المجتمع والمجتمع الموازي :شروط التّلازم البنيوي والإنفصال الوظيفي

img

المجتمع والمجتمع الموازي

شروط التّلازم البنيوي والإنفصال الوظيفي[1]

 

   د. المولدي قسّومي

 باحث في علم الاجتماع

  جـــامـعــة تـــونــس

 

 

تندرج هذه المساهمة ضمن البناء المعرفي الخاص بالمفاهيم، وهو بناء يسعى إلى البحث عن نموذج تفسيري لفهم الموضوع قيد التّناول، ومحاولة تقديم معالجة معرفيّة من منظور المقاربة السّوسيولوجيّة. هذه المقاربة التي تعتبر أنّه لا يمكن للمجتمع أن يوجد ويشتغل إلاّ وفق منطق التّنظيم، هذا المنطق الذي يفترض ملء الوظائف المؤسّساتيّة. والتّنظيم نتيجة مباشرة للعلاقات الوظيفيّة بين البنيات الاجتماعيّة سواء كانت نزاعيّة أو وفاقيّة، لذلك تنزع بعض المجموعات الاجتماعيّة إلى الاندماج في الكلّيّة الاجتماعيّة كما يمكن أن تنزع إلى الخروج عنها بأشكال متعدّدة أهمّها الإشكاليّة قيد الدّرس: المجتمع الموازي.

وتسعى هذه المساهمة إلى فهم أسباب تكوّن البنيات الاجتماعيّة وأصولها وكيفيّة وتطوّرها، وهو الاشتغال على السّؤال الذي يبحث أيضا عمّا يحدث في الواقع باعتباره منطلقا ميدانيّا لفهم الظّواهر وتفسيرها دون أن يفترض بالضّرورة الالتزام بالعمل الميداني – على أهمّيته وفاعليّته البحثيّة- كأساس لذلك، لأنّه من الممكن أيضا بناء مسار علمي ينطلق من التّجارب التّاريخيّة للكلّيّات الاجتماعيّة أو للبنيات المتفرّعة عن تلك الكلّيات. وتضمن هذه التّجارب وجود مساحة أوسع من التّفاعل مع الوقائع والأحداث بصفتها منطلقات ميدانيّة لبناء نسق سوسيولوجي، كما تضمن حضور المعيش اليومي في صلب التّجارب التّاريخيّة[2]، لأنّ اليومي هو الواجهة الأماميّة التي تترجم واقع الأطر الاجتماعيّة الصّغرى أو الأشكال المجتمعيّة.

وتشتغل هذه المساهمة من حيث الأساس المعرفي، على مفهوم يؤمّن محمولات دلالية متنوّعة بالقدر الذي تتغير فيه الوظائف والبنيات التي تعبّر عنه. كما يفرض المفهوم ذاته تعدّدا وتنوّعا على مستوى مظاهره الاستعراضية إلى حدّ التّغاير، فيأخذ تصنيفات مختلفة مثل المجتمع المضاد والمجتمع العشوائي والمجتمع الهامشي والمجتمع التّخومي وربّما أيضا المجتمع المتخارج… ولعلّ هذا ما يفرض إعادة النّظر في تصنيف المجتمع أصلا، فتفرض علينا الرّهانات المعرفيّة في مستوى هذا الحقل الإجرائي إعطاءه صفة إضافيّة وقيمة تصنيفيّة مكمّلة لصفته كمجتمع، فيصبح مصنّفا تناظريّا حسب مقتضيات المحمولات الدّلاليّة التي تفرضها خصائص المجتمع الموازي أو مرادفاته. لذلك يصبح المجتمع مجتمعات، فيجوز تناوله في أكثر من صفة وصيغة وماهية، فنجده في صيغة المجتمع الأصل أو المجتمع الرّسمي أو المجتمع المرجعي أو المجتمع المركزي…

من المهمّ التّأكيد على أنّ تناول المجتمع الموازي بصفته نسقا كلّيّا بعناصره التّكوينيّة وأنساقه الفرعيّة ومؤسّساته القطاعيّة أمر غير مجد، لأنّ ذلك يعني إمّا تناول الخصائص الشّموليّة للمجتمع الأصلي وإمّا إحلال مجتمع جديد محلّ مجتمع، وفي الحالتين ليس ثمّة موجب للحديث عن المجتمع الموازي. لذلك فإنّ القاعدة العامّة تقتضي البحث في مستوى البنيات والأطر الاجتماعية الصّغرى والمتوسّطة والوحدات “المجتمعيّة” التي تتنزّل في سياق الموازي الذي يستنسخ نفس المقوّمات الوظيفيّة والبنيويّة الخاصّة بالمجتمع الأصل/ السّائد/ المرجعي.

قد يتضاعف هذا التّماهي حينما تكون مسألة النّماذج التّفسيريّة والمقاربات العلميّة التي تمثّل الضّرورة الملحّة لفهمه وتحليله علميّا، هي نفس المرجعيّات التي يمثّل المجتمع الأصلي ميدان عملها وموضوعها العلمي. ومع الاسترسال في هذا الاتجاه الذي يوازن بين المجتمعين ويوازي بينهما يمكن الإشارة إلى أنّ البنيات الاجتماعيّة الموازية لا يمكن أن تتوطّن إلاّ في المجتمع الأصل أو في تخومه. لأنّ المجتمع الموازي يتميّز بوضعيّة حدوديّة في علاقته بالمجتمع الأصل، ولكن المجتمع الموازي مشروط في وجوده بالإمكانيّة المجاليّة والإجرائيّة والوظيفيّة التي يُتيحها المجتمع المرجعيّ.

أوّلا: حول “مجتمعيّة” المجتمع الموازي: الولادة الاجتماعيّة والهويّة المجتمعيّة

1– الواقع والمفهوم والنّموذج التّفسيري: مطارحات نظريّة

إن كان مفهوم المجتمع مطابقا لواقع معيش على مختلف تجلّياته وتفاصيله فإنّ المجتمع كحالة وقائعيّة توجد في التّاريخ/ الزّمن أكثر ممّا توجد في المجال، ومثلما ذهب إلى ذلك كلّ من هيغل وكونت فإنّ الكائن الاجتماعي هو بالأساس كائن تاريخي[3]. على أنّ هذا الوجود التّاريخي واقعيّا والمفهوم السّوسيولوجي معرفيّا لا يشتغل إلاّ على مقوّمات اقتصاديّة وسياسيّة تضمن له شروط إنتاج وجوده المادّي والرّمزي وإعادة إنتاجه في مسار تطوّره الطّبيعي عبر التّاريخ. لذلك فإنّه “بين المعنى الذي يوحي به مفهوم المجتمع والواقع الذّي يعبّر عنه يوجد شيء آخر أكثر من مجرّد التّوافق البسيط والمطلق، فلا يكفي أن نقول بأنّهما متلازمين بشكل لا يقبل الانفصال بل إنّ المعنى لا يتأسّس أصلا إلاّ على مبدأ التّطابق التّام بين الفكرة والواقع أي فكرة المجتمع والواقع الذي يجسّدها”[4]. أمّا التّاريخ فإنّه يسجّل تطوّر الوقائع المنتجة لتلك الدّلالات، فقد يحدث أن يكون الواقع غير دقيق بشكل كبير أو غامض بشكل لا يسمح بصياغة المفهوم المطابق فيحدث أن تكون المسألة عكس ما ننتظر فلا يمتثل الواقع لمتطلّبات الجهاز المفاهيمي[5]. وحينئذ يصبح المعنى نوعا من العلامة التي تستوجب التّبرير على أرض الواقع كما هو الحال بالنّسبة إلى إشكاليّة المجتمع الموازي.

كما أنّ فكرة المجتمع لا تنفصل أبدا عن حقيقة هيمنة المؤسّسة السياسيّة (الدولة)، وليس بالإمكان فهم المنطق الاجتماعي بعيدا عن قواعد النظام والتّسيير التي أرستها التقاليد السّياسية التّابعة لمؤسّسة الدّولة. ومهما اختلفت المقاربات في صلب العلوم الإنسانيّة فإنّها تتّفق عموما على أن النّشاط البشري الجمعي يوجد في مستويات ثلاثا مختلفة مطابقة لثلاثة حقول، وهي المستوى الاقتصادي (حقل السوق) والمستوى السياسي (حيّز الدّولة) والمستوى الاجتماعي (الحقل الثقافي والحضاري). وإذ يعدّ التّنظيم نتيجة مباشرة للعلاقات النزاعيّة بين القوى التي تصارع من أجل الهيمنة وإدارة الأنساق أو فرض بعض المعايير على حساب الأخرى، فإنّ بعض الجماعات تنزع إلى تنظيم العلاقات مع محيطها الشّمولي سواء في نطاق الاندماج مع الكلّيّة الاجتماعية أو في نطاق الخروج عنها بأشكال متعدّدة أهمّها الصّيغة قيد التّناول في هذه المساهمة العلميّة.

حتّى نختبر “مجتمعيّة” موضوعنا (المجتمع الموازي) علينا أن نجده يضمن أربع مجموعات من العناصر الثّابتة نسبيّا وهي التي تكوّن البنية الاجتماعيّة. وهذه العناصر هي[6]:  الأدوار (مرتبطة بالأنشطة التي يؤدّيها الأفراد في المجتمع) والجماعات (عائلات، جمعيّات، نقابات، أحزاب سياسيّة) والضّوابط (القواعد التي تنظّم الأدوار في المجموعات) وشبكة القيم. وينحدر العنصران الأخيران في نفس الوقت من النّسق الثّقافي والنّسق الاجتماعي. وحتّى تكتمل مجتمعيّته ينبغي على المجتمع الموازي أن يستجيب للشّروط الوظيفيّة التي تخصّ كلّ نسق اجتماعي. فكلّ نسق اجتماعي يردّ الفعل تجاه أيّ عامل من عوامل الخلل التي تهدّده. وتجاوبا مع العناصر التّكوينيّة الأربعة التي يشترط وجودها لاكتمال بنية المجتمع ثمّة أربع وظائف مكلّفة بمواجهة المشاكل الأكثر تداولا وهي: وظيفة الاستقرار الاعتيادي الذي يمكن مقارنته حتّى بحالة السّكون والعطالة، ثمّ وظيفة الاندماج التي تنسّق بين عناصر النّسق، فوظيفة متابعة الأهداف وأخيرا وظيفة التّأقلم التي تتفاعل مع جملة الوسائل التي يستعملها النّسق لتحقيق أهدافه. وهنا علينا أن نهتدي إلى أنّ هذه الوظائف الأربع متراتبة بشكل موازي مع العناصر الأربع المكوّنة للبنية.

ضمن هذه الآفاق التّحليلية ومن وجهة النّظر تلك، فإن دراسة بنيات اجتماعية موازية تستوجب متابعة القوانين والمقاييس التنظيمية التي تتحكّم في عمليّة اشتغالها على مستوى أجزائها وهياكلها الفرعية المختلفة، وعلى مستوى تلاحمها الداخلي وكذلك انقسامها وتناقضها أثناء حركتها أو تغيّرها، وهذا كفيل باستدعاء التّحليل الوظيفي[7] الذي يرافق بشكل طبيعي الأطر الاجتماعيّة التي تبحث عن إدراك توازن نسق علاقاتها وتحقيق الاندماج بقدر ما يفرض استدعاء التّحليل الفاعلي. لأنّه بقدر ما “يتّخذ التّحليل الوظيفي المؤسّسات نقطة انطلاق معرّفا من خلالها بقواعد اللّعبة الاجتماعيّة، يعيد التّحليل الفاعلي القواعد إلى أسباب وجودها ويكتشف من وراء منطقها حركيّة نسق الفعل التاريخي. أمّا التّحليل البنيوي فإنّه يرتبط بالبحث عن التّطابق بين مختلف الأنساق المؤسّساتية باعتبارها أنساق تبادل متعدّدة”[8]  وهذا يعني أنّ التوجّهات المنهجية الثلاث يمكن أن تتضايف في قراءة حالة اجتماعيّة يمكن أن تنخرط في مضمار مواز للفعاليّات الاجتماعيّة الرّسميّة وتفسّرها في نطاق القواسم المشتركة وأسس الالتقاء بين الفاعل والمؤسّسة والنسق والمجتمع في كليّته، خاصّة أنّه في أيّة دراسة يكون موضوعها تلك المتغيّرات المذكورة أو أيّ منها، فإنّ القراءة الوظيفية تكون إحدى منطلقات التحليل[9]. يقوم التّحليل الوظيفي على تفسير البعد التّرابطي بين العوامل المدروسة وأهميتها في المجتمع ككّل  وهذا التّمشي الاستقرائي يفترض التمييز بين السّبب الذي انتح الظاهرة والوظيفة التي تلتزم بسياقها لأجل تفادي التفسيرات الظرفيّة و التّخمينيّة[10].

أمّا أهمّية التحليل البنيوي في موضوعنا فتبرز من حيث أنّه يعتمد البنية الاجتماعية بصفتها مرادفا للتنظيم الاجتماعي[11]، أي جملة المقاييس التنظيميّة لمجموعة اجتماعية وأنماط العلاقات التي توحّد بين أفرادها رغم اختلافها من أجل تقديم قراءة مكتملة في نطاق تفكيك البنية الاجتماعيّة الكلّيّة انطلاقا من أجزائها المكوّنة لها[12]. “…لأنّ كل ّبنية اجتماعية سواء كانت جزئية (جماعة) أو كلّية (مجتمع) هي عبارة عن توازن مؤقت يعاد تكوينه دون انقطاع وبجهد متجدّد للحفاظ على التّراتب داخل ظاهرة اجتماعية كليّة، ليكون (التّوازن) من أهم مظاهره البنيويّة”[13]. ومبدأ الكليّة هنا يمكّن من وصف الظّاهرة انطلاقا من العناصر التي تكوّنها وعلاقات الترابط التي تحكم تلك العناصر فيما بينها. وبتلك الكلّية نسعى إلى جعل اللّحمة الداخلية والدّوام في الزمان أمرا بديهيّا، وهذا ما يفسّر صعوبة تطبيق هذا المنهج على بنيات اجتماعيّة غير مندمجة في الكلّيّة الاجتماعيّة أو تشتغل ضمن نسق مواز. لذلك حتّمت الضرورة أن نتجاوز دراسة الموضوع في ثباته، بل لا بدّ من تحليله في تغيّره لنفهم كيفيّة المرور من حالة إلى أخرى ومن تشكيلة اجتماعيّة إلى أخرى.

على أساس التّعامل مع الخاصّيات البنيويّة والوظيفيّة للبنيات الاجتماعيّة الموازية، كان من اللاّزم إتّباع صيغة منهجيّة توفيقيّة تضمن إمكانيّات قراءتها نسقيّا. هذا التحليل النّسقي الذي يتّجه حسب صياغة بارسونز في لغة بسيطة وسهلة إلى تنشئة الأعضاء على تعديل الأهداف الشخصية والالتزام بالأهداف المشتركة، فقد رأى أنّه “لا توجد وحدة منفردة بالنسبة إلى كل نسق اجتماعي׃ فمجموع الأدوار تؤكّد عضويتها ضمن فريق معيّن يحدّد بمكانة الفاعل سواء كان فردا أو جماعة. ونحن ندرك أنّ الفرد والجماعة يتقاطعان، وصفة الجماعة من حيث التعريف تتكوّن من تعدّد الأدوار التي يؤدّيها الأفراد وتكاملها. وهذا لا يعيدنا إلى المكان الذي يحتلّه شخص ما في سلّم أو نسق المصالح والإشباع طالما أنّه في حالة المجتمع الكلّي فإنّه حتى الانتماءات المتعدّدة لا يمكن لها إلاّ أن تعزّز النّسق”[14].

وطالما أنّ النّسق في شكله المتطوّر يعني التّنظيم الاجتماعي باعتباره مجموعة اجتماعيّة تحتكم إلى قوانين اجتماعيّة وإلى نمط من تقسيم المجموعات والمؤسّسات الاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافيّة، فكلّ من النّسق الاجتماعي والتّنظيم الاجتماعي هما تعبيرين مرادفين لبعضهما[15] “وكلّ مجتمع يشكّل نسقا بالمعنى الذي تكون فيه الظّواهر مندمجة في كلّيّة اجتماعيّة تراقب عناصرها وتحدّدهم. هذه المجموعة المتجانسة علائقيّا يمكن أن تكون إمّا نزاعيّة وإمّا وظيفيّة تتولّى هيكلة هذه الكلّيّة الاجتماعيّة حسب متطلّباتها الدّاخليّة التي هي بالتحديد موضوع العلوم الاجتماعيّة”[16]. هذا النّسق ليس بالضّرورة متداخلا مع الأجهزة السّياسيّة باعتبار أنّ هذه الأخيرة يمكن أن تدخل في تناقض مع ديناميكيّة المجموع الاجتماعي، كما أنّه لا يمكن أن يتداخل مع التّنظيم الاقتصادي والبنية الإنتاجيّة. إلاّ أنّ هذا النّسق المتطوّر الذي يمكن أن نسمّيه بالتّنظيم الاجتماعي لا يكتمل إلاّ لأنّ المعطيين السّياسي والاقتصادي يندرجان ضمن محدّدات وظائفه ويمثّلان أهمّ عناصره التّكوينيّة.

فالتّنظيم الاجتماعي يحتوي على النّسق الاجتماعي (يتجلّى من خلال نظاميّة إنتاج المجتمع لوجوده المادّي) والنّسق الثّقافي. وهما في نفس الوقت متمايزان ولكّنهما مرتبطان مؤسّساتيّا[17]. وتترجم نظاميّة الإنتاج هذه العناصر الثّقافيّة العامّة (القيم والرّموز) في ضوابط عمليّة تنخرط في أدوار فعليّة تعاش داخل الفعل الاجتماعي.

وضمن منظومة علم الاجتماع فإنّ كلّ حالة اجتماعيّة تتشكّل من قبل الأشخاص هي دوما نتيجة مسار تطوّري سواء كانت في صلب الدّولة أو في صلب المجتمع الكلّي أو في صلب الجماعات المحلّيّة، وكلّ الأطر يمكن أن تكون مترابطة فيما بينها وظيفيّا.

ومهما كانت هذه التّشكيلات سياقيّة (أي مرتبطة بمسار تكويني) فإنّه يصعب فهمها إذا لم تخضع إلى تحليل سببي لمعرفة كيفيّة تكوّنها، ومن ثمّ التّحرّي في “مجتمعيّتها” أو في “هويّتها المجتمعيّة”. ويكفي أن نتذكّر بأنّ الإنسان هو في حدّ ذاته “مسار”، فهذا يندرج حتما ضمن تجاربه الأوّليّة، ولكن على مستوى التّفكير فإنّ تلك الحقيقة التي تتكون اعتياديّا هي ملغاة بفعل الاتّجاه القوي نحو اختزال الحالات الثابتة، لذلك يضمحل المعنى الذي تعكسه مقولة أنّ الإنسان محكوم بمسار لابدّ أن يقطعه[18].  لذلك فالمسار الاجتماعي ليس سوى عنصر من مسار أعمّ هو مسار التّطوّر التّاريخي. ولا ينتهي هذا التّطوّر في مجمله حتما إلى تحقيق غرض مخطّط بشكل عقلاني كما أنّه ليس بالضّرورة من تبعات ظهور واختفاء بنيات غير منتظمة أو اختفائها[19]… وهذا التّداخل الأساسي بين المخطّطات والأفعال البشريّة يمكن أن يحفّز تغيّرات لم يكن أيّ فرد يتوقّعها. فالعلاقات الاجتماعيّة تفرز نظاما خاصّا، نظام أكثر صرامة وضغطا من إرادة المنطق الفردي. إنّه نظام تلك التّبعيّة المتبادلة التي تحدّد مسيرة التّطوّر التّاريخي دون أن نفترض وصفها لا بالعقلانيّة ولا باللاّعقلانيّة لأنّ القوانين النّوعيّة التي تحكم ظواهر التّداخل الاجتماعي المتبادل لا تتماهى لا مع روح الفكر التّخطيطي للأفراد ولا مع تلك التي نسمّيها الطّبيعة، رغم أنّ هذه الأبعاد الثّلاثة للواقع مترابطة فيما بينها بشكل لا يقبل الانفصال على المستوى الوظيفي[20].

لذلك نفترض أنّ المجتمع الموازي ينشأ في ارتباط بنمط التّبلور الاجتماعي في صلب المجتمع الأصلي لأنّه نتاج لنمط التشكّل الطّبيعي والسّياقي للتّكوينات الاجتماعيّة. فبقدر ما يكون التّشكّل “لامعياريّا” فإنّه يولّد وحدات موازية. و”اللاّمعياريّة” إمّا أن تتجسّد في ضعف التّشكّل التّاريخي للتّكوينات الاجتماعيّة ممّا يؤدّي إلى تدخّل عوامل أخرى سريعة التّأثير في بعض وحدات المجتمع فتبدو في شكل مجتمع مواز، وإمّا أن تتجسّد في سرعة هذا التّشكّل بحيث يمكن أن تفرز وحدات جديدة وتستوعب عناصر متخارجة تأخذ معنى المجتمع الموازي، وفي الحالتين تبدو أهمّيّة الآلة الضّابطة، فبقدر ما يفتقر المجتمع إلى الآليّات التّعديليّة الضّابطة تظهر فعاليّات إفراز المجتمع الموازي.

إنّ التّحليل النّسقي الذي نحن بصدد اعتماده لا يعدو أن يكون سوى محاولة بناء منوال تفسيري أو إطار نظري مهيّأ لتحليل النّسق الاجتماعي الثّقافي للإطار الاجتماعي المدروس مع الالتزام بتحديد نقاط التّشابه والاختلاف بين الأنساق. وهي المحرّك الأساسي لمناظرة المجتمع بالمجتمع الموازي بناء على فرضيّة أولى تعتبر أنّ كلاّ منهما نسق مكتمل لوحده، وفرضيّة ثانية تعتبرهما متكاملين في مسار اكتمال نسق الكلّيّة الاجتماعيّة. وبهذا المعنى يمكن أن نفترض كذلك أنّ المجتمع الموازي ليس سوى بنية ضمن البنيات التّكوينيّة للمجتمع الكلّي المركّب من أنساق وبنيات تكوينيّة فرعيّة ولكنّها تؤدّي وظائف موازية. وحتّى نجعل هذه البنيات والمسارات قابلة للفهم والتّأويل “يجب تحليل العلاقات بين مختلف الشّرائح الوظيفيّة المترابطة الواحدة بالأخرى داخل حقل اجتماعي محدّد، وهي البنيات والوظائف التي يعاد إنتاجها خلال فترة زمنيّة تبعا لتنقّل سريع نسبيّا لعلاقات القوى، تنقّل مرتبط بالبنية الخصوصيّة لهذا الحقل”[21].

2- أطروحة الاندماج الاجتماعي

لقد نشأت أغلب العلوم الإنسانيّة وتطوّرت حول فكرة المجتمع وحول الاعتقاد بأنّ المجموع الاجتماعي ينتظم وفق منطق التنظيم بحيث تكون كل مجالات الحياة الاجتماعية قادرة على ملء الوظائف المؤسّساتيّة ومحاطة بآليات المراقبة الاجتماعية والتنشئة على الاندماج ببعديه الأفقي والعمودي. تنحدر هذه الأطروحة من أحد النّصوص الكلاسّيكيّة الخاصّة بعلم الاجتماع المؤسّس لفكرة الاندماج الاجتماعي الذي يمثّل مجالا لاختبار أهميّة التّنشئة الاجتماعيّة انطلاقا من الفرد إلى اللّحظة الاجتماعيّة، ومن اللّحظة الاجتماعيّة إلى اللّحظة السّياسيّة. إنّنا نعني هنا العودة إلى تفكير دوركايم حول التّنظيم الاجتماعي المنحدر من المسار الذي يحدّد شروط التّنشئة والاندماج وهو كما يبدو ضيّق جدّا رغم أهمّيّة النّصوص التي تكوّن قاعدته[22].

ففي التّنظيم الاجتماعي الحديث يرتبط الاندماج بتقسيم العمل، إذ يقود إلى الاعتراف بالأهمّيّة الوظيفيّة للآخر بصفته مختلفا، فمقياس الاندماج للكلّ لا يمكن أن يبنى على مبدأ التّطابق الذي كان سائدا في الأطر الاجتماعيّة التّقليديّة، لذلك عندما نقارن التّنظيمات الاجتماعيّة الحديثة بالبنيات العائليّة ندرك تغيّر مقاييس انخراط الأفراد في المجال والفضاء. لأنّ تقسيم العمل والتّضامن العضوي شكّلا قطيعة تجاوزت الرّسم الكلاسيكي للجماعات، فهما في تعارض مع منطق التّطابق الذي يمثّل خاصيّة التضامن الآلي.

لم ينفك دوركايم عن التّأكيد على أنّ الانتماء إلى جماعة اجتماعيّة أو سياسيّة لا يتحدّد بمنطق سلالي أو عائلي (مرتكزات التّضامن الآلي) أو بمنطق الإلزام خارج الإرادة الفرديّة ضمن الواقع الاجتماعي – الثّقافي. إنّ تعميم معنى التّضامن العضوي يفرض تعريفا آخر لمبادئ الانتماء و تراتبا آخر بين العوامل التي تحدّدها، وبالتّالي فإنّ تقسيم العمل الاجتماعي له نتيجة مضاعفة وفق القراءة السّوسيولوجيّة لحداثة المجتمعات: هذا التّقسيم غيّر الرّوابط الكلاسيكيّة لعوامل اندماج الأفراد ثمّ أعطى العمل وبالتّحديد المهنة مكانة جديدة خاصّة أنّها تمثّل بالنّسبة إلى العون الاجتماعي أداة لتجاوز هامشيّته الاجتماعيّة، الأمر الذي يُوحي بوجود علاقة بين مفهوم المجتمع الموازي والسّؤال الأعمّ حول “تصنيفيّة” التّضامن. لأنّ دوركـــايم كان فيما بين 1883 و 1901 متّجها إلى إعادة الاعتبار لأهمّيّة الرّوابط الاجتماعيّة المبنيّة على التّضامن الآلي في المجتمعات التي تعرف تقسيم العمل المتطوّر وذلك لمقاومة النّزعات الأنوميّة (اللاّمعياريّة) داخلها. ومن هنا سعى دوركــايم إلى تحديد مظاهر التّمفصل بين التّضامن الآلي والتّضامن العضوي ليستخلص أنّ التنظيم الاجتماعي أصبح منوالا ممكنا لهذا النّوع من المؤسّسات كما أصبح من الممكن معالجته وفهمه في علاقة بالسّؤال السّياسي حول الرّوابط التي تجمع المجتمع بالدّولة في نظام من النّمط الدّيمقراطي[23].

إنّ الأهمّيّة التي نمنحها إلى المجتمع الموازي بالاستناد إلى دوركـــايم تبرّر بمسألتين: الأولى تتعلّق بمسألة التّوجّهات اللاّمعياريّة للمجتمع الحديث، والثّانية تنخرط في القطيعة مع القراءات اللّيبراليّة للعلاقة بين الدّولة والمجتمع. ويمكن تبعا لذلك أن نعتمد ما يراه دوركايم من ضرورة وجود مؤسّسة تلعب دور الوساطة الضّروريّة لتعديل التّبادل الاجتماعي. هذه الوساطة تهدف إلى خلق التّوازن الضّروري لصيانة التّنظيم الاجتماعي الذي يخضع في إطاره كلّ من الدّولة والفرد لنفس الضّوابط والضّغوطات بشكل متطابق[24] . لأنّ تسلسل الأفعال التي تربط أعضاء مجتمع ما مختلفين عن بعضهم البعض، هي عبارة عن مراقبة ذاتيّة ترسّخها التّربية منذ سنّ مبكّرة ولكن تحت عنوان التّنشئة الاجتماعيّة التي تذهب أكثر من الحدود المتوقّعة فتصل إلى رسم الضّغوط الذّاتيّة لمناويل التّكيّف التي تختلف حسب وظيفة كلّ فرد داخل الشّبكة الاجتماعيّة التي ينتمي إليها وتعبّر عن مستوى اندماجه[25].

ويبدو دوركايم انطلاقا من مدوّنة “دروس في علم الاجتماع”[26]، قد خصّص الدّروس الثّلاثة الأولى لمسألة الأخلاق المهنيّة وكان هدفها تأسيس نوع من الضّغط الاجتماعي الذي يبرز ضمن القواعد المهنيّة المنتسبة مباشرة للفضاء الصّناعي. أمّا الدّروس الخمسة الموالية فقد تمّ تخصيصها لدراسة الأخلاق المدنيّة، أي دراسة الوظيفة السّياسيّة للتّنظيمات الاجتماعيّة كأداة لتعزيز الدّيمقراطيّة من خلال مضاعفة ومداومة التّبادل الممكن بين الدّولة والمجتمع. ومن هذه الدّروس يمكن أن نستخلص التّمفصل بين تلكما اللّحظتين من أجل بناء الضّرورة الاجتماعيّة ثمّ السّياسيّة للتّنظيم الاجتماعي. لذلك يمكن أن نربط مسألة التّضامن بمسألة التّنظيم مؤكّدين على ذلك البعد المركزي لمشروع إعادة البناء المعرفي من داخل خاصيّات الحقل السّوسيولوجي بعبارات جديدة ومستحدثة لبعض مناويل الاندماج الاجتماعي[27]. وفي نطاق الجمع بين هذه العلاقة و إشكاليّة الاندماج نجد أنّ المسألة تمرّ عبر ما توفّره التنشئة الاجتماعيّة من استعداد لتكوين تنظيم اجتماعي مواز من خلال قدرته على اختزال أهدافه في الدّفاع عن مصالح الجماعات التي لم يحسن المجتمع الرّسمي استقبالها وإدماجها ضمن فعاليّاته الإنتاجيّة والتّضامنيّة، وكأنّ العمليّة تعبّر عن مضمون السّلطة الاجتماعيّة المضادّة حسب رهانات ما نسمّيه اليوم جماعات الضّغط[28].

في المحصّلة  يمكن أن نميّز بين مستويين لتبرير إلزاميّة التّنظيم بالنّسبة إلى إشكاليّة الاندماج الاجتماعي:

  • المستوى الأوّل يتعلّق بإثبات وجود رابط نظريّ بين التّضامن العضوي والتّنظيم الاجتماعي المدروس. حتّى في حالة البنيات الاجتماعيّة الموازية، بقدر ما يلتزم الإطار الاجتماعي بالخاصّيات التّنظيميّة بقدر ما يؤمّن شروط التّضامن العضوي.
  • أمّا المستوى الثّاني فيتعلّق بالرّبط بين المهنة والنّواميس (القواعد التّنظيميّة) التي تمكّن من التّعديل القارّ والضّروري بين تطلّعات الأفراد والإمكانيّات الموضوعيّة التي يمنحها إيّاهم المجتمع، وهذا كفيل بإثبات الدّور المجتمعي للبنيات الاجتماعيّة الموازية، حيث تؤكّد مُجتمعيّتها من خلال ما تؤمّنه لهم من إمكانيّات إدماجيّة.

إذا كانت البنيات الاجتماعيّة الموازية هي واقع مؤسّساتي قادر على ترميم خلل اندماجي مرتبط بتعميم التّضامن العضوي فمن الممكن فهمها على أنّها وسيلة إعادة توطين حقيقي للأفراد في الكلّيّة الاجتماعيّة مع مراعاة الحقيقة الجديدة المفروضة بفعل التّقسيم، أي أنّها وسيط مهمّته تسهيل مضاعفة وتوسّع المصلحة الفرديّة وتحويلها إلى مصلحة جماعيّة (اللّحظة الاجتماعيّة للاندماج)، ومن مصلحة الجماعة إلى مصلحة النّظام الاجتماعي في كلّيّته (اللّحظة السّياسيّة للاندماج)، وهذا ما يؤكّد أنّ هذه البنيات الموازية تمثّل بالنّسبة إلى المجتمعات الحديثة ذات التّقسيم القوي للعمل لحظة نوعيّة للتّنشئة الاجتماعيّة والاندماج الموازي. هكذا يمكن القول أنّ “الخروج/ الانشقاق الاجتماعي ينخرط في حركة مضاعفة من الهدم والتّأسيس أو هو حالة كشف لعمليّة تفكيك اجتماعي معلنة ونسمّيها حالة تأسيس جديدة. وهكذا أيضا يمكن أن نحلّل الانشقاق بالمقارنة مع حالة تأسيسيّة تكون شاهدا عليه وبالنّسبة إليه هو (الانشقاق) في حدّ ذاته كشكل له ديناميكيّته الخاصّة”[29].

في هذا الإطار يجوز الإقرار بأنّ المجتمع الموازي حقيقة وقائعيّة وميدانيّة متجذّرة ومؤثّرة على مستوى الفعل الإقتصادي والسّياسي والثّقافي. لذلك فإنّه في مستوى أدائه يتماهى مع المجتمع الأصلي ويشتغل في نفس الحقول وربّما يعيد إنتاج معايير وضوابط وقوانين تنظيميّة مشابهة لاسيّما من أجل إبراز خاصّيّتي الثّبات (النّظام) والاستمرار (الحراك). فعندما نتعامل مع مفهوم المجتمع الموازي فإنّنا قد نعيد في كثير من الحالات إنتاج نفس الخاصّيات الملزمة للمجتمع السّائد بما في ذلك من خاصّيات بنيويّة واكتمال نظامي وحراك فاعل حسب ما يتطلّبه التّعريف الكلاسيكي للمجتمع.

إنّ هذا التّدرّج الذي يميّز دور البنيات الاجتماعيّة الفرعيّة أو الموازية في سلّم التّنشئة (من الفردي إلى الاجتماعي إلى السّياسي) يثير تساؤلين مهمّين يطرحان تناقضا في صلب أطروحة التّنشئة من أجل الاندماج الاجتماعي: كيف يمكن للجماعات أن تكوّن مجتمعا إذا كان لكلّ منها حقيقة مستقلّة تستقطب كلّ نشاطات الأفراد؟ وكيف يمكن لتفكير قائم ضمن الفعاليّات الفرعيّة غير الرّسميّة أن يؤدّي إلى تفكير سياسيّ؟

يبدو أنّ الإشكاليّة المطروحة تحيل إلى العلاقة بين لحظتين من التّنشئة الاجتماعيّة (اللّحظة الاجتماعيّة واللّحظة السّياسيّة)، واحدة تنتهي بإرساء فكرة الفرد وأخرى تنتهي بإرساء فكرة المواطن، كما ترتبط بمقاييس المرور من الفرد الذي يتنزّل ضمن التّنشئة الاجتماعيّة إلى المواطن الذي يتنزّل ضمن التّنشئة السّياسيّة. هذا يعني أنّه لا يمكن اختزال النّظام الاجتماعي   في بنيات موازية قد لا تكون دوما متوافقة مع متطلّبات الكلّيّة الاجتماعيّة لأنّ الموازي هو بالضّرورة نتيجة لواقع فاقد للمعايير الاندماجيّة ويعاني نوعا من القصور البنيوي والوظيفي الذي يعبّر عن كلّ ما يخصّ العامّة من فكر طائش[30].  هذا الفكر الذي لا يدرك أنّ الكلّيّة الاجتماعيّة هي التي حرّرت الفرد وأدخلته في المجموعات الخاصّة والمحلّيّة التي كانت تسعى إلى احتوائه.

إنّ بنية النّسق الشّامل وتنظيمه يخلقان عند الأفراد والجماعات مسائل مخصوصة حول التّأقلم، ومهما كان الدّور والمكانة المسندان إليه أو التي يزعم تحمّلها فكلّ فرد يوجد أمام ضرورة طرح بديل أساسي أو البحث عن مستوى من الاتّفاق القابل للتّنفيذ من أجل الخروج نهائيّا من حقل القوّة الذي يمتثل إليه[31]. لأنّ الفرد وحده غير قادر على إرساء علاقة مباشرة واعية وإراديّة مع نسق الضّوابط المهيمنة على البنية الاجتماعيّة الشّاملة التي ينتمي إليها. يضاف إلى ذلك أنّ علاقة الفرد بالمنوال الثّقافي محدّدة بالأنساق الاجتماعيّة الصّغرى الحاملة لثقافات فرعيّة مبسّطة وقابلة للاستعمال كأداة تنشئة واندماج اجتماعيّين. فالبنيات الاجتماعيّة الفرعيّة أو الموازية تصلح لأن تكون وسائط بين المجتمع الشّامل والأفراد وتقوم بوظيفة اقتراح منوال مرجعي واضح ومخطّط خال من التّناقضات والشّكوك ويصبح وظيفيّا في تحديد القناعات و السّلوكيات الفرديّة. هذا المعنى يلتقي مع المكانة والدّور المعروفان في علم النّفس الاجتماعي دون أن يتداخل معهما[32] رغم أنّه قد لا يعبّر أصلا عن مقوّمات المجتمع الأصلي.

يمكن أن نبرّر ذلك انطلاقا من أنّ المجموع الاجتماعي الشّامل يعرف بنية معقّدة. والفرد الذي يحتلّ فيها وضعا معيّنا ليس مندمجا فعليّا إلاّ في عدد محدّد من البنيات الفرعيّة الضّيّقة. هذه الأخيرة متميّزة بأنساق ثقافيّة تكون رغم بساطتها غير قابلة للاختراق مباشرة، وتوفّر للأفراد الأعضاء وسائل عمليّة للاندماج والإنجاز الاجتماعي. حينئذ سيكون مسموحا لنا الحديث عن بنيات اجتماعيّة موازية منظّمة ثقافيّا انطلاقا من اللّحظة التي تؤمّن فيها إمكانيّة اندماجية بديلة عن متطلّبات الاندماج في البنيات بما يعنيه ذلك من تجاوز أو موازاة للنّسق الثّقافي الكلّي[33].

من بين الخصائص المميّزة للمجتمع هي كونه يتميّز ببنية تراتبيّة منذ العائلة حتّى جهاز الدّولة مرورا بالمدرسة والمنشأة الصّناعيّة و حظيرة العمل، ولكنّ هذه البنية لا تبدي دوما نفس الصّلابة ولا تدرج نفس المواقف المتداولة والمتوافقة. لذلك يبقى الاندماج الاجتماعي للفرد هو نجاح نسبي يلقاه في مناصفة موضوع مرجعي متطابق مع عدد من الأفراد، وهذا بشكل مستقل عن العدد المقصود لإقامة علاقات مع بقيّة المجموعات المتماثلة أو المجموع الأشمل الذي يحتوي الجميع. بمعنى آخر فإنّ الاندماج الاجتماعي يفترض ركائز تنظيميّة جماعيّة ثقافيّة فرعيّة. وهذه الأخيرة يمكن أن تكون هامشيّة سواء مقارنة مع الثّقافات السّائدة في البنية الاجتماعيّة الأوسع أو مقارنة مع الثّقافة التي تمارس هيمنتها في هذه البنية الواسعة. على العكس من ذلك فإنّ الأشخاص الذين يوجدون في صلب البنية الاجتماعيّة ولا يجدون الموضوعات المرجعيّة الكافية ولا الرّمزيّة الكافية لتقاسمها مع الآخرين سيكون لهم اتّجاه للتّموضع في حركة موازية بالمعنى المجازي أو بالمعنى الواقعي، وذلك من أجل الالتقاء بأولئك الذين يتبادلون معهم مفاهيم مشتركة داخل جماعة أضيق[34]. هذا ما يدفعنا إلى الإقرار بأنّ أصول المجتمع الموازي توجد في صلب المجتمع الأصل، سواء من وجهة نظر الشّروط المحدّدة مسبقا من طرف القوانين الاجتماعية أو من منطلق ما تسمح به ضرورات خلق التّوازن.

    ثانيا: هل تمثّل أزمة التّعديل أساسا لولادة المجتمع الموازي؟

إذا كان من الممكن تقديم الأزمات الاجتماعيّة كمواجهة آنيّة بين القوى الاجتماعيّة فإنّ هذا التّفسير لا يميّز الأزمة عن النّزاع، وهو تفسير نجده في صلب النّظريّة السّوسيولوجيّة حول الحالات  اللاّمعياريّة. ولكن هذا التّفسير أيضا لا يميّز بين الأزمة والفوضى. غير أنّ “جوليان فروند حدّد خصائص الأزمة حيث بيّن أنّها تتضمّن قطائع مفاجئة وغير متوقّعة نتيجة إفلاس مبدأ التّعديل داخل المجتمع، هذا الإفلاس يكمن وراء صعود المواجهات غير المنتظمة لكي تعبّر عن الأزمة التي تحلّ بمجموعة اجتماعيّة ما. فقد لاحظ  جوليان فروند أنّ الأزمة لا تحتّّم دوما وجود عامل المواجهة بين القوى والأطراف الاجتماعيّة لأنّه حين تحلّ الأزمة فإنّ الكثير من القطائع الموجودة بين مكوّنات المجتمع تتبدّد”[35].

نعني بالأزمة الاجتماعيّة وضعيّة تعاش بشكل مخالف للشّروط التّعديليّة من قبل عدد مهم من الفاعلين داخل المجتمع. هذه الوضعيّة يمكن أن تحيل إلى حالة شلل أو عجز أو عدم قدرة على التّأقلم مع النّظام الاجتماعي. وبقدر ما تكون هذه الحالة مرشّحة للاستمرار فإنّ النّظام مرشّح للدّخول في أزمة. بهذا المعنى فإنّ الأزمة الاجتماعيّة داخل التّنظيم تبدأ بأزمة التّعديل[36].

إنّ أزمة التّعديل تختلف عن أزمة التّسيير لأنّها تتطلّب تفسيرا يحدّد خصوصيّات التّنظيم وينطلق منه وليس التّصرّف في شأن ما وتسييره بشكل خاص[37]. ففي حين تكون الأدبيات المخصّصة لفهم الأزمة الأولى تحليليّة فإنّ الأدبيّات المخصّصة لفهم الأزمة الثّانية تأليفيّة. إنّ الأولى تستطيع أن تجيب عن سؤال يسعى إلى معرفة لماذا لم يستطع المجتمع توقّع الأزمات والتّحسّب منها. ولكن ثمّة مبدأ عام لا تختلف فيه المرجعيّتان وهو الذي يتّجه إلى أنّ العوامل القادرة على وضع المجتمع في أزمة تفترض بالضّرورة إدخال عنصر تعديلي على بنيته التّنظيميّة التي تحدّد قيمته وتتحكّم في وظيفته. لأنّ العوامل التي تملك مثل هذه القوّة القادرة على تقويض البنيات السّائدة قادرة على فرض مسار تعديلي لإرساء بنيات اجتماعيّة بديلة. هذه المسارات التّعديليّة يمكن أن تتجلّى في المجتمع الموازي على مستوى كلّ البنيات الاجتماعيّة دون أن تعبّر عن الكلّيّة الاجتماعيّة.

في هذا السّياق العام يمكن أن نميّز بين أربعة خصائص تعبّر عن الأزمة المنعكسة على مختلف ملامح الوجود الاجتماعي للفرد وهي التي تعبّر عن الأرضيّة التي ينشأ فيها وينجز واقعه. ويمكن حصر هذه الخصائص الأربعة فيما يلي[38]:

  • غياب الأمن بفعل فعاليّات الحياة اليوميّة المتمحورة حول البطالة والضّغوطات الاقتصاديّة مع الفقر المتزايد الذي يشغل العالم والذي وصل إلى حدّ إنتاج الجوع في الوقت الذي كان من المتوقّّع التّخلّص منه.
  • التّغيّر المتسارع الذي يمسّ كلّ ملامح الحياة اليوميّة والمهنيّة ويتطلّب جهدا كبيرا للتّأقلم مع المعاناة الكبرى التي تتطلّبها تكلفة التّوازن الاجتماعي.
  • التّناقض اللاّفت بين مردود المجتمع في مجال البحث والتّجديد والابتكار التّكنولوجي والصّناعي والعلمي والطّبّي، والواقع الذي يعيشه المجتمع ذاته في بعديه المادّي والرّمزي.
  • صعوبة التّواصل البشري، في عالم متّسم بالخوف المتصاعد من حالة التّفاوت بين حلم التّفوّق والنّفوذ والسّلطة وبين حلم الاستقرار والعيش في سلام في ظلّ الحراك الذي يعتبر ضرورة رغم تهديدات النّزاعات التي تسم كلّ أركان المجتمع وتحيط بكلّ بنياته الفرعيّة وعناصره التّكوينيّة.

من وجهة نظر فيزيائيّة نفهم من التّعديل عمليّة التّصحيح الآلي لحالة طارئة على الوضع الطّبيعي المتوازن منذ أن تتّجه إلى الابتعاد عن قيمه الثابتة. وفي مجال العلاقات الدّوليّة يرتبط مبدأ التّعديل بمبدأ البحث عن آليّات قادرة على إدخال حدّ أدنى من التّوازن الذي يضمن النّظام والتّوقّعيّة في العلاقات الدّوليّة حول مبدأ التّوازن تبعا لشروط التّعامل بين الدّول. أمّا في العلوم السّياسيّة فإنّ فكرة التّعديل مرتبطة بالنّظريّات الحديثة للدّولة التي تميّز بين ثلاثة أشكال من التّدخّل السّياسي في الاقتصاد: إعادة التّوزيع، وإرساء الاستقرار، والتّعديل.

أمّا على المستوى العالمي فقد تمّ فرض معنى التّعديل كترجمة لهاجس الحفاظ على الاشتغال الحرّ للسّوق مع تأمين توفير الحاجات العموميّة الضّروريّة لاستقرار العالم. هذا يؤدّي إلى إعادة الاعتبار إلى التّسلسل المؤسّساتي المفروض من قبل المنظّمات الدّوليّة من أجل البحث عن أشكال جديدة من التّصرّف الجماعي الأكثر مرونة والأقلّ تبعيّة للدّول والأكثر تأقلما مع سلاسة العلاقات بين الأمم.

أمّا التّعديل الاجتماعي فيعني مجموعة القواعد الشّكليّة واللاّشكليّة التي تؤمّن نمطا معيّنا من وظيفيّة النّشاط الاجتماعي. والتّعديل يمكن أن يعني المجتمع في كلّيّته أو في مستوى بعض أطره ومستوياته (العلاقات الشّغليّة، الحقل السّياسي) وكذلك في مستوى وحداته الاجتماعيّة الضّيقة. كما يتميّز التّعديل عن الضّبط القانوني، لأنّه ليس مجرّد جسم من القواعد القانونيّة التي تسيّر نشاطا أو مؤسّسة ولكن جملة من الآليّات المعقّدة التي تجمع بين الفاعلين الذين يمكن أن تكون أوضاعهم ومصالحهم متناقضة. وبهذا المعنى فإنّ التّعديل هو نتيجة بناء اجتماعي يتواصل فيه الفاعلون على قاعدة مجابهة وجهات نظرهم التي يصوغون على ضوئها رهاناتهم. هذا ما يوحي بنوع من علاقات القوى التي تفرض على مستوى النّسق الاجتماعي[39]. وهذا أيضا ما يجعلنا نعرّف التّعديل على أنّه الطّريقة التي يتمّ بمقتضاها إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعيّة، رغم خاصّيتها النّزاعيّة والمتناقضة، باعتماد مجموعة من الضّوابط التي تدرج كلّ الوقائع ضمن المؤسّسات وتخضعها إلى المنطق الجماعي.

وتثير إشكاليّة التّعديليّين الانتباه إلى ضرورة رصد الأنشطة التي تعود إلى الفاعلين الجماعيّين مثل الأنشطة الماليّة داخل المنشآت وأنشطة الأجراء والأنشطة الإداريّة، من أجل تعديل النّظام السّياسي والاقتصادي العالمي في ظرفيّة تسير فيها عمليّات إعادة التّركيب بشكل أسرع من التّجديد المؤسّساتي، سواء تعلّق الأمر بحركة رؤوس الأموال أو الاستثمارات أو التّجارة الخارجيّة. فالتّعديليّون يقترحون مسألة اللّعبة الاجتماعيّة التي تعني أنّ المجتمع منظّم حول مبدأ المواجهة بين الفاعلين الذين يصطفّون في معسكرين متناظرين (الأجراء والمشغّلين، الأغنياء والفقراء، النّخبة والعامّة، السّاسة والمواطنون…). وهكذا يصبح التّعديل هو الدّور الذي تمارسه الدّولة في إدارة المواجهة بين المعسكرين. والتّعديل الجيّد هو الإدارة الجيّدة للصّراع وتسهيل المفاوضات ومساعدة كلّ طرف على فهم ما يمكن تقديمه وتقبّله خلال وضعيّة معيّنة. إنّ الأدوات الأكثر أهمّية لهذا التّعديل خاصّة منذ الحرب العالميّة الثّانية كانت ولا تزال مسألة السّلم الاجتماعيّة كمظهر من مظاهر التّضامن بين الطّبقات والمساواة في حظوظ الرّقي الاجتماعي بفضل الخدمات العموميّة (التّعليم، الصّحة، السّكن، النّقل …)[40]. فالمعلوم أنّ الوظيفة الدّائمة للدّولة تهدف إلى تصحيح حالات الخلل والعجز التي تظهر في السّوق من أجل إنتاج الحاجات الجماعيّة مثل الصّحّة العموميّة والأمن وحماية المحيط. فالأمر يتعلّق إذن بالسّعي إلى تحسين فاعليّة السّوق مع ضرورة حماية بعض الأنشطة ذات القيمة الاجتماعيّة الضّمنيّة. هذه الفكرة متداولة كثيرا في الولايات المتّحدة الأمريكيّة حيث يطلق على الدّولة الفيدراليّة صفة الدّولة التّعديليّة (L’Etat régulateur). أمّا في أوروبا فإنّ الوظيفة التّعديليّة تؤمّن تقليديّا من طرف سلطات إداريّة خاضعة إلى حكومة مركزيّة، ولكنّها في المرحلة الحاليّة فإنّها تعهد شيئا فشيئا إلى سلطات إداريّة مستقلّة ومتخصّصة تناغما مع متطلّبات الحوكمة أو التّسيير الرّشيد. ويعود تطوّر هذه الأطر الجديدة للتّعديل إلى عدم التّطابق بين قدرات المؤسّسات التّقليديّة والاحتياجات الجديدة للفعل العمومي.

إنّ ما يجمع بين هذه المقاربات المختلفة للتّعديل هو الاتّفاق حول أزمة التّعديل التي تتميّز بتفكيك السّلطات القديمة وعدم فاعليّتها المتنامية والبحث عن نسق بديل بشكل متزامن.  فثمّة أزمة تعديل إذن حينما لا يكون ثمّة وجود لعبة اجتماعيّة ولا أيّة توازنات بين هذه القوى التي تلتزم بشكل متبادل بالحفاظ على قاعدة اللّعبة نتيجة الخوف الظّاهر من الخسارة ولكن أيضا نتيجة الرّغبة المفرطة في الهيمنة على نسق الإشباع والمصالح. وثمّة أزمة أيضا حينما نستنتج حدود نسق التّضامن أو ضعفه على قاعدة تأمينيّة تتعلّق بقدرة عمليّة الاندماج على تأمين تساوي الحظوظ.

  أزمة التّعديل الاجتماعي وفقدان المعايير من خلال اللاّمساواة

نتعمّد هنا استعمال عبارة اللاّمساواة بدل عبارة التّفاوت نظرا لما يضمنه من توافق مع موضوع مساهمتنا، ذلك أنّ التّفاوت مسألة متجذّرة في قانون الطّبيعة في حين أنّ اللاّمساواة من إنتاج المجتمع، وفي أغلب الحالات يمكن أن تكون نتيجة خلل طارئ على النّمط التّعديلي. ونحن هنا نتناول ما يمكن أن يتعلّق بالمعطيات الوظيفيّة في المجتمع وتمثّل إحدى الشّروط الأنطولوجيّة/ التأسيّسية لولادة المجتمع الموازي أو إحدى عناصره التّكوينيّة. تشكّل مسألة اللاّمساواة محورا شاسعا جدّا وله عمق اجتماعي شامل لأنّه يهمّ كلّ مجالات الحياة في المجتمع، كما يمكن أن يحيلنا على إمكانيّة اختيار الثّانوي بدل الأساسي أو الانطلاق منه، مثل حالات اللاّمساواة الملاحظة في وضعيّات العمل، التي هي أساسا نتيجة تنظيم العمل وهي معاشة في العمل ولكنّها تستمدّ أصلها من خارجه، كما يمكن أن تكون هي الأصل لأنماط أخرى من اللاّمساواة الموجودة خارج العمل.

فالعمل يبدو كأنّه المجال الذي تولد فيه أو تلتقي أنماط عديدة من اللاّمساواة حيث تبرز ظاهرة مراكمتها وإعادة إنتاجها في كلّ الحقول والمجالات وأركان الحياة، إلى درجة أنّه يمكن اعتبار مكانة الإنسان في عمله هي المحدّد الأساسي لمكانته في المجتمع. وهذا يسمح لنا بإمكانيّة اعتبار اللاّمساواة حالة من التّفاوت المبرمج وتكريس الفوارق الاجتماعيّة انطلاقا من قواعد تنظيم العمل ومن خلال نسق تنظيم المجتمع، وهي بالتّالي توجد في سياق مؤسّساتي يضمن مبدأ التّراكم وإعادة إنتاج نفس الخصائص مع نفس الأشخاص[41].

يبدو مشروعا أن نتحدّث عن اللاّمساواة الاجتماعيّة وليس عن مجرّد الاختلاف بين الأفراد، فالفرق بين شخصين يدخل في نطاق جودة التّبادل، لأنّ التّشابه المطلق ووحدة المضمون ُيفقران المجتمع ويُضعفان قدرته التّواصليّة على حين أنّ الاختلاف يُثريه. ولكن اللاّمساواة تبدو لنا حينما يكون “الاختلاف بين شخصين مفروضا من قبل غالبيّة الجسم الاجتماعي الذي يضع شخصا ما في مرتبة غير ملائمة مقارنة بشخص آخر. هذه اللاّمساواة تكون اجتماعيّة حينما لا تكون بين أفراد بل تكون بين فئات وشرائح وطبقات، ومن ثمّ يمكن أن نرتّب مختلف المجموعات المكوّنة لمجتمعنا وفق سلّم تراتبي وبحسب إمكانيّاتهم في حيازة امتياز ما، وغالبا ما نجد نفس المجموعات في أسفل السّلّم ونفس المجموعات الأخرى في أعلى السّلّم. هذه الخاصّيّة التّراكميّة للاّمساواة تدعو إلى التّفكير في أنّها ظاهرة اجتماعيّة وليست مجرّد مسألة عرضيّة أو صدفويّة”[42]. حينئذ فإنّ اللاّمساواة الاجتماعيّة توجد على نطاق ظروف العمل والسّلطة والمسؤوليّة والمكانة والدّور ومستوى العيش… وهي كلّها عناصر تكوينيّة مهمّة في اللاّمساواة الاجتماعيّة. أمّا خاصيّتها التّراكميّة فتتمثّل في أنّ من يملكون المال والصّحّة والسّعادة والثّقافة والسّلطة هم نفس الأشخاص والفئات، ومن هم محرومون منها جميعا هم نفس الأشخاص والفئات، ورغم أنّها وضعيّة شخصيّة فهي لا تظهر إلاّ من خلال الرّجوع إلى سياقها الاجتماعي. فالإنسان المعزول وحده في جزيرة لا هو متساو ولا هو غير متساو مع أيّ أحد، ولا هو أصلي ولا هو مواز لأيّ أحد، ولا هو مركزي ولا هو هامشي بالمقارنة مع أيّ أحد.

بمجرّد أن نبدأ في تناول اللاّمساواة الاجتماعيّة نصطدم بتناقض فضائحي وتضارب محبط: لا يخلو مجتمع من رغبته في تحقيق المساواة ومع ذلك فإنّ كلّ شيء يسير كما لو أنّ هذه المجتمعات في حدّ ذاتها لا يمكن أن تتطوّر إلاّ بالحفاظ على اللاّمساواة وتعزيز نموّها، سواء فيما يتعلّق بالعلاقة بين المجتمعات -حيث أنّ التّنمية الاقتصاديّة على المستوى العالمي لم تقلّص الفوارق بين البلدان الفقيرة والبلدان الغنيّة بقدر ما عمّقتها – أو فيما يتعلّق بالعلاقات بين بنيات المجتمع الواحد حيث يتزامن النّموّ الصّناعي مع اللاّمساواة بين الطّبقات والشّرائح الاجتماعيّة[43]. لذلك فإنّ تخفيض بعض مظاهر اللاّمساواة الجزئيّة ليس له معنى إلاّ إذا كان مقياسا لظهور نوع جديد من اللاّمساواة (استبدال اللاّمساواة في مستوى نفقات التّغطية الصّحّيّة باللاّمساواة في مستوى نفقات التّعليم…) وبهذا المعنى فإنّ اللاّمساواة تغيّر الرّوافع ولكنّها تحافظ على إعادة إنتاج الشّعور بالفوارق وبذلك فإنّ البرامج التي تهدف إلى إلغاء اللاّمساواة لا تبلغ منتهاها إلاّ في مستوى تعزيزها. ولعلّ المثال الأكثر تداولا هو دمقرطة التّعليم، ليس فقط لأنّ نشر التّعليم المدرسي ظلّ بدون فائدة فيما يتعلّق بالمساواة في الحظوظ والرّقي الاجتماعي، ولكن لأنّه عرف دوما نتائج عكسيّة. فدمقرطة التّعليم أفرزت تعليما خاصّا للأثرياء وتعليما عموميّا للطّبقات الشّعبيّة دون أن يتوفّر النّظامان على نفس الإمكانيّات والكفاءات والبرامج والتّخصّصات، وهذا يحافظ على نفس درجة اللاّمساواة ويعيد إنتاجها ولكن بتبريرات جديدة وانطلاقا من مستندات جديدة حتّى وإن كانت الدّيمقراطيّة في حدّ ذاتها.

أبعد من التّفسير الاقتصادي المحض (نسق الملكيّة والسّلطة) وأدقّ من التّفسير الذي يستند إلى القدريّة الطّبيعيّة (التّفاوت مسألة طبيعيّة والنّاس يولدون غير متساوين) ثمّة مقاربة ثالثة يقترحها علم الاجتماع مباشرة: كيف تدرك المجتمعات أنّه محكوم عليها بالدّفاع عن المساواة ولكنّها أيضا متّهمة بإعادة إنتاج

اللاّمساواة؟ هذه السّوسيولوجيا تجد الإجابة في تحليل الآليّات التي أسّست المجتمعات الصّناعيّة وساهمت في تطوّرها[44]. ومن وجهة النّظر هذه فإنّ هذه المجتمعات أوجدت أسطورة المساواة من أجل تفعيل عمليّة هدم المجتمعات السّابقة، وبالتّحديد فإنّ التّنظيمات الكبرى التي ميّزت المجتمعات الحديثة لا يمكن أن توجد إلاّ على أرضيّة اللاّمساواة لأنّها تحافظ على ديناميكيّتها بقيادة الأفراد المتحكّمين في نسق الملكيّة وتصون سلطتهم بفضل قدرتهم على توجيه هذه الرّموز واستقطاب الرّمز اللاّمساواتي.

يثبت التّاريخ كما التّجارب الشّخصيّة أنّ واقع اللاّمساواة في بعدها المطلق توجد ضمن شروط الوجود البشري في حين أنّ البحث عن المساواة المطلقة بين الإنسانيّة يدخل ضمن خاصّيات الفعل السّياسي[45]. أمّا الرّجوع إلى مسألة اللاّمساواة الاجتماعيّة فتسمح بافتراض أنّ العامل المحدّد لها هو الانتماء الاجتماعي أو الطّبقي، وفي نفس السّياق الاجتماعي فإنّ الرّجوع إلى مسألة المساواة يندرج ضمن الهواجس والاهتمامات الذّاتيّة مع كلّ الدّلالات السّيكولوجيّة التي يمكن إدراجها. في عمق المسألة فإنّ كلّ فرق بين شخصين يجعلهما بشكل ما غير متساويين رغم أنّه لا شيء يمكن أن يمنع الأخذ بعين الاعتبار فعلا مساواتيّا يمكن أن يلغي كلّ الفروق، ولكن ما يدخل في مجال الاختلاف هو الإقرار بكون الفروق المعاشة تعبّر عن حالة نقص لا عن حالة امتياز مؤكّد ومثبّت بعناصر موضوعيّة واضحة (المكانة الاجتماعيّة، مستوى المعيشة…)[46]، ممّا يوحي بالنّظرة التّبريرية أحيانا لواقع اللاّمساواة وإدراجها ضمن الحقائق الموضوعيّة التي تجد من يعتبرها نتيجة لضعف أداء من يوجد في مرتبة دونيّة وتفوّق الذي يوجد في مرتبة عليا.

منذ أن تتبادر الرّغبة في تقليص اللاّمساواة التي يعاني منها المجتمع يمكن أن تطرح بعض آليات الممارسة الموازية والتّخوميّة كردود فعل هامشيّة لتجسير الفوارق الاجتماعيّة وترميم نتائج اللاّمساواة التي تجد في الإقصاء والتّهميش أهمّ مظاهرها الاستعراضيّة. لأنّ موضوع اللّعبة الاجتماعيّة أو السّياسيّة أو الاقتصاديّة هو الصّراع بين أولئك المالكين للسّلطة وأولئك الذين يريدون المشاركة فيها، والقاعدة العامّة – حسب التّجارب القديمة والحديثة – تؤكّد أنّه لا أحد يقبل مقاسمة ما يملك مع غيره[47] كما تؤكّد أنّ المنخرطين في اللّعبة ينتهون إلى أحد المصيرين: إمّا الهيمنة والتّمركز في نسق النّزاع على السّلطة وإمّا الإقصاء والتّهميش.

لا ينبغي العودة إلى فكرة أنّ الإقصاء والتّهميش الاجتماعيين هما من الظّواهر الضروريّة الملازمة لتطوّر المجتمعات، كما لا ينبغي أن نتقبّلها كما نتقبّل قانونا فيزيائيّا اعتبارا لما يفرضه علم الاجتماع من ضرورة العودة إلى المتن التّعاقدي الوفاقي لفهم الرّوابط الاجتماعيّة. ومنه نستنتج أنّ الظّاهرة مرتبطة بمسار من التّفكّك الاجتماعي بسبب النّمط الاقتصادي الحديث، أو هو مسار توسّعي للمجتمعات الاقتصاديّة النّاتجة عن مغامرة العولمة[48]. لذلك يجب أن نفهم ظاهرة الإقصاء في الواقع على أنّها من ضمن العناصر التّكوينيّة لنظام جديد من التّنشئة الاجتماعيّة الفرعيّة التي أنتجتها المسارات التّقنيّة-اقتصادية التي فرضت البطالة وعمّقت الفقر، وهذه المسارات متواطئة مع قرارات سياسيّة داعمة لها. “فالإقصاء إذن هو طريقة الاستعمال الجديدة والنّظام الوظيفي لاقتصاد نسي الإنسان لفائدة الرّبح، اقتصاد يعتبر الإنسان غير المستعمل لا معنى له ويعتقد أنّ الأشياء التي لا ثمن لها لا قيمة لها، ولكنّه لا يعلم أنّ الوظيفي لا يصلح لشيء إذا لم يستفد منه الإنسان”[49].

من الجائز تبعا لذلك اعتبار أنّ الإقصاء يمكن أن يكون رابطة اجتماعيّة فرعيّة لمن يتحمّل الآثار السّلبيّة للاّمساواة، وهو رابطة سلبيّة دونيّة ولكنّها من خاصّيات المجتمعات الاقتصاديّة الحديثة. فهو نمط خاص جدّا من التّنشئة الاجتماعيّة الدّونيّة على الفعل وردّة الفعل والتّجاوب مع الظّواهر السّائدة، وتطويع السّياق العام واستثماره من طرف المجموعات المهمّشة لتكوين بنيات اجتماعيّة وظيفيّة غير رسميّة أو موازيّة أو متاخمة للبنيات الاجتماعيّة السّائدة أو المهيمنة أو الرّسميّة.  وعادة ما تعبّر هذه التّشكيلات الموازية عن الطّرح البديل لتراجع الدّور التّعديلي للدّولة أو لضعف القوى الاجتماعيّة التي تعبّر عن طبيعة السّلطة الاجتماعيّة المضادّة التّعديليّة أوالضّابطة.

ليس الإقصاء إذن ظهورا مفاجئا لحالة اجتماعيّة محض سلبيّة بمجرّد اعتبار أنّ المقصى محروم من بعض المكاسب التي تميّز كلّ ما نسمّيه كائنا اجتماعيّا، ولا حتّى لأنّه ملقى فيما يسمّيه الأقدمون حالة الطّبيعة التي نفهمها كحالة حرب وتوحّش، ومع ذلك ثمّة ما يهدّد هذا النّظام الانتقائي (الإقصاء) باعتبار أنّه يضع المقصيّين في حالة فقدان إنسانيّتهم. فهم مهدّدون بعدّة خسائر، الأمر الذي يجعل إمكانيّة اندماجهم في المجتمع ضعيفة. ولعلّ أهمّ ما يمكن حصره من هذه الخسائر:

فقدان الأمن المادّي والنّفسي وفقدان الأمن على الحياة.

فقدان كلّ حرّيّة حقيقيّة وكلّ إمكانيّة لاتّخاذ القرار حتّى في مستوى بناء التّوقّعات.

يبقى الإقصاء عمليّة إرساء وضعيّة من الحفاظ على البقاء دون النّفي المطلق، وبالتّالي وضعيّة عنف دائم وحرب ضمنيّة. هذه الظّاهرة من تفكيك خاصّيات الوجود البشري تعود إلى التّعامل السّلبي مع الرّوابط الاجتماعيّة واستبدالها بروابط فرعيّة. فالرّوابط الاجتماعيّة تتكوّن وتعالج بالمشاركة الدّائمة لكلّ فرد في كلّ المجالات التي تحفظ إنسانيّته وتنتج معاشه اليومي وتحافظ على كرامته. لأنّ هذا الفرد في حدّ ذاته قبل أن يكون حدثا فهو قيمة اجتماعيّة مكوّنة تاريخيّا، وهو تحصيل أخلاقي وثقافي، لأنّ الضّوابط الاجتماعيّة تسبق في الواقع الضّوابط الفرديّة بل تسبق حتّى وجوده كفرد، لذلك فإنّ الوعي الفردي ليس شيئا آخر سوى الوعي الاجتماعي[50].

إنّ عبارة الهامش[51] تحيل من حيث الأصل اللّغوي على فكرة الطّرف أو الضّفّة أو الحافة… والهوامش توجد مقارنة بنسق يشمل ضمن فضائه منطقة تكوّن المحيط. إنّها تتميّز بغياب مقاييس الانتماء والإحساس به. أمّا من وجهة نظر جغرافيّة فإنّ عبارات الهوامش والتّخوم تنطبق على نفس الوضعيّة ولكنّها لا تشير إلى نفس الملامح. فعبارة التّخوم تحيل على فكرة الحدود لأنّها توجد في علاقة مباشرة مع انفصال الفضاءات وانقطاعها عن بعضها رغم تجاورها وتواصلها المجالي[52].

أمّا استعمال المؤرّخين لعبارة الهامش فهو على عكس استعمال أغلب الجغرافيّين[53]، لأنّه لا يعني دوما كلّ ما يوجد خارج المدن وبعيدا عن مركز السّلطة السّياسيّة والاقتصاديّة، بل هو كلّ ما يمثّل موضوع قلق سياسي واجتماعي وموضوع شرعي للبحث، عندئذ يكون الهامشي في قلب المدن وبالقرب من مركز السّلطة السّياسيّة والاقتصاديّة. لذلك فإنّ المؤرّخين هم من أطلق مفهوم الهامشيّة الاجتماعيّة وذلك بأن أسندوا إليه خاصّية الغموض المتناقض: الهامشي هو آخر ولكنّه قريب جدّا منّا، ولهذا السّبب فهو مزعج ومصدر تهديد[54]. وفي تفاعل مباشر مع قراءة المؤرّخين فإنّ المقاربة السّوسيولوجيّة ترجع الهامشيّة إلى سياقها التّاريخي الذي ظهرت خلاله و إلى سياقه الاجتماعي التي تشكّلت في إطاره لتفضي إلى إلغاء الدّلالة العفويّة للحالة التي تؤمّنها عبارة الهامشيّة وبذلك تستبدلها بمفهوم التّهميش باعتباره ظاهرة لها أسبابها وعواملها وعناصر تفعيلها.

ويبقى الحوار الذي يثيره علماء الاجتماع حول التّهميش هو المحفّز على التّفكير في الضّغط المتبادل بين من هم في الدّاخل ومن هم في الخارج أي من هم في وضعيّة إقصاء ومن هم في وضعيّة اندماج. وبالتّأكيد فإنّ التّهميش يعكس حتما دلالة سلبيّة لأنّه يتضمّن معاني محرجة بنفس درجة إحراج الدّلالة التي يعكسها مفهوم البؤس، في الوقت الذي بدأت فيه الرّهانات تأخذ منحى يتجاوز منوال الصّراع الطّبقي بهدف تأسيس منوال الوفاق الاجتماعي. ورغم أنّ هذا المنوال يُرجع البؤس إلى مسؤوليّة الاستغلال المفرط، فإنّه في حالة التّهميش يمكّن من تحديد وضعيّة احتقار وإلغاء دون المرور بالاتّهام أو إلقاء المسؤوليّة على أيّ طرف كان، وبذلك يعتبر أنّ المهمّشين ليسوا ضحايا لأيّ طرف حتّى ولو كانت انتماءاتهم إلى نفس المجموعة الإنسانيّة (أو نفس الجماعة المواطنيّة) تفرض أن نأخذ بعين الاعتبار معاناتهم[55].

وبعيدا عن وصف وضعيّة الإقصاء فإنّ “التّهميش هو التّعبير عن تلك الحدّة المتبادلة بين الطّرفين غير القابلين للتّقارب لأنّهما حاملين لتهديدات متبادلة”[56]، تنتهي إلى تجسيد التّهميش من خلال الإلغاء الاجتماعي انطلاقا من الدّفع بالمهمّشين في العطالة الوظيفيّة التّامّة. وهذا كفيل باعتماد التّحديدات المفاهيميّة والدّلاليّة الأكثر ضمانا لترجمة الظّاهرة واقعيّا والأكثر قدرة على ضمان التّجانس بين المفهوم وتجسيده الميداني.  أمّا الخاصّية الهامشيّة فتوجد في اقتصاد السّوق وفي صلب العلاقات الشّغليّة والحماية الاجتماعية، كما يمكن أن تثير السّؤال حول المواطنة والزّبونيّة السّياسيّة. فالهامشيّون هم سلاح احتياطي يمكن تعبئتهم واستغلالهم في اللّحظات التي يستوجب فيها الواقع السّياسي دورهم من أجل إعادة خلق التّوازنات بما يضمن هيمنة الأطراف الأقدر على إدارة اللّعبة السّياسيّة بما يفيد أنّ الهامشيّة هي حالة إسهاميّة تجعل من الهامشيّين مجموعات وظيفيّة. وهنا نجد أنفسنا بصدد التّفاعل مع تعريف للهامشيّة أوسع من ذلك الذي يحصر الحوار في العلاقة بين التّهميش والإدماج[57]. لأنّ هذا التّعريف الواسع هو الأرضيّة الوقائعيّة لانبعاث مفهوم القطاع الاقتصادي الهامشي، حيث أصبح مفهوم الهامشيّة مطابقا تماما لمفهوم اللاّشكليّة التي لا يمكن لخاصّيتها غير المركزيّة أن تنفي فاعليّتها وإسهامها الفاعل في إدارة اللّعبة الاقتصاديّة والسّياسيّة إن لزم الأمر. ورغم هذا التّغاير الدّلالي والواقعي بين الهامشيّة والتّهميش فإنّ السّمة المشتركة بينهما تتمثّل في كونهما نتيجة ضعف النّسق التّعديلي أو التّخلّي عن المحاور الكلاسيكيّة (السّياسة والاقتصاد أساسا) للتّعديل أو إعادة صياغتها.

ثالثا: الاقتصاد “اللاّشكلي” من تعبيرات المجتمع الموازي

ظهرت عبارة “اللاّشكلي” في بداية سنوات 1970  ضمن تقرير للمكتب الدّولي للعمل حول واقع الشّغل في كينيا ليستعرض في قسمه الأوّل استراتيّجيّات الأسر التي تؤلّف بين الدّخول الأجريّة والدّخول غير الأجريّة المصرّح بها وغير المصرّح بها، وفي قسمه الثّاني يحلّل بالخصوص واقع المؤسّسات الصّغرى لتقييم حظوظها في التّحوّل إلى مؤسّسات قادرة على خلق مواطن شغل وكذلك كفاءتها التّحديثيّة[58]. وقد مثّلت تلك الخيارات (الأسرة المنتجة والمؤسّسة الصّغرى) المنطلق الأساسي لتحديد خصائص الاقتصاد اللاّشكلي. كما أنّ استمراريّة هذا النّمط من البنيات الاقتصاديّة والبنيات الإنتاجيّة ودورها في النّسق الاقتصادي الكلّي دفع المؤسّسات الدّوليّة (المكتب الدّولي للعمل والبنك العالمي) إلى التّوجّه نحو فرض سياسة هيكلة هذا النّمط من التّنظيم الاقتصادي الموازي ودعمه بالقروض الصّغرى والخبرات الفنّيّة والإداريّة[59].

أصبح الاقتصاد الموازي واقعا جماهيريّا  مكثّفا وممتدّا على مستوى العالم رغم أنّه من الصّعب تعريفه وقياسه. “من المتوقّع أنّه يشغّل من 60 إلى 70 بالمائة من المجتمع النّشيط في إفريقيا و50 بالمائة في آسيا وحوالي 35 بالمائة في أمريكا اللاّتينيّة ومن 20 على 30 بالمائة في أوروبا الشّرقيّة وبين 5 و 10 بالمائة في أوروبا الغربيّة وأمريكا الشّماليّة”[60]. ولكن من الضّروري التّنبيه إلى أنّ هذا الاقتصاد الموازي لا يوجد إلاّ ضمن الأنشطة الاقتصاديّة التي تعتمد على المرونة وانحلال القواعد المنظّمة للمسألة الجبائيّة والمسألة الاجتماعيّة (العلاقات الشّغليّة) باعتباره يبحث عن مضاعفة الأرباح على حساب الشّغل والمصلحة العامّة. ومع وجود من يدافع عن أخلاقيّات الاقتصاد اللاّشكلي الذي يستفيد من عمليّة انحلال هذه القواعد فإنّه ينتهي بالعودة إلى الأشكال الأكثر توحّشا للرّأسماليّة المعاصرة. هذا الاقتصاد لا يخضع لشروط الاقتصاد الرّأسمالي السّلعي التي تضبط حدوده الدّولة.

المجتمع الموازي في صيغته الاقتصاديّة هو نتيجة غياب الدّيناميكيّة التي تضمن التّلازم بين البعدين الاجتماعي والاقتصادي في سياق الدّور التّعديلي للدّولة، الأمر الذي يؤدّي حتما إلى إحاطة الفرد بواقع يتميّز بما يسمّيه نوربرت إلياص بالضّغوطات الذّاتيّة المرتبطة بتصاعد الرّأسماليّة، وهذا الواقع هو الذي يدفع بالفرد إلى البحث عن دخول إضافيّة بالانخراط في أنشطة موازية قد تستدعي تنظيم العمل بشكل مواز في نطاق شبكي يتميّز بتنظيم وتسيير لا يقلّ عقلانيّة و مردوديّة عن التّنظيم الرّسمي.

يمكن أن نحصر بعض ملامح الاقتصاد الموازي في ظهور مهن صغرى داخل منظومة الاقتصاد الإداري وتنشط في إطار ليبراليّة اقتصاديّة غير متّفق عليها ومنفلتة من مراقبة الدّولة.

أمام الفشل الذي أبدته أغلب دول العالم الثّالث على مستوى دورها التّعديلي، يمكن اعتبار أنّ هذا الاقتصاد الموازي هو نتيجة اعتماد هذه الدّول على سوق التّنظيم الذّاتي[61] marché autorégulateur   بالمعنى الذي قصده كارل بولانيي، باعتباره نظاما يعلن أنّ الأسواق ذات التّنظيم الذّاتي فاشلة اجتماعيّا وسمات فشلها لا تكمن في مجريات عملها داخليّا ولكن في نتائجها الاجتماعيّة (بالنّسبة إلى المهمّشين والفقراء على سبيل المثال). فهي خطيرة إلى الحدّ الذي يصبح فيه تدخّل الحكومات ضروريّا، خاصّة أنّ سرعة التّغيير تعتبر ذات أهمّيّة أساسيّة في تحديد النّتائج الاجتماعيّة والسّياسيّة لهذا الواقع الاقتصادي ذاتي التّنظيم. ولمّا كان تدخّل الحكومات الذي يفترضه بولانيي هو تدخّل ضعيف ويتّسم بالعجز عن تعديل الخلل فإنّ البديل العملي لا يمكن أن يكون سوى الالتحاق بالدّيناميكيّة الاقتصاديّة الموازية. خاصّة أنّه لا يوجد ما يؤيّد أطروحة أنّ الطّبقات الشّعبيّة ستستفيد من الاقتصاد الهزيل بما في ذلك الاقتصاد الذي ينجح في تحقيق بعض خصائص التّراكم ومقوّمات النّمو. لأنّ الاقتصاد الهزيل (الذي يمثّل السّمة العامّة لاقتصاديّات العالم الثّالث وبلدان الجنوب) حتّى وإن حقّق بعض مؤشّرات النّمو فإنّه لا يضمن بذلك فعاليّات التّنمية التي يمكن أن تستفيد منها كلّ الطّبقات.

ثمّة تداخل بين السّياسة والاقتصاد بصورة معقّدة، فلمّا أشار بولانيي منذ حوالي سبعة عقود إلى أنّ الفاشيّة والشّيوعيّة لم تكونا أنظمة اقتصاديّة بديلة فقط بل كانتا تمثّلان خروجا هامّا عن تقاليد السّياسة الحرّة فهو يجيز لنا أن نشير آنيّا إلى أنّ ما ينطبق على الفاشيّة ينطبق على الأنظمة الاستبداديّة الكلّيانيّة في صيغتها الأبويّة التي تلغي المجتمع والمواطن لفائدة الفرد الحاكم. فهذه الأنظمة وتلك هي من الأشكال المخيفة والمتوحّشة للتّحوّل الكبير، لأنّها من المغامرين الفرديّين على مجتمع السّوق ولكنّهم لا يعبّرون على وجودهم إلاّ من خلال التّجارب الرّسميّة[62]. هذا ما يعيد إحياء الأطروحة المركزيّة لكارل بولانيي التي تذهب إلى أنّ الاشتقاقات الكلّيانيّة خاصّة في شكلها الفردي هي مندمجة في النّظام اللّيبرالي[63]. فكلّ توسّع في مجتمع السّوق الخاضع إلى المضاربة الاحتكاريّة الفرديّة قد ينتهي فيه الأمر باقتصاد السّوق ذاتي التّنظيم إلى رأسماليّة مافيا – ونظام سياسي مافياوي – وهو أمر قد أصبح لسوء الحظّ حقيقة واقعة في بعض أنحاء العالم[64]. وهذا يستوجب المستوى الأقصى من التّحسّب ممّا سيحدث في حقّ الفقراء خاصة أنّ خرافة الاقتصاد ذاتي التّنظيم (سواء في مظهره القديم من خلال شعار”دعه يعمل”، أو بلباسه الجديد وهو إجماع الآراء في واشنطن) لا يمكن إلاّ أن يولّد في الفقراء شعورأ أكبر بعدم الاستقرار أكثر من غيرهم. “فهذا هو السّبب في أّنّ سيطرة السّوق على النّظام الاقتصادي ذات نتائج خطيرة على النّظام الاجتماعي بكامله: وهو يعني لا أقلّ من إدارة المجتمع كملحق بالسّوق. وعوضا عن أن يكون الاقتصاد مطوّقا في العلاقات الاجتماعيّة فإنّ العلاقات الاجتماعيّة هي المطوّقة في النّظام الاقتصادي”[65].

انطلاقا من هذا التّمشّي النّظري يمكن أن نفترض أنّ نتائج الفشل الممكن لاقتصاد السّوق ذاتي التّنظيم هو الأساس الوقائعي والسّبب الفعلي لولادة الاقتصاد الموازي، وذلك إذا ما اعتبرنا أنّ أيّ فعل اجتماعي أو ممارسة لا تخرج عن محدّداتها الاجتماعيّة التي نجد من ضمنها مبدأ التّجاوب الاجتماعي الذي يشتغل في سياق ردّة الفعل تجاه الواقع السّائد. حينئذ يمكن أن ندرج الاقتصاد الموازي ضمن فعاليّات الأسر المنتجة أو المؤسّسات العائليّة الصّغرى كما أشار إلى ذلك تقرير مكتب العمل الدّولي منذ 1970، ولكن ذلك يتطلّب ضرورة التّوقّف عند ميزة هذا القطاع، فرغم خروجه عن الضّوابط الإداريّة فهو سبيل الطّبقات الشّعبيّة لمقاومة البؤس، وبالتّالي فهو أداة الفقراء الذين لم يدرجهم الاقتصاد الرّسمي ضمن المستفيدين من ثمار نموّه لتصحيح الخلل الذي ارتكبه المشرفون على هذا الاقتصاد. غير أنّ الواقع الذي حفّ بالاقتصاد الموازي يوجّه التّحليل نحو قراءة أخرى ترى أنّه ليس نشاط المهمّشين رغم أنّهم من ابتدعه من أجل مقاومة الفقر بل إنّه أصبح سبيل الأثرياء وأباطرة المال والأعمال للمزيد من مراكمة الأرباح. ممّا يعني أنّ ألأثرياء يستفيدون ممّا ابتدعه الفقراء ولكن لأسباب غير أسبابهم ولغايات غير غاياتهم ولمآرب غير مآربهم.

إنّ تسرّب فعاليّات الاقتصاد الموازي يحدث في إطار ديناميكيّة المجتمع التي تعبّر عن نفسها أساسا من خلال تنمية الاقتصاد النّقدي الذي يجمع في نفس الوقت القطاع الخاص السّلعي والقطاع العام غير السّلعي. فالسّوق هو مصدر تلك الدّيناميكيّة في حين أنّ الدّولة توفّر له البنيات التّحتيّة الضّروريّة وتعالج آثاره المُربكة. في حين أنّ الاقتصاد غير النّقدي أي القائم على الإنتاج الذّاتي في إطار الاقتصاد العائلي أو اقتصاد الأسر المنتجة غير مندمج في فعاليّات الاقتصاد النّقدي الذي يجمع القطاعين[66].

في مقاربة أوّليّة يمكن أن نعرف الاقتصاد اللاّشكلي  كتجميع لأنشطة اقتصاديّة على نطاق صغير يستوي عندها  احترام القانون من عدم  احترامه، ولكنّها في كلّ الأحوال لا تستفيد من منطق التّراكم، فمعلوم أنّ الاقتصاد اللاّشكلي كان موجودا على مرّ الأزمنة ومع تتالي الأنظمة واختلافها. خلال فترة صعود الرّأسماليّة واكتمال ملامحها في العالم الغربي كانت المهن الصّغرى الحضريّة والورشات الصّناعيّة التّقليديّة تشبه كثيرا ما نسمّيه اليوم اقتصادا لا شكليّا حتّى وإن أطلقنا عليها أسماء مغايرة.  لذلك يمكن اعتباره “أحد الأشكال المعتمدة من قبل الاقتصاد السّلعي غير المقيّد، وهو ينتعش أساسا داخل مجالات الانفتاح لأنّه (الانفتاح) يمثّل أرضيّة خصبة للتّحرّر وتطبيق مبادئ التّنظّم الذّاتي، الأمر الذي يسمح للنّشاط الاقتصادي الموازي بأن يجمع بين أكبر عدد من عناصر الاقتصاد الحر وفي نفس الوقت يحافظ على مكانته اللاّشكليّة التي لا تلزمه بنواميس كلاسيكيّة ولا تضعه ضمن علاقة تعاقديّة بقواعدها الشّكليّة”[67].

إنّ ظهور اقتصاد مواز يعني بروز أسواق حرّة على هامش الأسواق التي تديرها المؤسّسات الرّسميّة أو القطاعات المهيكلة، ولكن هذا الاقتصاد الموازي قابل للاندماج لاحقا في الاقتصاد الرّسمي أو التّحوّل إلى عنصر متحكّم في الدّيناميكيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة برمّتها، إذا ما اعتبرنا أنّ الأسواق الموازية في بلدان العالم الثّالث تتمتّع من قبل المؤسّسة الرّسميّة بضمانات الاستمرار إذا لم تكن تحظى بحماية سياسيّة، خاصّة إذا ما تعلّق الأمر بالمسألة الجمركيّة والضّريبيّة. لذلك فإنّ هذه الأسواق هي موازية في علاقة بالاستحقاقات العموميّة ولكنّها مهيكلة في مستوى القيم السّلعيّة، إضافة إلى أنّها تدخل ضمن المنظومة الاستهلاكيّة للمجتمع في كليّته.

بالإضافة إلى تهرّب الاقتصاد الموازي من تكلفة الإدارة والمراقبة والإشراف الرّسمي والضّريبي فهو لا يعلن فقط أزمة على مستوى التّوازن الإقتصادي الرّسمي ولكنّه يساهم في إفراز شرائح اجتماعيّة جديدة خارجة عن محدّدات وشروط التّبلور الطّبيعي للمجتمع. فهل يمكن اعتبارها أرضيّة لمجتمع مضاد؟ أم إنّ الاقتصاد الموازي مكمّل للمسلك الإداري؟ أم هو مسلك في صلب المسلك الرّسمي ويتمّ ترتيبه من الدّاخل إذا ما اعتبرنا أنّ الهامشي يمكن أن يكون العنصر التّعديلي الأساسي؟

يجوز أن نعتبر الاقتصاد الموازي في البلدان المتخلّفة هو العنصر التّعديلي الأساسي، لأنّ وجود اقتصاد مواز يعني وجود سوق سلعيّة مضاعفة إحداها رسميّة وأخرى موازية، وسوق مضاعفة لعوامل الإنتاج وسوق ماليّة مضاعفة، وهذا يؤدّي إلى انقسام قانون القيمة، كل ذلك في مواجهة سوق استهلاكيّة واحدة.

هذه الأسواق التي تمثّل الاقتصاد الموازي مرتبطة بنيويّا، فهيمنة الاقتصاد الموازي بأسواقه الثّلاثة تعني أنّه من الممكن تحويل الاقتصاد الرّسمي إلى موازي وإدماجه ضمنه ليس في صيغة المخالف الممنوع ولكن بالمعنى الذي تفترضه المنظومة السّلعيّة ضمن ليبراليّة أكبر وأشمل، وخاصّة عندما يصبح النّشاط الاقتصادي الموازي هو المحدّد لقانون القيمة في سياق ما سمّي بتحرير الأسعار.

بعض هذه العناصر المشار إليها تدرج فكرة أنّ المشكل المطروح حول الاقتصاد الموازي هو نفس المشكل المطروح حول تراتبيّة المجتمع[68]  بالمعنى الذي يقصده Louis Dumont . فالاقتصاد الموازي لا يتعلّق بالمهمّشين الذين يشتغلون في بضاعة صغيرة لضمان لقمة العيش ولكنّه مرتبط بملوك المضاربة وأباطرة الاحتكارات على المستوى المحلّي والكوني، يدعمه في ذلك منطق الزّبونيّة بين النّخبة السّياسيّة والنّخبة الاقتصاديّة (نخبة المال والأعمال). وهذا يؤدّي إلى إقصاء بقيّة أفراد المجتمع ودفعهم إلى المخاطرة الفرديّة ومطاردة فرص الرّبح. وتبعا لذلك تتأسّس تراتبيّة اجتماعيّة متناظرة تماما بين فاعلي الفضاء الرّسمي والمهمّشين: فكلاهما يصبح فضاء يشتغل على قاعدة الشّبكة الزّبونيّة شبه الجماعاتيّة  لا تعترف بالحلول الفرديّة المستقلّة. الأمر الذي يجعل الاقتصاد الموازي هو السّائد في الواقع ولا يطوله القانون إلاّ بشكل ظرفي، طالما أنّ هذا القانون منسجم مع مصلحة الفاعلين الاقتصاديّين الأساسيّن وكان في خدمتهم، ولكن متى تعارضت مصالح المضاربين في الاقتصاد الموازي مع مصالح الطّبقة المهيمنة تمّ اعتباره موازيا أو هامشيّا أو مخالفا أو خفيّا بالمعنى الذي يفترض تدخّل القانون والضّبط الإداري. لذلك نجد ظاهرة الأسواق الموازية في تونس مثلا أكثر الفضاءات السّلعيّة انتشارا وأكثرها نشاطا نظرا لما تتمتّع به من حماية إداريّة وسياسيّة وهذا ما يفيد أنّها تحوّلت إلى عنصر من العناصر التّكوينيّة للبنية الاقتصاديّة الكلّيّة، وهو يعني أيضا أنّ الاقتصاد الموازي يلعب دورا مهمّا في السّياسة التّعديليّة العامّة. ومن خلال ذلك ندرك أنّ الاقتصاد الموازي يمكن أن يكون وسيطا لتنشيط القيم السّلعيّة للاقتصاد الرّسمي بقدر ما يمثّل غطاء للتّجاوزات التي تقترفها نخبة المال والأعمال بما يصيّره المجال الأفضل لغسيل الأموال والتّهرّب من الضّرائب.

    الاقتصاد الموازي من خلال الفساد وتجارة الجنس والمخدّرات

إنّ النّمو المباغت لتجارة الجنس تفترض أنّ ملايين النّساء والأطفال يتحوّلون إلى بضاعة جنسيّة، فالعولمة الرأسماليّة أصبحت لا تستثني إدراج البشر ضمن القيم السّلعيّة، حيث ظهر منذ ثلاثين سنة حالة من الانتشار الجماهيري للبغاء عن طريق دمجه في الصّناعة السّياحيّة (إدراج الموازي في الأصلي) وتطبيع هذا النّشاط الاقتصادي مع تسويق الجنس والفحولة ممّا حوّل هذه الصّناعة إلى قوّة اقتصاديّّة لا يستهان بها، خاصّة وأنّه تمّ وضعها في سياق عابر للقوميّات بشكل مصاحب لتطوير السّياحة واعتبار سوق الجنس إحدى خصائص التّنمية السّياحيّة وحوّلها أيضا إلى جزء من استراتيجيّة التّنمية لبعض البلدان. فتحت ضغط الالتزام بتسديد الدّيون أجبر البنك العالمي وصندوق النّقد الدّولي العديد من دول العالم الثّالث على تطوير وتنمية صناعتها السّياحيّة من خلال تنمية صناعة التّرفيه والمجون، وهي مسألة لا تتحقّق إلاّ بتنمية صناعة الجنس.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة عرفت بلدان نصف المعمورة الجنوبي نموّا مشهودا في أنشطة البغاء والاتّجار بالأطفال والنّساء، ومنذ ما يزيد عن عشر سنوات أصبحت هذه الحالة تشمل بلدان الإتّحاد السّوفييتي السّابق وأوروبا الشّرقيّة.

قدّرت منظّمة الأمم المتّحدة سنة 1998 أنّ أربعة ملايين شخص يتحوّلون كلّ سنة إلى مادّة تجاريّة للبغاء ممّا يوفّر ما بين 5 مليار و7 مليار دولار قيمة الأرباح المباشرة لفائدة الجماعة المنظّمة لهذه التّجارة[69]، طالما أنّ رقم معاملاتها المرتبط بنشاط البغاء على المستوى العالمي  يبلغ حوالي 60 مليار يورو سنة 2002.

كما أنّ عدد الضّحايا من النّساء والأطفال نتيجة الاستغلال الجنسي قد بلغ حوالي 30 مليون ضحيّة خلال الثّلاثين سنة الأخيرة في آسيا لوحدها حسب تقدير اليونيسيف سنة 2000. كما عرفت سنوات التّسعين من القرن المنصرم بدورها انفجارا في مستوى إنتاج الأفلام الإباحيّة واستهلاكها[70]. هذه الصّناعة العالميّة أصبحت تسوّق عن طريق الشّركات متعدّدة الجنسيّات لأنّها تحوّلت إلى إحدى مجالات اختصاصها. ويمكن تقدير حجم صناعة البغاء النّسائي من خلال العيّنة الإحصائيّة التّالية:

تايلاندا  200 ألف  – الصّين 1مليون – الفيليبين بين 400 ألف و500 ألف – إندونيسيا 650 ألف – الهند 10 مليون – الولايات المتّحدة الأمريكيّة 1 مليون – ألمانيا 200 ألف – إيطاليا 70 ألف…

أمّا بالنّسبة إلى حجم صناعة بغاء الأطفال فتعبّر عنه الأمثلة التّالية: 400 ألف طفل في الهند و 100  ألف في الفيليبين و 300  ألف في تايلاندا و 100  ألف في تايوان و 500 ألف في الصّين و 325 ألف في الولايات المتّحدة الأمريكيّة… وحسب بعض الدّراسات فإنّ كلّ طفل من هؤلاء يبيع خدمته الجنسيّة لحوالي ألفي (2000) مستهلك في العام، كما تقدّر بعض الدّراسات الأخرى أنّه خلال سنة 2002 كان هنالك حوالي 100 ألف طفل من أوروبا الشّرقيّة يقدّمون هذه الخدمة في أوروبا الغربيّة[71].

ومن وجهة نظر مالكهم بصفتهم بضاعة، فإنّ النّساء والأطفال يوفّرون خاصّيتين: هؤلاء البشر هم في نفس الوقت بضاعة وخدمة، لذلك فمن الممكن أن نتحدّث عن عمليّة تسويق مضاعفة: بيع البشر كبضاعة وبيع الجنس كخدمة. وهذا يعني أنّ سوق الجنس لا تختلف عن أيّ سوق أخرى، فهي مشروطة بلعبة العرض والطّلب كقانون وظيفي وتعديلي للسّوق، وبالتّالي فإنّ المشكلة هنا ليست في طبيعة الخدمة المقدّمة طالما أنّها تخضع إلى القيمة السّلعيّة، ولكن في كيفيّة تنظيم هذه السّوق وكيفيّة تحديد معاييرها.

في خضم العولمة اللّيبراليّة الجديدة لا شيء يبدو قادرا على الإفلات من تسليع و”نقدانيّة” العلاقات الاجتماعيّة. ومن بين آثار هذه النّقدويّة نجد ظاهرة بارزة يعبّر عنها كارل بولانيي  بتكوين السّوق عن طريق انحلال المجتمع[72]. وهذا يعني أنّ تعميق عمليّة التّبضيع تؤدّي إلى التّفكيك النّسقي للعلاقات الاجتماعيّة السّابقة لفائدة علاقات اجتماعيّة جديدة (من جديد يصبح نسق المصالح وإشباع الحاجات هو المولّد لأيّ شكل من أشكال المجتمع). ففي فضاء التّداول ليس ثمّة فقط بيع النّساء والأطفال وشرائهم ولكن أيضا طغيان حالة استلاب الأشخاص لأنّهم يتحوّلون بشكل غير إرادي إلى سلعة تباع وتشترى، ويمكن أن تتدخّل عديد العناصر في تحديد سعرهم، مثل السّن والأسبقيّة في الاستهلاك (فض البكارة) والجمال والأصل والعرق… إنّه تصوّر مواز للبشر.

وتخضع تجارة المخدّرات بدورها إلى نفس معايير تجارة الجنس في التّعبير عن مظاهر الاقتصاد الموازي. فهي تتطوّر بشكل ملازم لانحطاط بعض الأحياء في المدن الكبرى سواء في البلدان الصّناعيّة أو بلدان العالم الثّالث، ويتمّ رسكلة الأرباح الهامّة التي تتحقّق نتيجة تجارة المخدّرات داخل النّظام المالي العالمي، وبفعل ذلك يصبح من الصّعب فرز الأموال النّظيفة عن الأموال القذرة. أمّا غياب الإرادة السّياسيّة الحقيقيّة على المستوى المحلّي والدّولي لمقاومة هذا النّشاط فيمكن تفسيره بنسيج المصالح الاقتصاديّة والسّياسيّة والجيوستراتيجيّة. “فبلد مثل الباكستان يوفّر 70 بالمائة من كميّة الهيروين المستهلك في أوروبا مع العلم أنّ عددا مهمّا من المسئولين المدنيّين والعسكريّين مشتركين في العمليّة، لأنّ نصيبا مهمّا من الأرباح المتأتّية من هذه التّجارة مخصّصة لتمويل برنامج نووي سرّي يهدف إلى إرباك الجار النّووي الهند”[73]. هذا دون اعتبار أنّ اقتصاديّات عديد البلدان مرتبطة أصلا بالمخدّرات. نشير على سبيل الذّكر إلى أنّ رأس المال الذي ينشط في المخدّرات والمندمج ضمن النّظام المالي اللاّتينو-أمريكي لا يقلّ عن 300 مليار دولار. أمّا قيمة الأرباح المتأتّية من تجارة المخدّرات والمندمجة في النّظام المالي العالمي فقد تجاوزت 600 مليار دولار[74].

الجريمة المنظّمة تلعب دورا رئيسيّا في الاقتصاد العالمي منذ ظهور اللّيبراليّة النّقديّة المطبّقة على السّوق (منذ القرن التّاسع عشر). وبفضل العولمة فإنّ الإجرام الاقتصادي أصبح عنصرا ضمن العناصر التّكوينيّة لاقتصاد السّوق، فالعولمة تخفي إجراما جوهريّا منخرطا في منطق الأشكال الجديدة للإنتاج الاقتصادي والمالي، والمنظّمات الإجراميّة لا تؤمّن غسيل الأموال ورسكلة الأرباح إلاّ بتواطؤ ضمني مع الأوساط الماليّة والاقتصاديّة وكذلك مع بعض الحكومات (الحكومات التي لم توقّع على اتّفاقيّة مناهضة غسيل الأموال)، وبالتّالي فإنّ العولمة ساهمت في إلغاء الحدود بين الجريمة الإقتصاديّة والجريمة المنظّمة.

بلغ النّاتج الإجرامي الخام   Produit criminel brut (PCB) حسب برنامج الأمم المتّحدة للتّنمية (PNUD) حوالي 1200 مليار دولار سنة 2002، وهو يمثّل 15% من مردود التّجارة العالميّة (التي تنشط في نطاق المنظمة العالميّة للتّجارة) ويخضع هذا النّاتج لسيطرة حوالي 50 شبكة إجراميّة عالميّة، وهذا يعني أنّ مردود الإجرام يتجاوز النّاتج  الإجمالي الخام للبلدان الفقيرة التي يعدّ سكّانها حوالي أربع مليارات نسمة.

لقد تمّ فرض برنامج الإصلاح الهيكلي من قبل صندوق النّقد الدّولي على البلدان التي تعاني المديونيّة وتمّ تبنّيه في أكثر من ثمانين دولة في العالم الثّالث وأوروبا الشّرقيّة وكان هذا البرنامج يهدف إلى تحرير نظام الصّرف وانحلال قواعد النّظم البنكيّة الوطنيّة وتخصيص المنشآت العموميّة وتحرير الأسعار. هذا البرنامج بأهدافه تلك مكّن من إدماج الأموال القذرة في عمليّة تسديد الدّيون من خلال تمكين النّشطين في تجارة المخدّرات من رسكلة أموالهم والاستثمار داخل الاقتصاد الشّرعي والتّحكّم في بعض القطاعات وإدارتها والسّيطرة عليها في صلب هذا الاقتصاد، وهذا أساسا بفعل التّخصيص الذي يمثّل أحد أهم أهداف برنامج الإصلاح الهيكلي. هذا ما يؤدّي إلى حدوث عمليّة تغيّر عميق على مستوى جهاز الدّولة في البلدان التي تعاني المديونيّة، لأنّ “عمليّات الخصخصة التي جرت في كثير من بلدان العالم أدّت إلى ظهور نوع جديد من الفساد هو التّوجّه لبيع أملاك الدّولة بواسطة المسئولين الحكوميّين لتحقيق المصالح الشّخصيّة. ويقع هذا النّوع من الفساد في فئة الفساد الكبير الذي يخالف القانون والذي يحدث عادة في بلاد لا تحترم قوانينها، ويؤدّي ذلك إلى تسرّب الفساد إلى الجسم القضائي المؤتمن عادة على إحقاق الحقوق وضمان العدالة”[75]. ولا يمكن أن نتوقّع وجود أرضيّة خصبة لاستنبات الاقتصاد الموازي بمعناه الذي يشتغل فيه الأثرياء والمحتكرون أكثر من الفساد[76]، خاصّة أنّ الفساد تفاقم مع تصاعد سياسات الانفتاح الاقتصادي واتّساعها، و مع النّشاط المتزايد لرفع القدرة التّنافسيّة للمنتجات، والذي ترافقه حركة الأموال وحركة غسل الأموال المتّصلة بالجريمة المنظّمة[77].

فالفساد كما بيّنّاه سابقا يمثّل ظاهرة مركّبة متنوّعة متفاوتة الشّدّة، فهناك الفساد السّياسي الذي يتعلّق بالاختلال والانحراف في توزيع السّلطة والمساءلة المتعلّقة بنظام الحكم والمؤسّسات السّياسيّة وتداول السّلطة[78]. وهناك الفساد الاقتصادي الذي ينجم عن تركّز السّلطة الاقتصاديّة في كيانات احتكاريّة تعمل على المستوى الكلّي أو القطاعي وامتلاكها هامشا تقديريّا واسعا في القرارات التي تتّخذها مع ضعف الرّقابة عليها والمساءلة حولها. ويصدق هذا في حالة القطاع العام حيث تتحوّل الهيئات الاقتصاديّة العامّة إلى رهينة بأيدي “المتربّحين” وتتحوّل إلى ثروات خاصّة. وفي حالة القطاع الخاص يكون الاقتصاد بأكمله أو قطاعات منه عرضة للسّيطرة الاقتصاديّة التي يكون ضحيّتها جماهير المواطنين الذين يشكّلون السّوق الاستهلاكيّة لما تنتجه المنشآت الاحتكاريّة الخاصّة[79].

     الخــــاتـمـــة 

إنّ تعدّد الأطروحات  بشأن الأطر الاجتماعيّة الموازية لا يمكنه أن يلغي بعض المواطن المشتركة فيما بينها وهذا الالتقاء هو بلا شكّ حول أهمّية السّياق وحول مدى اكتمال الملامح البنيويّة والوظيفيّة لهذا الإطار الاجتماعي، وهو كذلك التقاء في مستوى مبدأ الطّرح العام وليس على مستوى التّجانس في هذا الطّرح، لأنّه يثير مشكلة العلاقة بين المستوى الفردي والمعطيات الجماعيّة بقدر ما يثير اختلافا في مستوى التّأويل، وبالتّالي فإنّنا في مواجهة مشكل التّحليل السّياقي للبناء المفاهيمي الخاضع لمبدأ التّعميم بدءا بالمفاهيم الأكثر إجرائيّة وصولا إلى تلك الأكثر تجريدا[80]. وفي نطاق هذا البناء نستخلص التّمييز بين المحيط (مفهوم إجرائيّ يحيلنا على فضاء جغرافي) والسّياق (مفهوم مجرّد يحيلنا على الخصائص والسّمات العامّة التي ميّزت المحيط وطبعته خلال مرحلة معيّنة) كبُعديـْن ضاغطيـْن وملزمين بنيويّا بالنّسبة إلى المجتمع الموازي. وفي نفس الوقت يظهر البعدان سابقا الذكر منفصلين وخارجين عن هذا البناء ولا يتّحدان عنده إلاّ في إطار جديد هو عبارة عن شبكة تساهم في بنائها خيارات مؤلّفة من مواضيع متعدّدة لا يعدو المجتمع الموازي أن يكون سوى إحدى عناصرها التّكوينيّة. وتكوّن الشبكة نظاما من العلاقات التّكراريّة المشحونة بالخصوصيّات المنفعلة بالنّفعيّة (البحث عن المصلحة أيّا كان نوعها) من ناحية، وضغوطات السّياق الاجتماعي (الأسرة ومكان العمل والمدرسة ودائرة العلاقات الذّاتيّة…) من ناحية أخرى[81]. وهذا التّمييز يستخلص بالأولويّة انطلاقا من هاجس تحليلي يسعى إلى فهم المنطق العملي الذي يتحكّم في تشكّل الشبكات الاجتماعيّة التي نجد ضمنها البنيات والأطر الاجتماعيّة التي يمكن أن تنطبق عليها خاصّية الموازاة.

وفي كلّ الحالات فإنّ الصّيغة الجمعيّة هي بداية اشتغال الظّواهر ضمن أنساق. ولا نعني بالجمع فقط صيغة العدد بل أيضا الصّيغة التي تجمع بين السّياسي والاقتصادي والاجتماعي والثّقافي والعلمي والأخلاقي… لأنّها مجتمعة تمثّل العناصر التّكوينيّة للأنساق والبنيات المنتجة للمجتمعات الموازية والحاضنة لها أيضا. من هذا المنطلق يمكن استنتاج أنّ المجتمع الموازي هو نتاج للأداء السّياسي والاقتصادي والثّقافي للمجتمع الأصل/ المرجعي. إنّه مجتمع مبرمج وموجّه يعوّض المجتمع الأصل أو يسانده في أداء بعض الأدوار المندرجة سياقيّا ضمن فعاليّات الوقائع المتعدّدة المبنيّة على الاختلاف أو حتّى يكمل عنه المهمّة وفق منطق التّناوب. من هذا نستخلص أيضا أنّ المجتمع الموازي المبرمج مستنسخ عن المجتمع الأصل دون أن يفرض نسقا موازيا من الوظافة لأنّه يوجد وظيفيّا ضمن أنساق المجتمع الأصل وهذا ما يسمح باعتبار المجتمع الموازي إحدى الأنساق الفرعيّة أو البنيات التّكوينيّة للمجتمع.

يمكن أ ن نستنتج أخيرا أنّ الشّروط الأساسيّة لتشكّل البنيات والأنساق الموازية تكمن في تعطّل الأنساق والبنيات الأصليّة أو في إبطال القوانين والمبادئ الأساسيّة التي تضمن وظيفيّتها. وهذا الاستنتاج يتعزّز أكثر عندما نعرّف المجتمع بأنّه نسق كلّي من الوظافة الماديّة والرّمزيّة التي تتجسّد في ثلاث بنيات أساسيّة هي البنية السّياسيّة التي تعبّر عنها مؤسّسة الدّولة، والبنية الاقتصاديّة التي تترجمها فعاليّات السّوق، والبنية الاجتماعية بخصائصها الأنتروبولوجيّة. المشكلة ليست في اكتمال هذه العناصر التي عرّفنا من خلالها المجتمع ولكن المشكلة في تعطّلها، لأنّ عدم اشتغالها حسب قوانينها النّوعيّة الضّامنة للاندماج الكلّي سيؤدّي إلى إفراز حالة من “اللاّمعياريّة”. وهذه الحالة الأخيرة هي أصل الظّواهر المنحرفة التي تأخذ في واقع الحال بالنّسبة إلى الموضوع قيد الدّراسة شكل البنيات أو الظّواهر الموازية. المشكلة مرّة أخرى ليست في وجود هذه الظواهر بل في تعطيل الاشتغال الطّبيعي للبنيات الأصليّة. فتعطيلها هو الذي يؤدّي إلى بدائل في شكل فعاليّات موازية أو منحرفة. هذه البدائل يمكن أن تتجسّد في شكل سلطة اجتماعيّة مضادّة أو تشكّل حالة الخروج عن الحقيقة الأخلاقيّة المطلقة كما يمكن أن تمثّل تعبيرا عن مبدأ الاعتراض العمومي، وهذه التّجسيدات بدورها يمكن أن تحيل على البحث في بعض المدوّنات الكلاسيكيّة التي تجمع بين كانط وهيغل وتوكفيل.

 


بيبليوغرافيا

 

جماعي: المشاريع الدّوليّة لمكافحة الفساد والدّعوة للإصلاح السّياسي والاقتصادي في الأقطار العربيّة، المنظّمة العربيّة لمكافحة الفساد، بيروت 2006.

سمير التنّير: الفقر والفساد في العالم العربي، دار السّاقي، بيروت 2009.

كارل بولانيي: التّحوّل الكبير، ترجمة محمّد فاضل طبّاخ، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، الطّبعة الأولى، بيروت 2009.

 

Ansart, Pierre; « Saint Simon : La théorie des systèmes sociaux », in Recherches sociales, N° 53, janvier-mars 1975.

Beck, Ulrich; « Le nouveau visage du cosmopolitisme », in Sciences humaines N° 176, novembre 2006

Béhar, Roland; « De la souffrance de l’individu à la souffrance de la société », in Revue des sciences morales et politiques, 1997, N°3, p.98.

Benjamin, Roger; « Comprendre et transformer la société : Réflexions liminaires », in Recherches  sociales, N° 72, octobre-décembre 1979.

Boltanski, Luc Boltanski et Chiapello, Eve; « Inégaux face à la mobilisation », in Projet N° 271, septembre 2002.

Boudon, Raymond; A quoi sert la notion de structure ? Essai sur la signification de la notion de structure dans les sciences humaines, Gallimard, Paris 1968 .

Boudon , Raymond; L’inégalité des chances , Hachette coll. « pluriel » ,Paris 1987.

Boudon, Raymond; Dictionnaire de la sociologie, Larousse, 1990.

Compère, Bernard; « Intégration sociale et marginalité », in Cahiers internationaux de sociologie, vol LXIV.

De Martel, Jean-François; « La réduction des inégalités sociales », in Etudes, n° 346, avril1977.  

Donzelot, Jacques et Estèbe Philippe; « L’Etat animateur », in Projet N° 233, Printemps 1993.

Dubois, Jean; « L’idéologie égalitaire », in Projet n° 119, novembre 1977.

Dumont, Louis; Homo-aequalis :genèse et épanouissement de l’idéologie économique, Paris, Gallimard 1977.

Durkheim, Emile; Leçons de sociologie, PUF, Paris ,1950 .

Durkheim , Emile; Textes , Editions de Minuit , Paris 1975, vol 3.

Echaudemaison, C. D. (dir.), Dictionnaire d’économie et des sciences sociales, Editions Nathan, Paris 1998.

Elias, Norbert; Engagement et distanciation, Arthème Fayard, Paris 1993.

Elias, Norbert; La dynamique de l’occident, CALMAN-LEVY, 1975.

Farrugia, Francis; « Exclusion, Mode d’emploi », in Cahiers internationaux de sociologie, vol CII, 1997.

Gautier, Claude; « Corporation, Société et démocratie chez Durkheim », in Revue française de science politique, vol 44 , N° 5 , octobre 1994.

Giraut,F. et Rochefort, M. « La marginalité socio-spatiale : une notion à déconstruire dans le contexte des villes du sud », in Revue Tiers – Monde, n° 185, mars 2006.

Ghora-Gobin, Cynthia (dir.) ; Dictionnaire des mondialisations, Armand Colin, Paris 2006.

Grawitz, Madeleine; Méthodes des sciences sociales, Editions Dalloz, Paris 1996 .

Gurvitch, Georges; « Le concept de structure sociale », in Cahiers internationaux de sociologie, vol XIX 1955.

Jeanson, André ; « Travail et inégalité », in Recherche sociales, N°58, avril- juin 1976.

Lacroix, Jean; « La société selon le positivisme comtien », in Recherches sociales, N° 53, janvier- mars 1975.

Lamberti, J. C. Les deux démocraties, PUF, Paris 1983

Lautier, Bruno; « Notes d’un sociologue sur l’usage de la notion de marge dans les sciences sociales du développement », in Revue Tiers-Monde, N° 185, mars 2006.

Laville, Jean-Louis et David Cattani Antonio; Dictionnaire de l’autre économie, Desclée de Brouwer, Paris 2005.

Lenoir, R; « Politique familiale et construction sociale de la famille », in Revue française de science politique, vol46, N°6 décembre 1991.

Lojkine, Jean;  « La spécialisation des champs en sociologie », in Cahiers internationaux de sociologie, vol LXVIII, 1980.

Maffesoli, Michel ; « Dynamique de la dissidence », in Cahiers internationaux de sociologie, vol LXIV, 1978.

Maucourant, Jérome; Avez-vous lu Polanyi ? Editions La dispute/ SNEDIT, Paris 2005.

Mayer, Paul; « Comprendre les organisations en crise », in Cahiers internationaux de sociologie, vol CII, 1979.

Méraud, Jacques ; « Les inégalités sociales », in Revue des sciences morales et politiques, 1981/2.

Merton, R. K.  Eléments de méthodes sociologiques (Trad.). Plon. Paris 1965.

Parsons, Tallcott; Eléments pour une sociologie de l’action. Traduction et introduction de François Bourricaud; Librairie Plon. Paris sans date.

Percheron, A; «La socialisation politique, défense et illusion », in Grawitz, M. et Leca, J. (dir) ; Traité de science politique, PUF, Paris 1985, tome 3.

Polanyi, Karl; La grande transformation, Gallimard, Paris 1983.

Poulin, Richard; « Prostitution, crime organisé et marchandisation », in Revue Tiers Monde, N° 176, octobre-décembre 2003.

Roustang, Guy et David, Jean- Louis (dir.); Vers un nouveau contrat social, Desclée de Brouwer, Paris 2000.

Touraine, Alain; Sociologie de l’action. Edition du Seuil. Paris 1965.

[1] – عمل منشور في كتاب جماعي يحمل عنوان المجتمع الموازي بين الهامشيّة والوظيفيّة، منشورات وحدة البحث “المجتمع والمجتمع الموازي” وكلّية الآداب والفنون والإنسانيّات بمنّوبة.  تونس 2012، ص.ص. 29- 68.

[2] – Ulrich Beck, « Le nouveau visage du cosmopolitisme », in Sciences humaines N° 176, novembre 2006, p. 32.

[3] – Jean Lacroix, « La société selon le positivisme comtien », in Recherches sociale, N° 53, janvier- mars 1975, p.21.

[4] – Roger Benjamin, « Comprendre et transformer la société : Réflexions liminaires », in Recherches sociales, N° 72, octobre-décembre 1979, p. 70.

[5] – Norbert Elias, La dynamique de l’occident, CALMAN-LEVY, 1975, p.183.

[6] – Madeleine Grawitz, Méthodes des sciences sociales, Editions Dalloz, Paris 1996, p. 396.

[7] – إن الوظيفية تعاني من غموض في الاستعمال صلب العلوم الاجتماعيّة. الاستعمال الشعبي يأخذ البعد الاجتماعي للوظيفة ويخلطها بالمهنة. أمّا في المعنى الرّياضي فتعني الوظيفة المتغيّر المدروس في علاقة بمتغيّر آخر أو عدّة متغيّرات، وتبعا لذلك يمكن التعبير عنها وتفسيرها والتعبير عن قيمتها. أمّا في علم الاجتماع فمعنى الوظيفة منحدر من الرّياضيات ولكنّه متأقلم مع الوقائع الاجتماعية عبر وساطة الدّلالة البيولوجيّة.

[8]– Alain Touraine, Sociologie de l’action, Edition du Seuil. Paris 1965. p 125.

[9]– القراءة الوظيفيّة تفترض جملة من المعايير التي يمكن أن نوجزها كما يلي׃

الوظيفة تفهم في علاقة بالنسق الاجتماعي في كلّيته – كل العناصر الاجتماعية والثقافيّة تؤدّي وظائف اجتماعيّة – كل العناصر تتكامل وتتفاعل فيما بينها في سياق وظيفي بالنسبة إلى المجتمع ككل – هناك انفعالات اجتماعية يمكن أن تكون وظيفيّة بالنسبة إلى بعض المجموعات دون غيرها في نفس المجتمع.الوظيفيّة تقابلها اللاّوظيفيّة التي تعطّل تأقلم أي عضو مع النّسق.

[10] – Raymond Boudon, Dictionnaire de la sociologie, Larousse, 1990.

[11] – إنّ مفهوم البنية يحيل على جملة من المعاني والدّلالات كالنّسق والترابط والكليّة وانفصال الأجزاء عن الكل، و نسق العلاقات، والكلية التي لا تختزل إلى أجزاء… ولكن يمكن أن تكون هناك بنية بمعناها الأكثر عموميّة عندما تكون كل الأجزاء مجتمعة في كلية لتمثّل في مجملها خصوصيّة وتكوّن هويّة مختلفة عن أجزائها المكوّنة لها.

[12]– Raymond Boudon, A quoi sert la notion de structure ? Essai sur la signification de la notion de structure dans les sciences humaines, Gallimard, Paris 1968, p. 16.

[13] – Georges Gurvitch, « Le concept de structure sociale », in Cahiers internationaux de sociologie, vol XIX 1955, p. 27.

[14]-Tallcott, Parsons, Eléments pour une sociologie de l’action. Traduction et introduction de François Bourricaud. Librairie Plon. Paris sans date. P 258.

[15] – C. D. Echaudemaison (dir.), Dictionnaire d’économie et des sciences sociales, Editions Nathan, Paris 1998, p. 431.

[16] – Pierre Ansart, « Saint Simon : La théorie des systèmes sociaux », in Recherches sociales, N° 53, janvier-mars 1975, p. 05.

[17] – Madeleine Grawitz, Méthodes des sciences sociales, Editions, Dalloz, Paris 1996, p. 396.

[18] – Norbert Elias, Engagement et distanciation, Arthème Fayard, Paris 1993, p.p. 71-73.

[19] – Norbert Elias, La dynamique de l’occident, op. cit, p.182.

[20] –  Ibid, p.183.

[21] –  Ibid, p.256-257.

[22] – Notamment les textes suivants : Les leçons de sociologie (1890 – 1900), La préface de 1901(qui reprend en partie le contenu de la leçon 2), en fin le texte extrait de son « Cours de morale » (morale professionnelle et corporation 1909).

[23] – Gautier, Claude ; « Corporation, Société et démocratie chez Durkheim », in Revue française de science politique, vol 44, N° 5, octobre 1994, p. 836.

[24] – Gautier, Claude ; Ibid, p. 838.

[25] – Norbert Elias, La dynamique de l’occident, p.187.

[26] – Durkheim , Emile ; Leçons de sociologie , PUF ,Paris ,1950 .

[27] – Ibid, p. 217 .

[28] – Gautier, Claude ; « Corporation, société et démocratie chez Durkheim », op. cit ; p. 839.

[29] – Michel Maffesoli, « Dynamique de la dissidence », in Cahiers internationaux de sociologie, vol LXIV, 1978, p. 104.

[30] – Durkheim, Emile ; Leçons de sociologie, op. cit. p. 58.

[31] – Bernard Compère; « Intégration sociale et marginalité », in Cahiers internationaux de sociologie, vol LXIV, p.127.

[32] – Bernard Compère, « Intégration sociale et marginalité », op. cit. p. 129.

[33] – Bernard Compère, op.cit. p. 133,

[34] – Bernard Compère, ibid, p. 131.

[35] – Paul Mayer, « Comprendre les organisations en crise », in Cahiers Internationaux de Sociologie, vol CII, 1979, p. 63.

[36] – Paul Mayer, Ibid, p. 60.

[37] – كان من المفروض أن نقترح صياغة منوال عام لتشكّل الحالات المأزومة، نعني منوالا يصلح لفهم كلّ الأزمات داخل التّنظيم الاجتماعي ويصلح لتفسير هذه الأزمات تفسيرا سببيّا. وهذا العمل يتطلّب العودة إلى بعض الحالات كما يتطلّب الاهتداء ببعض الأدبيّات مثل نظريّات المجتمعات المأزومة وبالخصوص أدبيّات إدارة الأزمات. وهي أدبيّات عمليّة- ميدانيّة في أغلب جوانبها ونظريّة في بعض جوانبها. إنّها الأدبيّات المخصّصة لتناول الظّاهرة الأوسع من الأزمات التي تؤثّر على التّنظيم، وهي التي تتناول أزمات المجتمع. وأهمّيّة هذه الأدبيّات في كونها تضع في اعتبارها أزمة العلاقة بين البنيات الاجتماعيّة. غير أنّ هذه المسألة تحتاج إلى مساحة أوسع من التّطرّق النّظري، وهو ما لا تسمح به هذه المساهمة.

[38] – Roland Béhar, « De la souffrance de l’individu à la souffrance de la société », in Revue des sciences morales et politiques, 1997, N°3, p.98.

[39] – C. D. Echaudemaison (dir.), Dictionnaire d’économie et des sciences sociales, Editions Nathan, Paris 1998, p. 374.

 

[40] – Jacques Donzelot et Philippe Estèbe, « L’Etat animateur », in Projet N° 233, Printemps 1993, p. 53.

[41] – André Jeanson, « Travail et inégalité », in Recherches sociales, N°58, avril- juin 1976, p. 04.

[42] – Jacques Méraud, « Les inégalités sociales », in Revue des sciences morales et politiques, 1981/2, p. 279.

[43] – Jean Dubois, « L’idéologie égalitaire », in Projet n° 119, novembre 1977, p. 1071.

[44] – Ibid, p. 1072

[45] – Jean-François de Martel, « La réduction des inégalités sociales », in Etudes, n° 346, avril1977, p.465.

[46] – Ibid, p. 470.

[47] – Ibid. p.478.

[48] – Francis Farrugia, « Exclusion, Mode d’emploi », in Cahiers internationaux de sociologie, vol CII, 1997, p. 41

[49] – Ibid. p. 42.

[50] – Ibid. p. 44.

[51] – مثل عبارة المحيط وخلافا لعبارة التّخوم تدرج عبارة الهامش مسألة العلاقة بالمركز ولكنّها لا تقدّم شيئا حول طبيعة هذه العلاقات. الهامشيّة المجاليّة الاجتماعيّة تحيل على المعنى الطّرفي وبالتّالي تركّز على البعد المحيطي لبعض الوضعيّات.

 

[52] – F. Giraut et M. Rochefort, « La marginalité socio-spatiale : une notion à déconstruire dans le contexte des villes du sud », in Revue Tiers – Monde, n° 185, mars 2006, p. 14.

[53] – يبدو أنّ الجغرافيا تعاني من علاقة تضارب مع بقيّة العلوم الاجتماعيّة فيما يتعلّق باستعمال عبارة “الهامش”: ففي حين أنّها عبارة مستوحاة من المجاز المجالي فإنّها تبدو كثيرة الاستعمال بشكل أولوي قبل بعض العلوم الاجتماعيّة الأخرى (التّاريخ، الفلسفة، علم السّياسة، علم الاجتماع، علم الاقتصاد…) أكثر من الجغرافيا.

[54] – Bruno Lautier, « Notes d’un sociologue sur l’usage de la notion de marge dans les sciences sociales du développement », in Revue Tiers-Monde, N° 185, mars 2006, p. 17.

[55] – Luc Boltanski et Eve Chiapello, « Inégaux face à la mobilisation », in Projet N° 271, septembre 2002, p. 99.

[56] – Bruno Lautier, « Notes d’un sociologue sur l’usage de la notion de marge… », op. cit. p. 18.

[57] – خلال الثّلاثينيّة المجيدة رُفع شعار تنمية الاقتصاد من أجل الحصول على كعكة هامّة يمكن تقسيمها اجتماعيّا. مع التّطوّر ما بعد الصّناعي لم تعد هذه المسألة آليّة مضمونة. فالبراديغم الجديد للفعل العمومي يمكن أن يتميّز باستبدال للمعجم الدّلالي فيحلّ مفهوم الاندماج شيئا فشيئا محلّ مفهوم الإدماج.

سابقا كنّا ندمج الأفراد بصفتهم في مقايضة على حالة الإقصاء وذلك لإجبارهم على قبول العمل الصّناعي الذي كانوا يرفضونه. في الوقت الحالي لم تعد هذه المقايضة ممكنة: ليس ثمّة عمل يمكن تقديمه لهؤلاء المحرومين. إذن فالإقصاء ليس هو العصا التي تقود إلى الاندماج. بقيت ضرورة الإدماج أي توفير طريقة المجتمع للمقصيين، في هذه الحالة فإنّ الإدماج يتطلّب زيادة طاقة الاندماج لا بالرّوع إلى ضوابط مبنيّة مسبقا ولكن باعتماد مبادرات الأعوان لأجل استقلال المستفيدين، لذلك فإنّ ثراء المفردات وتنوّعها (مثل المشروع والشّراكة والفعل الشّامل) يدخل في هذا السّياق.            

 

[58] – Jean-Louis Laville et Antonio David Cattani ; Dictionnaire de l’autre économie, Desclée de Brouwer, Paris 2005, p. 176.

 

[59]Ibid, p.177.

 

[60] – Ibid. p. 175.

[61] – Karl Polanyi, La grande transformation, Gallimard, Paris 1983.

[62] – Jérome Maucourant, Avez-vous lu Polanyi ? Editions La dispute/ SNEDIT, Paris 2005, p. 49.

[63]ibid. p. 188.

[64] – كارل بولانيي، التّحوّل الكبير، ترجمة محمّد فاضل طبّاخ، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، الطّبعة الأولى، بيروت 2009، ص. 24.

[65]المرجع نفسه، ص. 37.

[66] – Guy Roustang et Jean- Louis David (dir.); Vers un nouveau contrat social, Desclée de Brouwer, Paris 2000, p. 16.

[67] – Cynthia, Ghora-Gobin (dir.) ; Dictionnaire des mondialisations, Armand Colin, Paris 2006, p. 125.

[68] – Louis Dumont ; Homo-aequalis :genèse et épanouissement de l’idéologie économique, Paris, Gallimard 1977.

[69] – Richard Poulin, « Prostitution, crime organisé et marchandisation », in Revue Tiers Monde, N° 176, octobre-décembre 2003, p.736.

[70] – Cynthia, Ghora-Gobin (dir.) ; Dictionnaire des mondialisations, op. cit. p. 336.

[71] – Cynthia, Ghora-Gobin (dir.) ; Ibid. 337

[72] – Karl Polanyi, La grande transformation, Gallimard, Paris 1983.

[73] –  Guy Roustang et Jean- Louis David (dir.) ; Vers un nouveau contrat social, Desclée de Brouwer, Paris 2000, p. 53.

[74] – Guy Roustang et Jean- Louis David (dir.) ; Vers un nouveau contrat social, p. 54.

[75] – سمير التنّير: الفقر والفساد في العالم العربي، دار السّاقي، بيروت 2009، ص. 16.

[76] – تعرّف منظّمة الشّفافيّة العالميّة الفساد بأنّه “استغلال السّلطة من أجل المنفعة الخاصّة”. أمّا البنك الدّولي فيعرّفه بأنّه “إساءة استعمال الوظيفة العامّة للكسب الخاص، فالفساد يحدث عادة عندما يقوم موظّف بقبول أو طلب ابتزاز أو رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمنافسة عامّة، كما يتمّ عندما يعرض وكلاء أو وسطاء لشركات أو أعمال خاصّة تقديم رشاوى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامّة للتّغلّب على منافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعيّة. كما يمكن أن يحصل الفساد عن طريق استغلال الوظيفة العامّة من دون اللّجوء إلى الرّشوة وذلك بتعيين الأقارب أو سرقة أموال الدّولة مباشرة”.

[77] – سمير التنّير: مرجع سابق، ص. 13.

[78] – جماعي: المشاريع الدّوليّة لمكافحة الفساد والدّعوة للإصلاح السّياسي والاقتصادي في الأقطار العربيّة، المنظّمة العربيّة لمكافحة الفساد، بيروت 2006، ص. 61.

[79] – جماعي: نفس المرجع، ص. 61- 62.

[80] – Lenoir, R ; « Politique familiale et construction sociale de la famille », in Revue française de science politique, vol46, N°6 décembre 1991, p. 782.

[81] – Percheron ,A ; «  La socialisation politique , défense et illusion »  , in Grawitz, M. et Leca, J. (dir) ; Traité de science politique , PUF, Paris 1985 , tome 3, p. 219 .

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: