المختار اللغماني الشاعر الثائر “الذي أقسم على انتصار الشمس”

img

 بقلم : المختار الأحولي

عصر يوم غائم حزين من شهر جانفي.كان الجمع يتابع تطورات الوضع الصحّي لشاب في الخامسة والعشرين من ربيع عمر الكلمات.متمنين أن تكون تطمينات الأطباء على غموضها بشارة خير.ونسترق السمع من حجب روحه ألتي تتردد في صدى الصوته المحزون يودّع الشوارع قائلا:*(الموت مساء أمام رفات مهرة الريح).

ـ أكركر رجليّ في شوارعها…..يا مدينة..

سلّمت مفاتيحها للمشترين…..وفتّحت فخذيها لبائعها..

يا مومسا حزينة مصابة بالشذوذ وبكلّ أمراض النساء….يا أمّا قاسية ولدتني ذات صباح

وتقتلني كلّ مساء…/…  

لكن في هذه العصريّة الغائمة.التي يبللها رذاذ الحزن.المتقاطر على جمع من الرفاق والأتراب والأحبة والأهل.زفّ الشاعر إلى عروسه في فرح محزون.بزغردات معبوداته.من صبايا الطين الحيّ واللحم الناريّ لزارات القصيدة.بفعل بركان قلبه الشمسي الصحراويّ.وبآيات من وصايا البحر والنخلات.وميراث الأغاني. التي تعمّر ليل العاشقين.لانتصار شمس الإنسان الشاق الباني. الكادح المتعب المنهك بأوجاع فقره.رغم ما اقترفه من تشييد لصروح وقصور حفنة من المحسوبين على خدمته.وإعلائه لراية بلاد مازلت تحاول الفكاك من المستعمر الراكض اللاهث خلف دمها السحريّ الخرافيّ والحضاريّ التاريخيّ.من موقعه الذي فرضته عليه قلّة علمه وتمدرسه(والحال على أيام الشاعر غالبة وعامة.على النسبة الكبيرة من أبناء الشعب.وبقيّة العرب.وبنسبة هامة حتى في العالم الذي نتصوره متقدّما ومتطورا ساعتها)لذلك نذر هذا العصيّ على حياة الذلّ بشموخ روحه الجنوبيّة المجنونة.وأصرّ على أن تكون أيامه القصيرة بيننا.هي لحظة انتشاء الانسان أينما كان.وعلى الأخصّ الثوري منهم.كما سنقرأ من وحي روحه ما تيسّر من أغاني الشمس.

لكن قبل ذلك.وحتى يكون سفرنا قانونيا.في زمن القصيدة.سنبدأ من حيث ركب الشاعر درب الذهاب إلى غيابه دما حارا حيّا ليعيش ذكرى وذاكرة.

كان أوّل الواثبين في قافلة المودّعين (على اختلاف السبل في نهج الحياة الشعريّة والسياسيّة)ابن دمه وجدول من جداول القبيلة:الشاعر العربي بإشعاعه أحمد اللغماني.حيث راسل روح المختار قائلا في وداع الأخ الأكبر الحنون:

(قصيدة:فظيع…أفول الأهلّة”إلى روح الشاعر الشاب المختار اللغماني”جريدة “الصباح”الخميس 20/01/1977)

…فظيع أفول الأهلّة

……………………فظيع…

توارى الهلال ولم يتبرّج سوى بعض ليله..

على مطلع شفقيّ البساط

تنفست اللمحات المطلّة…

فكانت عبيرا مشعّ

وكانت ضياء يضوع

وكانت على الأفق شعلة…/…  

أمّا صديقه ورفيق دربه الناقد المشهور بجديته وصرامته وسخريته اللاذعة.أحمد حاذق العرف.فكتب في مقال تأبينيّ (بجريدة “الصباح” 1977)

(…كان أحد الشموع التي خسرها الشعر التونسي الجديد.المليء بالوعود والعطاءات.كان أحد الشموع التي فقدتها الطليعة الأدبيّة ببلادنا وهي تدخل منعرجها الجديد…كان أحد الشموع التي خسرتها الثقافة الوطنيّة المطلّة من وراء الأفق والتي نسعى جميعا إلى توفير مناخها…)

ولم يكن كلام الناقد مجازفة أو تجديف…بل من نظرة عارف بالدورين اللذين كان المختار يقوم بهما على المستويين الابداعي الشعري والتأسيسي الباني لفضاء الشمس المنتصرة..من خلال مساهمته في تأسيس النوادي الأدبية والثقافية

والشعريّة..مع حضوره التوعوي كمساهم فيما يجب أن تكون عليه التحولات الشعريّة.(حسب رؤيته النابعة من ثقافته المكتسبة في زمنه ومعايشته لتنظير الأفكار التي تهم الشعر خصوصا كأداة لنصرة الشمس الحارقة بحقيقة وضعها والفعل الفكريّ السياسي عموما)

ـ ولنا أن نذكر صريح قوله سنة 1977.(…إننا كنّا ومازلنا نؤمن بطليعة أدبيّة مبدأ وموقفا ولم نؤمن بها أشخاصا.وبعيدا عن كلّ الخلفيات والعلاقات وتأثيراتها…) وبرؤية حداثية تحريريّة للشعر ودوره فحال الشعر والشعراء كما رآها ووصفها في قوله: قصيدة*(الشعراء):

ـ خززت أفكارنا…ركدت

أضحت مستنقعات…عشش فيها البعوض…

باض في القذرات…/…

ويواصل فاتحا أفق البناء لقصيده وهو يخاطب روحه الفاعلة قائلا *(سأعرف كيف أبني أفكاري…أبنيها…أنا الباني…أعجنها بأحزاني…/…)

وهنا وجب أن أنبّه إلى أنّي لا أدّعي عظمة وهميّة للشاعر.ولا أأسطره بقدر ما أتوخّى موضوعيّة المستقرأ،لكنه ولبّ شاعر أسهم في ما بلغنا من خلال حلقات الاستمرارية والتواصل.للمشهد الشعريّ في تونس.وأخضع من خلاله المنعطف السبعيني للشعر التونسي وخياراته ومواقفه لبصيرة المكتشف.من خلال نموذجه الذي كان ومازال عند الكثيرون ذاكرة وذكرى وشهادة شاهد على مشهد شعريّ حقيقي.لتونس السبعينات بحراكها الثقافي وكلّ المؤثرات فيه وعلى رأسها العامل السياسيّ الذي كان سند كلّ مبدعي وفناني تلط المرحلة بالفكرة والنظرة ورسم الطريق.وهنا أجدني أتفق مع كلام الدكتور الذي رافق ولازم كنوز وشعلة الأدب السبعيني وعلى رأسهم شاعرنا المختار(وما يسمى بحركة الطليعة الأدبية في تونس) في قوله عند تأبين الشاعر في جلسة بنادي الشعر بدار الثقافة إبن خلدون الذي كان الشاعر من بين مؤسسيه صحبة كلّ من المتكلّم ذاته الدكتور هشام بوقمرة.والشاعر أحمد اللغماني والشاعر عبد الحميد خريف والأديب محي الدين خريف والشاعرة فاطمة الدريدي والشاعرنورالدين صمود ومحمد أحمد القابسي والميداني بن صالح وغيرهم…وذلك خلال سنة 1976.

ـ حيث قال :(…لم يكن صوتا فريدا،ولكنّه كان صوتا داخل رافد أصيل،ساهم في حركة شعريّة إبداعيّة في صدق وإخلاص…)

وهو الذي حدد دوره الشعريّ بقوله *(عن الشعر):

الشعر لا يبيعه البائع

ولا يشتريه زبون

مطعون أنا…………مطعون

ككلّ جياع الأرض

محتاج إلى الصياح

محتاج إلى الرفض

محتاج إلى حمل السلاح……………..إلى استعمال اللفظ…/…

ـ المختار اللغماني شاعر هموم زمانه:

كان عرس مواراته الثرى في منبته “قرية الزارات” وترجّله راحلة الأيام.رجّة لهيكل كلماته التي سكنت لسان وقلوب ثوار أيامه في تونس.التي كان صورتها وصوتها الواقعي الحقيقي.على بساطة كلماته وعمق معانيها الانسانيّة وبروحه الجنوبية البسيطة المحافظة على الودّ والحبّ والتآزر والتآخي التي كان حريصا على إشاعتها بين رفقائه وأصحابه وكانت دليل ونهج محبّته للشعب بأسره الذي تكلّم بلسانه وببساطة مفرداته اللغوية الشعبيّة.وهو ذاته من يوصّفها بصراحته الجنوبيّة المكشوفة،في قصيدة(عبارتي شعبيّة)ـ

عبارتي شعبيّة

عاملة ساعية

وواعية……………….اضربت على الاعمال الفنية.

عبارتي شعبيّة

قبيحة كالجوع

ولا تصف الربيع………………..فهي ليست شعريّة؟

عبارتي شعبية….تجوع كالفلاّحين…..تعطش كالعمّال……وتحبس كالثوريين..

لكنها تبقى مثلهم حيّة…/…

إنّ تأثيرا الواقعيّة الاشتراكيّة بجميع مفرداتها واضحة في أثر شعراء السبعينات في تونس وليس ذلك بالغريب إذا ما أخضعنا هذا النهج المتبع لمتغيرات دولية وإقليمية ووطنيّة خصوصا.إذ كانت تلك الفترة هي ذروة الصراع والصدام مع سلطة قامعة بوليسيّة استندت إلى قوّة البوليس لترسي الأمن السياسي.ووظفت القانون لتنشئ محكمة خاصة “محكمة

أمن الدولة”قدّام المدّ الثوري الشيوعي.الذي فضحها على أنها سلطة عميلة تكرّس ليس سلطة المستعمر القديم بل وفتحت البلاد لسلطة مستعمر أخطر الإمبرياليّة والصهيونيّة العالميّة وعلى رأسها أمريكا.

وكانت الطليعة الأدبيّة هي رؤية ثوريّة وطنيّة تونسيّة.ثقافيّة.شعريّة.وأدبيّة عموما.تحاور الأفكار العربيّة.والإنسانية الثوريّة في حينه.وتحدد مجال تحرك المبدع والمثقف العضويّ في صميم هموم شعبه ووطنه وهو النموذج العربي والإنساني.لمعاناة وشقاء هذا الانسان الذي ينشد الحرّية وحقّه الشرعيّ والقانونيّ والطبيعيّ في الرغيف بعزّة وكرامة.منها يبني عزّة وكرامة وطن برمّته.وشاعرنا لم يكن سوى حلقة من سلسلة يتواصل صهرها حتى الآن وحتى غد الانسانيّة.فلا أدب ولا فنّ ولا إبداع بلا قضيّة ولا وجهة نظر تنتمي اليه معنى ومبنى.وما مقولة الفنّ للفنّ سوى مقولة هارب من ساحة المعركة.متغطّي برداء برجوازي.نسجه الخوف من قمع السلطة من جهة والاسترزاق من فتات القصور من جهة أخرى.

لكنّ شاعرنا بمعيّة رفاق دربه كوّنوا سلطة معنويّة لمن يدعوهم “بورقيبة (بالأفاقين)” القادمين من ريفهم بغبار هذا الريف ناشدين موقعا في المشهد الوطني.وهنا نورد إجابة الشاعر الصريحة متغنّيا بخصال منبته الريفيّ الذي أنشأه كغيره من الريفيين بلا زيف أو أقنعة المدينة التي اكتشفوا أمراضها تلك زمن قدومهم طالبين العلم من مناراتها التي تعجّ بالريفيين.

وبسخرية مبطنة واعتزاز واضح يقول:في قصيد(ريفي)

ـ ريفي.كأن تقول “جبري” غريب عن الحضارة

ومن الحفاة العراة المعفسين على الحجارة

ريفي كأن تقول “غبيّ” في مسرحيات الإذاعة

يهدي الدجاج والبيض…في سنوات المجاعة…………………………

…ريفي..كأن يقول للدجاج ..دجاجة

ويعطش…..ويعرى…………………………..ولا تحنيه الحاجة…/…

وهنا أجدني مجبرا على أن أمرّ من ثنايا النخل والتين والزيتون.ومسارب الواحة…وملح البحر..حرارة ماء العين..في (زارات) جنّة الشاعر..وملهمته الأولى..ومن رزقته الخمسة والعشرين ربيعا من الحبّ المحزون…والشدو الحنون..وروح الجنون…التي زاوجته ونصرة شعبه المفقّر…ليدفعهم في فخر وانتشاء وهو صارخا:

*ـ ارتفعي يا أيدي…يا أيدي ارتفعي شددي القبضات…

أصافحكم…أصافحكم…يا حاملين في قبضاتكم هدير البحر الآتي……………/…فمن هي معبودته التي تمتلك ناصية وجوده وغيابه؟

ـ المختار اللغماني شاعر الزارات:

فمن هي هذه المعبودة؟التي ترسم حدودها الواحات الشاسعة جنوبا.وشرقا البحر.وشمالا طريق الميناء الآن.هي قرية موجودة من*(الزمن البونيقي “على أقلّ تقدير” استنادا على يوجد من آثار راجعة لهذا العصر الراجع إلى 111 ق م تقريبا.وهي آثار موجودة بمنطقتي المعمورة وشطّ العوامر وغيرهما.كما أثبتت عمليات المسح الأثري وجود أكثر من 150 موقعا أثريا بالجهة يدلّ نمطها المعماري وحجارتها الضخمة على انتمائها لحضارات مختلفة منها البونيقيّة التي ارتبطت بالسواحل والحضارة الرومانيّة التي ارتبطت بالسهول والأراضي الخصبة.) كما نلاحظ وجود بعض الآثار الرومانية وأنت مار من جهة الزارات (ومنها ما يوجد جنوب الواحة قرب سبخة).وهي تنتمي الى مركز عمراني غابر.يوافق موقعها واحة الزارات fulgurita فإنها هنالك محطة رومانية قديمة تسمى نسبة إلى   peutingerحسب دليل العالم الأثري للآثار الرومانيّة ويحدد الموقع الأثري للمدينة الحقيقية المعروفة antonin  والتي تربطها بمدينة تكابيس.”قابس”.

وكتب عنها العديد من الرحالة عربا وإفرنج ومنها ما كتبه الرحّالة التيجاني ص 119 من كتاب رحلته قائلا: (الزارات قرية ذات نخيل كثير وماء غزير ينبع من عين حمئة وقد اجتمعت لدى منبعها بركة ماء متسعة القطر بعيدة القعر.وأهلها من البربر والمتمسكين بمذهب الخوارج وهذا المذهب هو الغالب آنذاك على جميع البقاع التي بين قابس وطرابلس وخصوصا أهل الساحل البحري منهم).

أمّا الكاتبان فقد دوّنا سنة 1888 .fernand lafitte  وjean servonnet  في كتابهما خليج قابس “ص131 و 132” فهما يذكران الزارات (قرية يسكنها قرابة 400 أو 500 نسمة من أصل بربري وتشبه حدائقها في اخضرارها حدائق قابس وبها نخيل كثير واشجار مثمرة تسقيها مياه متدفقة من عين سخية تصب في بركة كبيرة قبل أن تتفرغ إلى سواقي

 باتجاه الواحة ولما يأتي زائر بين العصر والمغرب في فصل الصيف خصوصا يشاهد مظاهر الحياة اليومية فريدة لهذي القرية عند نقطة الماء هذه.). 

ـ ولم يبقى الأصل الدم الساري في عروق أهلها بربريّا. منذ زمن بعيد في القدم.بعد اعتناق بعضهم للإسلام وهجرة من خالفهم إلى مواضع آمنة من جيش المسلمين القادمين من مشرق وفيه خليط أعراق تركت بصمتها في الإرث العام للقرية.منذ فجر جيوش حسّان ابن ثابت ومن تلاه التي مرّت من مدخلها وترابها أو على مقربة كبيرة منها أي على طريق القرى المجاورة لها أيضا.فتمازج الدمّ وتدرّج في اختلاطه حتى أصبح عربيّا خالصا.نقيّا عرقا وطبعا وطابعا وإرث ونسب لا شائبة فيه. ولم يبقى من العرق البربري سوى بعض ذكر في كتب الرحّالة فقط لا غير.

ـ وهي قرية صغيرة على أيّام الشاعر.أهلها من البساطة والأريحيّة وصدق المشاعر. بحيث لازالوا في إكرام الغريب والإحاطة بالحبيب على قلّة المورد وقسوة الطبيعة التي زادت في شحه الرزق. مما دفع بأبنائها في وقت مبكر إلى الهجرة إلى فرنسا بالأساس وهذا العنصر مسّ شاعرنا بحيث حرمه لفترة غير قصيرة من التواصل المباشر وحضور الأبّ في حياته. فكانت الأمّ التي هي الملهمة والمعبودة رمز وروح المكان وآيات الزمان.التي ريح الحياة التي تقذفه إلى عوالم الحبّ.مرتكبا بما يدفعه من حبّ محزون أجمل الآثام (الشعر).

وللشعر في حياته مرحلتين رئيسيّتين ـ مرحلة القلب العاشق للحياة.الرافض لطقوس القديم البالي.الباحث عنها في جمال الصبايا وروعة الغزل ـ ومرحلة ثانية كانت هي عنوان الشاعر في دفتر تاريخ الشعراء ـ مرحلة العقل الثائر الذي يراكم فكرا ورؤية.بأسس القلب الريفيّ بفطرته وسليقته.وحبّه الصاخب الغاضب أبدا.للناس الكادحين .والفقراء المحرومين المظلومين.

ومرحلتي بنائه الشعريّ يشتركان في الرفض والثورة كعنصر أساس في وجدانه وما الاختلاف سوى بين منطق القلب ومتن العقل وهما مفصولتان بالرحلة فالمرحلة الأولى كانت في أرض معركته الأولى المنبت.أمّا المرحلة الثانية فكانت صدمة واقع تلك العاصمة التي كان في تصوره “كعامة ساكني الريف والمدن البعيدة”جنّة الحضارة ومعلم التحرر والإعتاق من التخلّف.لكن كانت صدمته كبيرة حين رأى أن ما في الريف من رزق على قلّته وطمأنينة وراحة روح وبال.لا توجد في عاصمة الجوع والفقر حتى أنّه اعترف لحلمه أنه حلم (خلواض)في قصيدة: *(حلم رجل “خلواض”)..

ـ حلمت الملاّسين في الفجر..تهاجم باب البحر…

كالريح في هبوطها..تملّس بطوبها وتضربه بالمطر

وتصعد القربيات إلى أفريكا….وتسقط لباس المغازات….في يد الخردة

والروبافيكا…

ـ حلمت:العاصمة وكانت نائمة..وحالمة

تزخر بالناس والدخان..رأيت بعض الحيطان في شارع الحرية

تبدّل لغتها الرسميّة…وبعض الأوثان…في شارع روما

تسقط مكتومة…

ـ حلمت حلمت…حكيت حلمي للجيران قالوا..يا فلان “حلمك حلم رجل خلواض وفي الحكمة قانون

يفرض عليه الإجهاض”…

ويحمله العقل إلى تأبّط الفكرة.باقتناص ذاكرة المتلقي ومرجعياته الشرعيّة إلى محاورة الرمز.والتلاعب بصوره المحفورة في روح الناس حين يقول:(أفعال بين فاعل ومفعول)

ـ “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”؟…

الذين يعشقون ويغضبون ويقولون…والذين هم سكوت..

الذين يأكلون الدنيا وتسحرون بالآخرة…والذين يأكلون الموت..

وينتظرون القوت…وخلاصة الدنيا إذا وصفناها…

الذين يحكمون فهم “حاكمون”…والذين محكومون فهم محكوم عليهم…/…

وكان الشاعر قد التزم وألزم قلمه على الإنتماء للشعب حتى في انتقاء العبارة واللفظ الذي يصل بسهولة وسلاسة إلى روح الناس البسطاء.بدون تعقيدات لغوية وبلاغيّة ومحاسن لفظيّة تركها إلى حينها وسنورد هذا التحوّل في الشكل والبنية لاحقا وفي حينه.فهو وبحكم انتمائه للشعب المفقّر والمجوّع.يلتحم معهم في *(تقديمات للعبارة الشعريّة): حيث يقول:

ـ أحبها بسيطة كمنازل الطوب..

كلباس ريفيّ من الجنوب..كحديث عامل من بلادي

كفطور الخمّاس في فصل الحصاد..

أحبها شقية كصندوق شيات..كبرويطة حمّال

كحديث بلا بروتوكول..وبلا مقدمات…/…

وكان محرّضا لاذعا وساخر في بعض الأحيان حدّ البكاء من واقع يسير نحو مجهول تأكّد فيما تلاه من أحداث تاريخ البلاد وتطورات مساره بلوغا حدّ انتفاضة(17ديسمبر/14 جانفي) صحّة رؤيته وتوجهه وانتمائه للقاعدة الأصليّة للشاعر والمبدع عموما أي الشعب المحكوم.ولم يساوم أو يهادن ويخدم بلاط الحكّام ولو لبعض غفلة زمنيّة. 

ففي قصيدة.جعلت فرقة موسيقى ملتزمة في أربعينية وفات شاعرنا من عنوانها اسما لها (الحمائم البيض).

وهي*(أحزان الحمائم البيض)يقول محرّضا:

ـ لا تستلقي..تململ في البيضة…

حطّم القشرة..

أزح عن صدرك هذي الصخرة

وصفّق بجناحيك في الهواء الطلق…/…

ولم يكن يحصر همومه في بعدها الوطني فقط.وإنما أيضا إلتزم بالبعد الإنساني وتمازج مع هموم الثوريين في العالم خصوصا منهم من كان سندا لقضايا العرب والمتطوعين بدمهم وحياتهم لنصرتهم.أمثال قائد عمليّة مطار اللدّ: الرفيق أوكاموتو.الذي خصّه ب:*(رسالة حبّ إلى أوكاموتو) يقول فيها.

ـ أوكاموتو…أحبك يا أخي الإنسان

ولست أخي في الدين…ولست بقارئ القرآن…

ولست من “خير أمّة قد أخرجت للناس”

فحين حبول البركان…تذوب جميع الأجناس…وتسقط كلّ الأديان…/…

وفي اطار ذكرنا للقضية المركزية العربيّة فلن نزيد على ما قاله في:*(الحديث عن فلسطين)

يتعمّق جرحك إثر كلّ هزيمة…

يتكشّف عن سحر الأجداد…وشعر الأسياد

وإذا أنت…كما كنت…وليمة…/…

لكن حدث طارئ على الشاعر في جزء أخير من مرحلة العاصمة(أي المرحلة الثانية والأخيرة من حياته)حيث برز تطور في الشكل والأفق لقصيده وكان إيذانا بميلاد جديد لم يسعفه الزمن ليتمّه ويخلّد منه سوى نزر و دفتر صغير لكن على صغره نستشفّ منه محاورة جميلة للشعر العربي الملتزم عموما.ذلك النهج الشعريّ الثوريّ الذي حمل بصمة رواد القصيدة الحديثة المنمقة والمزينة بسحر الحياة العربية البسيطة والريفية أيضا.من أمثال محمود درويش ومظفّر النواب والبياتي وانس الحاج والخال ورواد قصيد لبنان الجديد.فكان المختار مزيج سحريّ لم ينفصل فيه عن وطنه وبلاده بل كرّسه للغرض ذاته.لكن بوعاء جديد.سيبرز بعده وحتى يومنا هذا على أنه الشكل الأرقى للشعر العربي الحديث.

وهنا أجدني منبهرا ومجذوبا لقصيده الرائع الذي حفر فينا مسافة بين درس شعري وآخر.بين نمط ومدرسة وأخرى نابعة من واقع المدرسة الأولى كفرع أصبح بمرور الزمن هو الأصل المعتمد.والمسمى في بعده الإنساني بالواقعيّة السحريّة.

وأعني قصيد*(حفريات في جسد عربي) والذي يستهله بروحه الثائرة دوما قائلا:

لا تقتل حلمي…باسم الله..وباسم الدين..وباسم القانون..

ولا تذبح قلمي….

كلماتك حمرا قال فما لون دمي …

إنّي أشهد بحمام العالم…بالزيتون المطعون…بالبحر المسجون…وبالدنيا..

وأنا أعرف ليس في الدنيا أحلى أو أغلى من هذي الدنيا…

أشهد أنّي عربيّ حتى آخر نبض في عرقي…عربيّ صوتي…عربيّ عشقي…عربيّ ضحكي وبكائي..

عربيّ في رغباتي الممنوعة…في أهوائي…عربيّ فيما أشعر…عربيّ فيما أكتب..

لكنّ العالم أرحب…………………………………………………لكن العالم أرحب…/…

 ورغم أنني لا يمكن أن يوقفني تصفحي لعالم المختار اللغماني عند هذا الحدّ لكن لضرورة الصمت في زمن يركبه منتحلي التقوّل فإنني سأصمت لأترك لمن يريد الغوص في هذا العالم الرائع لشاعر أعاد للزمن بريقه وهو يرقد في آخر لحظة من حياته على سرير الختام وهو يقول:*(التعبير عن الغربة)وهي آخر ما كتب.

عيناي بؤرتان منفيتان في المدينة المنفى…عيناي نائمتان على دائي…معلقتان على أهوائي…

مصلوبتان على سرير عمري المستشفى……..يا مستنقعات الأيام…يا مزابل منتصف الليل….يا عمري..

مالي ولهذا الزمان……المجدب القفر……………………………………مالي ولعصري…/…

وكان عصر يوم غائم حزين من مستهلّ شهر جانفي شهر كان ولا يزال شهر ميلاد الثورة في تونس وآخرها وليس آخرا…(14 جانفي 2010)الذي أقسم فيه الشاعر آخر أيمانه الغليظة…حين أقسم على انتصار الشمس.

وبعمود شعريّ يحيلنا إلى عمود العرب:

الشمس تعود لتنام على حقدها                          مع انهمار الليل

الشمس التي تكرك على سرّ                            وبيضها يفقس على الخيل

أقسمت بالبدلات الزرقاء                                مسودّة بالمازوط والصديد

أقسمت بالمطارق تحت العضلات                        تسوّي الحديد

أقسمت بالسنابل            أقسمت بالمناجل             سنة الصابة

أقسمت بالخمّاس يمنح الأرض                         شبابه

أقسمت بزيتون الساحل                                  بتمر الجريد

أقسمت بالشتاء في جندوبة                              بالصيف في مدنين

أقسمت بالعمّال                                               والفلاّحين

أقسمت بالمازقري                                       وبالنازحين

أقسمت بالجبل الأحمر                                     والملاّسين

هذه الشمس المصفرّة خجلا               يشرق وجهها ذات صباح بدم جديد

تملأنا أملا……………………………..وتملأ قلوب الأشقياء………………والعبيد…/…

وها هو من موقعه هناك في رحم أرض بارك عزّها.نباركه نحن الذين لازلنا نتنفس اسمها إبن البلاد الذي بشّر بالثورة وكان صوتها ورمزها حتى آخر نبض في عرقه…/…كذا يبقى الشاعر الثائر الرافض .المختار اللغماني

تونس في 02/06/2014

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.