الموت ، و أبو العلاء بمثل هذا الإحساس الإنساني المرهف ، و هذا الإحساس جعله وهو كفيف البصر يرى حقائق الحياة حوله و يشعر بتعاسة الناس و ظلم حكامهم و جور القدر و الإنسان حتى على الحيوان.

هنا نكتشف مشروع المعري الذي ربما يمثل إرهاصات أولية لمشروع معاصر كتب عنه الكثير متمثل في اعتناق الإنسانية كأفق مابعد ملي والذي نجد أساسه في الفلسفات الوجودية المعاصرة التي تجعل من الآخر حيوانا كان انسانا أو نباتا غاية في حد ذاته و هي ردة فعل صريحة على مجتمعات التشيئة و السلعنة التي حولت الإنسان إلى وسيلة لمشاريع ربحية.
سيتأكد هذا الاستنتاج و هذا التوجه الإنساني في فلسفة المعري من خلال موقفه من الإنجاب حيث كان رافضا للإنجاب بإعتباره قرار مأسويا في حق هذا المولود الذي سيأتي لهذا العالم ليعيش المرض و الفقدان و الألم و المعاناة و هذا ما كثفه كعادته في بيت شعري نقش على قبره حيث يقول فيه “هذا جناه أبى علىَّ**وما جنيت على أحد”.
يبرز هنا ذلك البعد المأساوي لشخصية المعري، هذا الذي رفض أن يجني على أحد تجربة يظن أنها ستكون مليئة بالتعاسة و الحسرة و الخوف و القلق من حقيقة الوجود التي هي الفناء والنسيان، و هنا يتقاطع قول المعري هذا مع الحركات المعارضة الرافضة للإنجاب بدوافع اجتماعية و بدوافع وجودية و مرة أخرى يؤكد لنا هذا الهامشي في أفقنا السردي أن لا مناص لنا إلا أن نستعيد هذا الجزء الاصيل المفقود من مركزيتنا السياسية و الثقافية لنحتمي به من كولونيالية ثقافية تدعي أنها عبقرية حصرية للمستعمر و لنحتمي به من عولمة مدمرة تستوعب الثراء الثقافي و تحوله إلى مخطوطات مكانها المتحف.
المعري هو أيضا في بعد منه أسلوب حياة إضافة إلى كونه أيقونة الهامش و في ذلك يتقاطع مع هامشيين في أفق سردي آخر كالإغريق، من ذلك مثلا شخصية ديوجين، و أبيقور، و الرواقيين، إضافة إلى موجة جديدة في طور التشكل اوروبيًا يمثلها أسماء من قبيل (سبونفيل و ميشل اونفري و لوك فيري)، و عربيا (يوسف سحيردة و سعيد ناشيد الخ).
اخيرا، لا يمكن لنا إلا أن نعيد ابتكار أنفسنا، و لا يمكن أن نبتكرها دون ننسف أسطورة المركز التي تدعي لنفسها أحقية معينة باسم الخصوصية الثقافية، هاته الخصوصية لن تصمد طويلا أمام شغف نفسي و مشترك بيولوجي يطرح علينا جديا أن نهاجر إلى الإنسانية (4) لكن هذه الهجرة لن تكون دون العودة لمصادر أنفسنا عبر إعادة كتابتها بما يليق برهاناتنا المستقبلية و هنا يطل المعري برأسه ليقول لنا عن خطاب و تصور ذلك المنبوذ في عصره كما في عصرنا.

————————————-
(1) مفهوم نستعيره من زيغمونت باومن ويمثل محور مشروعه الفكري لفهم مجتمعات السيولة المعاصرة التي تفقد مركزيتها و صلبتها عبر جملة من استراتيجيات نحيل الي كتابه المركزي (الحداثة السائلة) لمزيد الفهم.
(2)مقابلة خاصة للبابا فرانسيس مع مؤسس صحيفة “لاريبوبليكا” الإيطالية إيوجينيو سكالفاري، الذي نشر نص المقابلة في صحيفته.

وما لفت اهتمام الرأي العام والكنيسة الكاثوليكية، التعليقات المنسوبة للبابا حول أن النفوس الآثمة لا تعاقب، وإنما تضمحل، فيما نسب الصحفي للبابا قوله إن “جهنم غير موجودة، وأن النفوس الآثمة إنما تزول عن الوجود”. (روسيا اليوم)

(3)أبيات الشعر من كتاب : تاريخ موجز للفكر العربيِ الدكتور حسين مؤنس

(4)إحالة لطرح موجود في النقاشات الفلسفي و قد يكون المشروع الأكثر جدية في هذا النقاش هو الذي مر لمرحلة التحول الى مدونة عبر كتاب “الهجرة إلى الإنسانية” لفيلسوغ فتحي المسكيني.

Facebook Comments

الكاتب Slim oussama

Slim oussama

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: