المجتمع المدني في تونس ومنزلقات التوظيف والتوظيف المضاد

img

المجتمع المدني في تونس ومنزلقات التوظيف والتوظيف المضاد

خلال الفترة الانتقاليّة[1]

د.المولدي قسّومي

  باحث في علم الاجتماع

  جامعة تونس

يندرج موضوع هذه المساهمة ضمن سياقات ثلاث:

1-  سياق تشريعي تميّز بغياب الأسس القانونيّة التي تحدّد شكل الدّولة وطبيعة النّظام السّياسي  باعتبار أنّنا نعيش في حالة فراغ دستوري لايزال رهين الدّور الذي يقوم به المجلس الوطني التّأسيسي الذي لم يؤسّس بعد إلى أيّ من المهام الموكولة إليه، في حين أنّنا نجده تجاوز المام الأصليّة التي انتخب لأجلها وتحوّل إلى برلمان يضطلع بكلّ المهام التّشريعيّة التي ينبغي أن يمارسها في إطار وجود القانون الأسمى المنظّم لعلاقة الدّولة بالمجتمع في كلّ مجالاتها ونعني به الدّستور.

2- سياق اجتماعي تميز بالجيشان تبعا لما يمكن أن نعتبره وفقا  للتداول اللفظي “ثورة”، دون أن نقف على النّتائج التي ينبغي أن تنبثق عن ديناميكيّة ثوريّة. في حين أنّ هذا الجيشان لم يتجاوز حالة العطالة الوظيفيّة التي تميّز عديد البنيات التّكوينيّة للمجتمع والدّولة ولم يتحوّل إلى ديناميكيّة فعليّة قادرة على تجاوز البنيات القديمة رغم وهنها كما لم يرق إلى مستوى تفعيل البنيات المنسجمة مع واقع “ثوري”

3- سياق انتقالي: نخرج في نطاقه من نظام استبدادي الى نظام لم تتضح معالمه الى اليوم فبقدر ما يمكن أن نتفق على أنّ النظام السّابق كان نظاما استبداديّا في كلّ مجالات اشتغال السّلطة السّياسيّة والأطر التي توجد تحت إدارتها فإنّه يعسر علينا أن نقف على ملامح واضحة ونهائيّة للنّظام السّياسي الذي هو في طور التّشكّل. لذلك علينا أن نشير إلى أنّ الانتقال الديمقراطي ليس الانتقال من أجل الديمقراطية. فمن الجائز أن تضفي هذه المرحلة الانتقاليّة إلى إعادة إنتاج المنظومة الاستبداديّة

هذه السّياقات الثلات تنسجم مع إشكاليّة المواءمة بين المواطنة و الثقافة الديمقراطية. وعليه ينبغي ن نميّز بين نمطين من الدّيمقراطيّة لأنّ إحداهما قد لا تنسجم مع شروط المواطنة:

  • الديمقراطية الأداة- الوسيلة وقد تنتهي الى اعادة انتاج التسلط مثلما حصل في روسيا (هيمنة حزب روسيا الموحّدة المدعوم بالأوليغارشيّة والمافيا الماليّتين رغم وجود انتخابات دوريّة دون ضمان للتّداول على السّلطة) وايران (التي كبّلت عمليّة التّداول وأخضعتها إلى حكم المؤسّسة الدينيّة من خلال حكم الملالي والمرشد الأعلى للجمهوريّة الإسلاميّة الذي يحدّد مسبقا مآلات العمليّة الإنتخابيّة). وحتّى الدّيمقراطيّة اللّيبراليّة في صيغتها الأمريكيّة التي تفتقد للبعد الاجتماعي وتحصر التّداول عل السّلطة بين الجمهوريّين والدّيمقراطيّين الذين لا يختلفون في جذريّا في علاقتهم مع الطّبقات الشّعبيّة (أكثر من أربعين مليون أمريكي يفتقدون إلى التّغطية الاجتماعيّة). فالدّيمقراطية الأداة هي ديمقراطيّة العملية السياسية-الانتخابية المتّصلة أساسا بمهمة الأحزاب، وقد تكون في شكلها المشار إليه من خلال الأمثلة المذكورة عمليّة وظيفيّة صرف رغم دوريّتها وترسّخها في التّقاليد السّياسيّة. أمّا في شكلها الآخر الذي يمكن أن يعبّر عنه واقع الحال في تونس فهو الذي ينحصر في عمليّة انتخابيّة يختلس بمقتضاها حزب سياسي الشّرعيّة المطلقة باعتبار الوكالة النّيابيّة المنبثقة عن سيادة الشّعب بقطع النّظر عن مدى مشروعيّة ممارسته للسّلطة (والمشروعيّة هنا تتعلّق بمدى مطابقة الأداء السّياسي للشّروط التي بمقتضاها نال الأكثريّة في عمليّة التّصويت ومدى إيفائه بتعهّداته تجاه ناخبيه) ويرفض إعادتها إلى مصدرها الأصلي. هنا يتجلّى انحصار الدّيمقراطيّة في الأداء (حين تنحصر في عمليّة انتخابيّة قد تكون أنجزت في إطار يفتقد فيه المجتمع إلى مقوّمات المواطن وتفتقد فيه الأحزاب الأهليّة السّياسيّة لاستيعاب شروط الدّيمقراطيّة) كما يظهر انحصارها في الإطار (حين يكون إطارها الأوحد هو الحصول على الأكثريّة الإنتخابيّة في مناسبة واحدة وبعد ذلك ينقضي دورها لأنّها مجرّد أداة تُستعمل من أجل الوصول إلى الحكم).
  • الديمقراطية الغاية، أي بوصفها نظاما اجتماعيا أو كما يراها ألكسيس توكفيل الديمقراطية كحالة اجتماعية أو ما يمكن أن نسمّيه بمجتمعيّة الدّيمقراطيّة Socialité de la démocratie)) حيث تكون نظاما اجتماعيّا يستوفي كلّ شروط وضمانات المواطنة بدءا بالاستجابة لمنظومة حقوق الإنسان في بعدها الكوني وصولا إلى شروط لتّكافؤ الفئوي والمجالي. في هذا المستوى تكون الدّيمقراطيّة واقعا مستداما وتكون فضاء وظيفيّا لمكوّنات المجتمع المدني لا تقلّ في دورها وأدائها عن مكوّنات المجتمع السّياسي.

باعتبار كلّ السّياقات المشار إليها آنفا وباعتبار ما يحفّ بهذه المرحلة الانتقاليّة فإنّ المجتمع المدني في تونس يخضع إلى واقع التوظيف والتوظيف المضاد.

  • في إعادة تشكّل المجتمع المدني

مع حلول 14 جانفي برزت ظاهرة السيولة التي طبعت المجتمع السياسي، هذه السيولة شملت كذلك المجتمع المدني وقد جمعته بالمجتمع المدني طيلة الأيّام الأولى التي عقبت انهيار النّظم السّياسي السّابق، وقد تعزّزت هذه السّيولة مع ما أمكن تسميته آنذاك ببرلمان شباب الثورة في القصبتين ثم برز مع الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي التي جمعت مكوّناتها بين منظّمات المجتمع المدني والأحزاب السّياسيّة. ولم يبدأ انفصال المجتمع المدني والمجتمع السّياسي كلاهما عن كليهما إلاّ مع نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011. أمّا قبل ذلك فقد تداخلت الأدوار إلى الحدّ الذي لم يكن بامكاننا التّمييز بين أدوار الجمعيّات والنّقابات من جهة والأحزاب السّياسيّة من جهة أخرى.

في هذا السّياق يمكن الإقرار بأنّ إعادة تشكل المجتمع المدني بدأ في اطار ردة فعل على واقع المجتمع المدني خلال فترة نظام بن علي وانفعال بما حدث على المستوى السياسي وتفاعلا مع المساحات السّياسيّة المتاحة للمنظّمات والجمعيّات على الرّغم من أنّها ليست مجال اهتمامها أصلا. وما يمكن تسجيله أنّ المجتمع المدني استعاد أحقّيته في الفضاء الفضاء الذي تشتغل فيه منظومة حقوق الإنسان وتتجدّد بقدر ما يمثّل الإطار الجماعي الذي يسعى إلى تفعيلها وتجسيدها وتطويرها. وأمكننا بذلك تجاوز المنظور الذي يعتبر المجتمع المدني وحدة عاجزة عن مجابهة هيمنة المجتمع السّياسي إلى المنظور الذي يعطيه نفس القدر من الفاعليّة في مواجهته. وبالعودة إلى الأسس الفكرية / التأصيل النظري نجدأنّ المجتمع المدني في تونس بدأ يشتغل على مقوّمات تجمع بين ألكسيس توكفيل وأنطونيو غرامشي رغم صعوبة الالتقاء الفكري بينهما على مستوى المنوال النفسيري. ولكن في الواقع قيد التناول جمع بينهما على أساس ان المجتمع المدني في سياق هذه الكلية يعّبر عن السلطة الاجتماعية المضادة.

إنّ الفكر المؤسّس لمفهوم المجتمع المدني قد ظهر في إطار الفكر السّياسي الغربي كمساهمة في تفعيل إرادة الدّفاع الجماعي في مواجهة العنف الذي يصدر عن السّلطة السّياسيّة[2]. بالنّسبة إلى علماء السّياسة فإنّ المجتمع المدني يلعب دور السّلطة المضادّة التي تؤمّن لكلّ وحدات الجسم الاجتماعي وخاصّة الفاعلين السّياسيّين والاقتصاديّين اتّجاهات اسهاميّة وتشاركيّة فاعلة وآليّات ناجعة للتّحديث والاندماج الاجتماعي والسّياسي وخاصّة فضاء من الاستقلاليّة النّسبيّة للمواطنين بما يضمن تفعيل الوساطة بين جهاز الدّولة والمجتمع[3]. لذلك فإنّ المجتمع المدني مدعو إلى توزيع أدوار مكوّناته حسب العائلات الخمس لمنظومة حقوق الإنسان لتدافع كلّ طائفة من هذه المكوّنات عن عائلة من تلك العائلات: الحقوق المدنيّة، الحقوق السّياسيّة، الحقوق الثقافيّة، الحقوق الاجتماعيّة، الحقوق الاقتصادية. كما هو مطالب من خلال مكوّناته ذات الصّلة بالمسألة الاقتصاديّة والتي يمكن أن تناقش السّياسة الاقتصاديّة والتّوجّه العام للدّولة بالضّغط على السّلطة من أجل إرساء تنمية عادلة على أساس الشّروط التي تحمي مبادئ حقوق الإنسان وعلى أساس الشّروط التي تطوّرها كمنظومة شاملة تتضمّن أساسا الحقّ في التّنمية. المجتمع المدني في الموضوع قيد الدّراسة بدأ يتشكّل وظيفيّا من خلال الدّفع في اتّجاه تجديد المنظومة وتطويرها بحسب المتغيّرات وخاصّة على قياس المخاطر التي تهدّدها. هذا ما حصل أيضا في فرنسا بعد الثّورة. واقع الحال بالنّسبة إلى تونس في المرحلة الانتقاليّة قد يأخذ نفس المنحى كما قد يأخذ منحى عكسيّا من حيث ما قد ينجرّ عن ظهور بعض القوى الدّاعية إلى التّراجع عن جزء من المنظومة الكونيّة لحقوق الإنسان: حينما يكون التّراجع عن المكاسب في مجال حقوق الإنسان مطلبا اجتماعيّا وحينما يكون مبدأ التّضييق على الحرّيات مطلبا اجتماعيّا من خلال ما تطلبه بعض الجمعيّات وبعض القوى المنتمية إلى المجتمع المدني. 

نفهم من الفكر الغربي عموما أنّ المجتمع المدني يسبق المجتمع السّياسي في وجوده وفي تمثيله للمجتمع بشكل عام وبالتّالي في ترجمته لكلّ ما هو خاص إلى نطاق العام حيث يتمّ تجاوز الخاصّيات الفرديّة والعائليّة والشّخصيّة والمصالح الخاصّة لفائدة المصلحة العامّة والموضوعيّة[4]، وفي هذا النّطاق توجد الجمعيّات والنّقابات والتّنظيمات المهنيّة والهياكل الاجتماعيّة النّاشطة في استقلاليّة تامّة عن السّلطة السّياسيّة، ويتم تفعيل دورها دون تجاوز مبدأ التّرابط بين الفضاء الخاصّ والفضاء العمومي رغم أنّهما ليسا متطابقين [5]. كما نفهم من الفكر الغربي أنّ التّمييز بين الخاصّ والعام أمر مهيّأ اجتماعيّا ولكن مع مداومة الاشتغال عليه وتدعيمه داخل المجال السّياسي، لأنّ الجمع بين المجالين تعزيز لمنظومة الوساطة وتأكيد لفاعليّة الدّور التّعديلي الذي يؤدّيه المجتمع المدني. وفي تاريخ هذا الفكر يوجد محور دلالي يجمع بين المجتمع المدني والدّولة عندما نفهم أنّ المجتمع السّياسي هو عبارة عن مجال لترجمة مصالح المجتمع المدني بعبارات ومعان سياسيّة، وفي مرحلة موالية تعود إلى هيغـل أصبح المجتمع المدني عبارة عن نسق الحاجيّات والأنشطة الاقتصاديّة في مواجهة دولة تعتبر لحظة أخلاقيّة عليا، ولاحقا أصبح هذا الفكر(مع الماركسيّة وامتداداتها)  يعارض بينهما ، حيث أصبح المجتمع المدني عبارة عن فضاء مقاومة المجتمع للدّولة المطلقة.

كان النّسيج الجمعيّاتي في تونس قبل 14 جانفي 2011 يتكوّن من 9365[6] جمعيّة تلتزم بمبادئ عامّة مثل التّجمّع الطّوعي والتّعدّديّة والعلنيّة والشّرعيّة وخلوّها من الأهداف الماديّة… عملا بالأحكام الواردة في قانون الجمعيّات[7]. ولكنّنا إذا وضعنا هذه الشّبكة أمام المجتمع المدني الذي يستوجب وجود مؤسّسات حرّة تنشط خارج دائرة المجتمع السّياسي الذي تهيمن عليه الدّولة (وأحيانا يندمج فيها أصلا) وخارج مراقبتها وتطالب بالحقوق العامّة والسّياسيّة وتنخرط في دائرة الصّراع من أجل الهيمنة الإيديولوجيّة … فإنّه علينا أن نستثني أغلب الجمعيّات من الانتماء إلى هذا الفضاء. فالنّظام الذي أسّس له قانون الجمعيّات (7نوفمبر 1959)، المنافي لروح الدّستور وغير المطابق لمقوّمات المجتمع المدني، كان نظام التّرخيص المسبق الذي يعدّ شرطا لازما لشرعيّة الجمعيّات وقانونيّتها. ولمّا كان هذا الشّرط ينحدر من صلب فلسفة قانونيّة مرتبطة بتطلّعات السّلطة السّياسيّة التي تتحكّم في آليات التّشريع فحينئذ يمكن أن نقصي الجمعيّات المتمتّعة بتلك الصّفة القانونيّة من فضاء المجتمع المدني ونلحقها بفضاء المجتمع السّياسي لأنّها في الأصل تنحدر منه على الأقلّ وفقا للشّرط المشار إليه، إضافة إلى كونه وفق شرط التّرخيص ومبدأ الاعتراف تنتفي صفة الانتساب إلى المؤسّسات المستقلّة التي تمثّل أساس المجتمع المدني. وقد تعزّز هذا النّظام بفعل التّنقيح الأوّل لقانون الجمعيّات (2 أوت 1988) الذي ميّز بين الجمعيّة والحزب السّياسي لينفي عنها أيّة صفة سياسيّة ويخرجها نهائيّا من دائر ة المشاركة السّياسيّة. وبناء على هذا المبدأ يمكن عدم الموافقة على تأسيس الجمعيّة التي تقدّر السّلطة أنّها تستبطن تقاربا أو تشابها مع الحزب السّياسي في مستوى الأهداف أو المبادئ، والتّقدير هنا أحادي الجانب ولا يعود سوى إلى السّلطة التي تمنح التّرخيص والمجسّد في الجهاز الأساسي للسّيطرة واستعمال القوّة الماديّة باسم الدّولة. أمّا التّنقيح الثّاني ( 2 أفريل 1992 ) فقد أقفل دائرة تضييق الخناق على أيّ هامش لحرّيّة الجمعيّات من خلال ما يفرضه هذا القانون في صيغته الجديدة من تصنيف محدّد للجمعيّات قبل التّرخيص لها بالعمل.  من هنا بدأ المجتمع المدني في تونس يتشكّل بصفته الأساس الأخلاقي للدّولة وبصفته وحدة عاجزة على معارضة المجتمع السّياسي. ومن هنا أيضا بدأت الدّولة تأخذ طابعا مهنويّا بانوبتيّا Panoptique  يجعلها تتحكّم في كلّ شيء وتراقب كلّ شيء ولا يفلت منها أيّ شيء. وهي حالة قابلة للعودة في واقع سياسي انتقالي لا يزال فيه المسار التّأسيسي في بعده القانوني والتّنظيمي غير مكتمل الملامح وغير واضح المآل. ومن هنا كذلك بدأ المجتمع المدني يتشكّل مجدّدا وفي سياق جديد يفترض أنّه يعبّر عن حالة من التّغير في نسق ثوري (وربّما نسق ثوري مضاد/ نسق مضاد للثّورة) رغم أنّه لا يستوفي شروط النّاموس الثّوري.

إنّ المجتمع المدني الذي انتعش أكثر داخل مجتمع متحرّر من هيمنة الدّولة يفتح إمكانيّات لا متوقّعة من التّعدّديّة يعترف من خلالها بكلّ التّطلّعات ويجد فيها كلّ فرد أو جماعة تجلّيات المشاركة المحدّدة لنمط المؤسّسة السّياسيّة التي أدرجها روسّو ضمن الإرادة العامّة. لكنّ هذا يبقى تصوّر نظريّ دون التّأكّد من وجود آليّات تفعيله في الواقع خاصّة في إطار الأنظمة الاستبداديّة، “فلا يوجد بلد يكون فيه المجتمع المدني ملزم ليحول دون استبداد السّلطة واعتباطيّة الأمير أكثر من ضرورة أن يكون المجتمع ديمقراطيّا… حيث تشكّل الهياكل الثّانويّة حالة مدنيّة تتصدّى لتعسّف السّلطة… في البلدان التي لا توجد فيها مثل هذه الهياكل لا يمكن أن نجد أيّ عائق لأيّ نوع من التّسلّط، ويمكن لشعب كبير أن يقمع بقبضة إنسان واحد ودون عقاب… ولكن لا يمكن أن نخفي أنّ الحرّيّة اللاّمحدودة للجمعيّات في المستوى السّياسي لا يمكن أن تكون آخر الحرّيّات التي يستطيع الشّعب أن  يتحمّلها، فإنّها إذا لم تسقطه في الفوضى فإنّها تقترب منها في كلّ لحظة. هذه الحرّيّة الخطيرة تحتّم على البلدان التي توجد فيها جمعيّات حرّة إيجاد حدّ أدنى من الضّمان”[8]. هكذا يبدو أنّ الجوهر المؤسّساتي “للمجتمع المدني يتكوّن من جمعيّات غير حكوميّة قائمة على أساس طوعيّ يجمع البنيات التّواصليّة للفضاء العمومي بالضّرورات الاجتماعيّة. وبناء على ذلك يقوم بترجمة ما يدور في الفضاء الخاص داخل الفضاء السّياسي العمومي، لأنّ المجتمع المدني مكوّن من نسيج جمعيّاتي يتبنّى الخطاب الذي يمكن أن يحلّ المشاكل الطّارئة على المصلحة العامّة في نطاق الفضاء العمومي”[9]. لكن مسألة الفضاء العمومي في حدّ ذاتها محلّ اختلاف بين المجتمعات، ففي البلدان المتقدّمة يكوّن الفضاء العمومي  بنية وسطيّة ويندرج ضمن الأطر التي تتوسّط وظيفيّا بين النّسق السّياسي ونسق الفعل الخاص، أمّا في البلدان المتخلّفة (بالمعنى الذي نجده في الاقتصاد السّياسي) فهو دائرة التّحكّم السّياسي والفضاء الذي يعبّر عن السّيادة المطلقة لجهاز الدّولة، وهو أمر كفيل بأن ينحرف بالجمعيّات ويلحقها وظيفيّا بالمجتمع السّياسي حيث تسود مؤسّسة الدّولة وتهيمن، دون أن تبعدها هيكليّا من فضاء المجتمع المدني (حالة تـــــونس في علاقة السّلطة بآلاف الجمعيّات طيلة العقود الفارطة).  

  • مطارحات نظريّة حول جدليّة المدني والسّياسي

لم يعد من الممكن تناول مثل هذا الموضوع قيد التّحليل دون الرّجوع إلى بعض الفصول من الفكر الإنساني الذي يعتبر مرجعا تأسيسيّا – على المستوى النّظري- لهذه الثّنائيّة الجدليّة ( المدني والسّياسي). غير أنّ هذه الضّرورة يمكن أن تكون غير كافية إذا لم نتمّمها بقراءة وقائعيّة لميدان دراستنا باعتباره هو الميدان التّطبيقي الذي سنقوم فيه بالتّنزيل النّظري على أرض الواقع لنختبر مدى مطابقة تلك المطارحات الفكريّة لهذا الواقع، لذلك فقد آثرنا الانطلاق من بعض المرجعيّات الفكريّة لهذه المسألة في هذا الفصل  وخصّصنا الفصل الأخير من المساهمة لمسألة التّنزيل هذه. إنّها ضرورة نابعة من هاجس الدّقة في تحديد مناقب العلوم الإجتماعيّة المتمثّلة في الجمع بين القراءة النّظريّة والقراءة الميدانيّة وكذلك في الاستفادة النّظريّة والمفاهيميّة من مختلف العناصر الفكريّة التي تكوّن حقل العلوم الإنسانيّة. فتعدّد الأطروحات  حول الأطر الاجتماعيّة التي تمثّل ركيزة الفعل المدني وفضاءها لا يمكنه أن يلغي بعض المواطن المشتركة بين مختلف تيّارات الفكر السّياسي والاجتماعي والاقتصادي. إنّ هذا الالتقاء هو بلا شكّ حول آثار السّياق والمحيط على اكتمال الملامح البنيويّة والوظيفيّة للمجتمع المدني في بنياته الجزئيّة والقطاعيّة (المؤسّسات المستقلّة التي تمثّل بنيات تكوينيّة للمجتمع المدني في كلّيته المغاربيّة والمستقلّة عن هيمنة السّلطة السّياسيّة) وكذلك في كلّيته العامّة المجسّدة في الفعل المدني الحرّ على مستوى المجال المدروس في نطاقه الشّامل. وهو التقاء على مستوى مبدأ الطّرح العام وليس على مستوى التّجانس في هذا الطّرح،  وبالتّالي فإنّنا في مواجهة مشكل التّحليل السّياقي للبناء المفاهيمي الخاضع لمبدأ التّعميم بدءا بالمفاهيم الأكثر إجرائيّة وصولا إلى تلك الأكثر تجريدا[10]. وفي نطاق هذا البناء نستخلص التّمييز بين المحيط (مفهوم إجرائيّ يحيلنا على فضاء جغرافي) والسّياق (مفهوم مجرّد يحيلنا على الخصائص والسّمات العامّة التي ميّزت المحيط وطبعته خلال مرحلة معيّنة) كبعدين ضاغطين وملزمين بنيويّا بالنّسبة إلى الفرد، وفي نفس الوقت منفصلين  وخارجين عنه ولا يتّحدان عنده إلاّ في إطار جديد هو عبارة عن شبكة يساهم في بنائها وتكون أشمل منه لأنّها نتيجة خيارات مؤلّفة من مواضيع متعدّدة. وتكوّن الشبكة نظاما من العلاقات  التّكراريّة المشحونة بالخصوصيّات المنفعلة بالنّفعيّة ( البحث عن المصلحة أيّا كان نوعها ) من ناحية وضغوطات السّياق الاجتماعي (الأسرة ومكان العمل والمدرسة ودائرة العلاقات الذّاتيّة…) من ناحية أخرى[11]. إنّ هذا التّمييز يستخلص بالأولويّة انطلاقا من هاجس تحليلي يسعى إلى فهم المنطق العملي الذي يتحكّم في تشكّل الشبكات الاجتماعيّة التي نجد ضمنها مؤسّسات المجتمع المدني.

لأنّ المجتمع المدني هو في البداية وعلى المستوى المفاهيمي صيغة جاءت عبر سلسلة من التّرجمات لفلسفة أرسطو السّياسيّة[12] وكلّ من جاء بعده ليشتغل على نفس النّسق الفلسفي، ولأنّها صيغة تقبل معان مختلفة حسب المعاني التي تناقضها فإنّ المجال لا يتّسع لاستعراض كلّ الفصول الفكريّة من هذه الذّخيرة وهو ما يدفعنا إلى التّعامل مع ضرورة أخرى تتمثّل في ضرورة الفرز النّظري. ومن ثمّ يمكن أن نميّز بين ثلاث أطروحات تأسيسيّة تضمّنتها المدوّنات الفكريّة الغربيّة حول المجتمع المدني: أطروحة المجتمع المدني البورجوازي التي نشأت مع الفيلسوف الألماني هيغل، وأطروحة الاندماج والتّنشئة الاجتماعيّة المرتبطة بفكر دوركـايم، ثمّ أطروحة المراقبة والتّعديل التي ارتبطت بالفكر السّياسي لألكسيس دي تـوكـفيل.

    الأطـروحة الأولـى :

تلخّص هذه الأطروحة أهمّ مبادئ الطّاعة والولاء التي ينبغي على المجتمع بكلّ تكويناته أن يضمنها للسّلطة السّياسيّة، وهي من خلال ذلك تختزل الفعل المدني في الانتساب إلى الفعل السّياسي أو الاشتغال في مداره، وهو سياق يجعل من المجتمع المدني  ملحقا للنّظام السّياسي السّائد. هذا هو مبرّرنا في الرّجوع إلى أطروحة هيــــغل حول المجتمع المدني التي يتدرّج ضمنها إلى تحديد أسباب وشروط ووظائف الجمعيّات المهنيّة بصفتها أهمّ تعبيرات الفضاء المدني المتجاوز للأسرة ولكنّه غير المتجاوز للدّولة. فالمجتمع المدني حينئذ فضاء للحياة الأخلاقيّة بوصفها نتاجا تاريخيّا يتموضع بين مؤسّستي العائلة والدّولة[13]. الدّولة التي تحتوي اقتصاد السّوق وتضمّ الطّبقات الاجتماعيّة والجمعيّات المهنيّة، فالمجتمع المدني إذن فسيفساء تتشكّل من أفراد وطبقات وجماعات ومؤسّسات تنتظم كلّها داخل القانون المدني ولذلك هو نتاج لصيرورة من التّحوّلات التّاريخيّة الطّويلة والمعقّدة. ومحصّلتها أنّ المجتمع المدني يتلخّص في اللّحظات الثّلاثة التّالية:

  • نمط الحاجيّات وتلبية الرّغبات الفرديّة عن طريق العمل والاندماج في نسق الحاجيات التي تلزمه أيضا بتلبية حاجيات الآخرين.
  • واقعيّة عنصر الحرّية الموجود ضمن هذا النّسق بفعل التّشريع الذي يعني حماية الملكيّة عن طريق إدارة القانون لمبدأ العدالة .
  • مجال الاحتياط والوقاية من أنماط الصّدف في هذا النّسق وفق مقاييس مخصّصة للعناية بالمصالح الخاصّة التي تكوّن في مجملها مصلحة جماعيّة وذلك عن طريق الإدارة والجمعيّات الحرفيّة[14] .

إنّ حقيقة الفرد لا تكتمل إلاّ إذا دخل في الوجود الميداني أي حينما يتحدّد بشكل حصري في إحدى الفضاءات الخصوصيّة للحاجيّات، وتبعا لذلك فإنّ عضويّته في إحدى لحظات المجتمع المدني تتمّ من خلال العمل والكفاءة ولكنّ الحفاظ عليها مرتبط بفاعليّة العقل الأخلاقي والفضيلة والشّرف المهني[15]. وبفعل هذه الكفاءة الخاصّة فعضو المجتمع المدني هو أيضا عضو في تنظيم مهني حيث الهدف الأناني المتّجه إلى إشباع المصلحة الخاصّة يتعمّق ويتأكّد في ذاته كهدف كلّي وملموس من خلال محيط العمل والمصالح التي تمثّل هدف الجمعيّة المهنيّة[16]. ويذهب هيغل في نفس السّياق إلى أنّ الجمعيّات المهنيّة تمارس حقّها في تسيير مصالحها الخاصّة داخل محيطها ولكن تحت رقابة السّلطة العامّة، تلك التي تحدّد عضويّة الأفراد موضوعيّا من خلال تقييم كفاءتهم ونزاهتهم وتتحكّم في العدد حسب الظّروف العامّة، وهذا ما يؤكّد أنّ هيـــغل يعتبر المجتمع المدني وحدة عاجزة وفي حاجة مستمرّة إلى المراقبة الدّائمة من طرف الدّولة. فهو يمثّل – إلى جانب العائلة – ثاني الجذور الأخلاقيّة للدّولة، تلك التي تمارس وظيفة الإشراف عليه. و حتّى إن انفصل عنها الدّولة فإنّه لا يتمظهر إلاّ من خلالها وهو أيضا لا يخرج عن الفضاء الذي يوجد بين الخصوصيّة والكلّيّة القانونيّة المجرّدة[17] الخاضعة إلى آليات التّسيير التي نعتبرها وفق المنطق الهيغلي بمثابة الوجود الميداني للدّولة. فالمجتمع المدني عند هيــغل مثل العائلة هو منظومة متناقضة ممّا يعني أنّه لا توجد ضمنه حريّة في شكلها المتطوّر أو الفعلي لذلك يجب أن يخضع إلى شكله الأقصى وهو الدّولة ولذلك أيضا فإنّ مبدأ الخصوصيّة في المجتمع المدني يندرج ضمن مبدأ الكلّيّة في إطار علاقة اقتصاديّة محض. والكلّيّة هنا تعني اعتبار المجتمع كلاّ يلعب دور الوساطة بين الأفراد الذين يخضعون إلى علاقات عمل وتبادل فيتحوّلون إلى أعضاء ضمن جماعة ومن خلال هذا الانتماء يبحثون عن تلبية رغباتهم الخاصّة[18]. ولكن هذا الجمع بين المصالح الفرديّة يكوّن مجتمعا أنانيّا ولا تمثّل الكليّّة في نطاقه سوى وسيلة لتحقيق الأهداف الخاصّة للأفراد. لذلك فإنّ هيغل أخضع كلّ شيئ إلى الدّولة  “لأنّها الحقيقة الفاعلة للفكر الأخلاقي ولأنّها تجعل من الكلّيّة غاية وحينها لا يكون الفرد سوى العون التّنفيذي والوظيفي لنسقه الكلّي. إنّ الكلّيّة مبدأ لا يكون المجتمع المدني من دونه حتّى مجرّد مجتمع بل تجمّع ظرفي لشتات من المصالح المتفرّقة “[19].

إنّ الاعتبارات السّابقة هي التي تحدّد وظيفة الجمعيّة المهنيّة، هي التي تحافظ على الفرد في المكان الذي يختصّ به داخل النّسق العام في المجتمع المدني وتوحّد بينهم  وفق منطق الكسب والثّروة وينتج عن ذلك تشييد شكل من التّضامن الجمعيّاتي بين أعضائه على قاعدة العمل وعلى قاعدة التّقسيم العام الذي ينخرط فيه هذا العمل. هذا التّضامن ليس مجرّد حدث مثل الذي ينتج عن التّنظيم المهني الإقطاعي ولكنّه تضامن متطوّر ومنظّم بالشّكل الذي يؤدّي فيه دور الوساطة بين الوحدة الآنيّة للعائلة والكلّيّة الفعليّة للدّولة[20]  لذلك فإنّ الجمعيّة المهنيّة عند هيــغل هي عائلة ثانية .

إنّ أهمّ ما يمكن أن ترسّخه الجمعيّات المهنيّة هو تأصيل النّشاط الفردي في نطاق الذّهنيّة الكلّيّة والعقلانيّة الجماعيّة، لأنّ التّنظيم المهني يعطي الفرد امتياز الوعي بكيانه من خلال منحه القدرة على التّصدّي للعقل الثّوري بمهاجمته في أسبابه العميقة والجذريّة[21]، ثمّ توطينه في صلب العقل الجماعي الذي يعتبر أنّ الجمعيّات المهنيّة أكثر تطابقا مع الاجتماعيّة Socialité الأرقى التي يكون فيها الفرد موضوعا اقتصاديّا. لاشكّ أنّ هيـــــغل يشير إلى الدّولة من خلال هذا التّعبير الأخير(الاجتماعيّة الأرقى)، فالدّولة عنده تتوطّن في الجماعات المهنيّة التي تتوافق مع لحظة تجاوز المجتمع المدني، وانطلاقا من خاصيّة التنظيم المهني هذه تنتج الدّولة لأنّه يمثّل شرطها الأوّلي وشرط وجودها أصلا[22]. فالدّولة تخرج من المجتمع المدني عبر وساطة الجماعة المهنيّة لأنّها عبارة عن تطوير للحياة الأخلاقيّة الآنيّة للمجتمع لتتجسّد في أرقى أشكالها (الـــدّولة) التي تمرّ عبر انقسام المجتمع المدني البورجوازي، لأنّ الدّولة عند هيــــغل هي أرقى تجسيد لحقيقة الفكر الأخلاقي[23]. وهذا التّصوّر هو الذي جعل من المجتمع المدني فضاء تتبدّد فيه الحرّيّات باسم الفكرة الأخلاقيّة وتضمحلّ فيه رغبات الفرد باسم المصلحة الكلّيّة.

    الأطروحـة الثّــانية :

تنحدر هذه الأطروحة من صلب علم الاجتماع وبشكل دقيق من داخل أحد نصوصه الكلاسّيكيّة المؤسّسة لفكرة الاندماج الاجتماعي الذي يمثّل مجالا لاختبار أهميّة للتّنشئة الاجتماعيّة انطلاقا من الفرد إلى اللّحظة الاجتماعيّة، ومن اللّحظة الاجتماعيّة إلى اللّحظة السّياسيّة، إنّنا نعني هنا العودة إلى تفكير دوركـــايم حول التّنظيم المهني والنّقابات والجمعيّات، وهو كما يبدو ضيّق جدّا رغم أهمّيّة النّصوص التي تكوّن قاعدته[24].

لا ينفك دوركـــايم يؤكّد على أنّ الانتماء إلى جماعة اجتماعيّة أو سياسيّة لا يتحدّد بمنطق سلالي أو عائلي (مرتكزات التّضامن الآلي) أو منطق الإلزام خارج الإرادة الفرديّة ضمن الواقع الاجتماعي – الثّقافي. إنّ تعميم معنى التّضامن العضوي يفرض تعريفا آخر لمبادئ الانتماء و تراتبا آخر بين العوامل التي تحدّدها، وبالتّالي فإنّ تقسيم العمل الاجتماعي له نتيجة مضاعفة وفق القراءة السّوسيولوجيّة لحداثة المجتمعات: هذا التّقسيم غيّر الرّوابط الكلاسيكيّة لعوامل اندماج الأفراد ثمّ أعطى للعمل وبالتّحديد المهنة مكانة جديدة. ومن هنا سعى إلى تحديد مظاهر التّمفصل بين التضامن الآلي والتّضامن العضوي ليستخلص أنّ التنظيم المهني أصبح منوالا آهلا لذلك، كما أصبح من الممكن معالجته وفهمه في علاقة بالسّؤال السّياسي حول الرّوابط التي تجمع المجتمع المدني بالدّولة في نظام من النّمط الدّيمقراطي[25]. إنّ الأهمّيّة المعطاة للفعل المدني من طرف دوركـــايم تبرّر بمسألتين: الأولى كلاسيكيّة وكثيرة الإدراج تتعلّق بمسألة التّوجّهات اللاّمعياريّة للمجتمع الصّناعي، والثّانية تنخرط في القطيعة مع القراءات اللّيبراليّة للعلاقة بين الدّولة والمجتمع المدني. تبعا لذلك، ولأغراض سياسيّة واجتماعيّة ، يرى دوركـــايم بضرورة وجود مؤسّسة تلعب دور الوساطة الضّروريّة لتعديل التّبادل الاجتماعي. هذه الوساطة تهدف إلى خلق التّوازن الضّروري لصيانة الدّيمقراطيّة التي يخضع في إطارها كلّ من الدّولة والفرد لنفس الضّوابط والضّغوطات بشكل متطابق[26].

انطلاقا من مدوّنة “دروس في علم الاجتماع”[27] ، يبدو أنّ دوركــــايم خصّص الدّروس الثّلاثة الأولى لمسألة الأخلاق المهنيّة وكان هدفها تأسيس نوعا من الضّغط الاجتماعي الذي يبرز ضمن القواعد المهنيّة المنتسبة مباشرة للفضاء الصّناعي، وخصّص الدّروس الخمسة الموالية الأخلاق المدنيّة، أي دراسة الوظيفة السّياسيّة للتّنظيمات المهنيّة كأداة لتعزيز الدّيمقراطيّة من خلال مضاعفة ومداومة التّبادل الممكن بين الدّولة والمجتمع المدني. ومن هذه الدّروس يمكن أن نستخلص التّمفصل بين تلكما اللّحظتين من أجل بناء الضّرورة الاجتماعيّة ثمّ السّياسيّة للتّنظيمات المهنيّة. لذلك يمكن أن نربط مسألة التّضامن بمسألة التّنظيم مؤكّدين على ذلك البعد المركزي لمشروع إعادة البناء المعرفي من داخل خاصيّات الحقل السّوسيولوجي بعبارات جديدة ومستحدثة لبعض مناويل اندماج الفرد في المجتمع، وأخيرا يمكن أن نفهم وفق نفس المسار إشكاليّة العلاقة بين الجمعيّات والنّظام الدّيمقراطي[28]. وفي نطاق الجمع بين هذه العلاقة و إشكاليّة الاندماج نجد أنّ المسألة تمرّ عبر ما توفّره التنشئة الاجتماعيّة من استعداد لتكوين تلك المؤسّسات من خلال قدرتها على اختزال أهدافها في الدّفاع عن المصالح الخاصّة حسب رهانات ما نسمّيه اليوم جماعات الضّغط [29].

في المحصّلة  يمكن أن نميّز بين مستويين  للقراءة في تبرير إلزاميّة التّنظيم المهني بالنّسبة إلى إشكاليّة الاندماج الاجتماعي: المستوى الأوّل يتعلّق بإثبات وجود رابط نظريّ بين التّضامن العضوي والتّنظيم الجمعيّاتي، أمّا المستوى الثّاني فيتعلّق بالرّبط بين المهنة والنّواميس (القواعد التّنظيميّة) التي تمكّن من التّعديل القارّ والضّروري بين تطلّعات الأفراد والإمكانيّات الموضوعيّة التي يمنحها لهم المجتمع، وهذا كفيل بإثبات الدّور المجتمعي للتّنظيمات.

ففي النّظام الاجتماعي الحديث يرتبط الاندماج بتقسيم العمل إذ يقود إلى الاعتراف بالأهمّيّة الوظيفيّة للآخر بصفته مختلفا، فمقياس الاندماج للكلّ لا يمكن أن يبنى على مبدأ التّطابق الذي كان سائدا في الأطر الاجتماعيّة التّقليديّة، لذلك عندما قارن دوركــايم الجمعيّة المهنيّة بالبنية العائليّة توصّل إلى  تغيّر مقاييس انخراط الأفراد في المجال والفضاء. لأنّ تقسيم العمل والتّضامن العضوي شكّلا قطيعة تجاوزت الرّسم الكلاسيكي للجماعات، فهما في تعارض مع منطق التّطابق الذي يمثّل خاصيّة التضامن الآلي.

“إذا كانت الجمعيّات المهنيّة هي واقع مؤسّساتي قادر على ترميم خلل اندماجي مرتبط بتعميم التّضامن العضوي فمن الممكن فهمها على أنّها وسيلة إعادة توطين حقيقي للأفراد مع مراعاة الحقيقة الجديدة المفروضة بفعل التّقسيم، أي أنّها وسيط مهمّته تسهيل مضاعفة وتوسّع المصلحة الفرديّة وتحويلها إلى مصلحة جماعيّة (اللّحظة الاجتماعيّة للاندماج)، ومن مصلحة الجماعة إلى مصلحة النّظام الاجتماعي في كلّيّته (اللّحظة السّياسيّة للاندماج)، وهذا ما يؤكّد أنّ الجمعيّات تمثّل بالنّسبة إلى المجتمعات الحديثة ذات التّقسيم  القوي للعمل لحظة مهمّة للتّنشئة الاجتماعيّة”[30] .

إنّ هذا التّدرّج الذي يميّز دور الجمعيّات في سلّم التّنشئة (من الفردي إلى الاجتماعي إلى السّياسي) يثير تساؤلين مهمّين يطرحان تناقضا في صلب النّظريّة الدّوركـــايميّة: كيف يمكن للجماعات أن تكوّن مجتمعا إذا كان لكلّ منها حقيقة مستقلّة تمتصّ كلّ نشاطات الأفراد؟ وكيف يمكن لتفكير قائم ضمن الفعاليّات المهنيّة أن يؤدّي إلى تفكير سياسيّ؟

يبدو أنّ الإشكاليّة المطروحة ترتبط بالعلاقة التي تجمع بين لحظتين من التّنشئة الاجتماعيّة (اللّحظة الاجتماعيّة واللّحظة السّياسيّة)، واحدة تنتهي بإرساء فكرة الفرد وأخرى تنتهي بإرساء فكرة المواطن، كما ترتبط بمقاييس المرور من الواحد إلى الآخر .

إنّ حدود التّحليل تكمن في أنّه لا يمكن اختزال النّظام الاجتماعي في بعد وحيد للجمعيّات كما أراد أن يثبت ذلك  دوركـــايم، فمن غير الممكن اختزال الأحزاب والنّقابات والجمعيّات في بنيات متطابقة مع بنيات الجمعيّات المهنيّة أو بعض اشتقاقاتها. ولكن عالم الاجتماع الفرنسي اتّجه إلى هذا النّحو من وضع الجمعيّات موضع القصور حتّى يعطي شرعيّة للسّلطة المتزايدة للدّولة معتبرا إيّاها أداة وظيفيّة متميّزة عن شتّى القوى التي يتألّف منها المجتمع المدني وهو يخصّها بوظيفة التّفكير والتّميّز بالعقلانيّة خلافا لما يخصّ العامّة من فكر طائش[31]. كما أنّ الفردانيّة المرادفة للتّمتّع بالحقوق، إذ يعتبرها في صلب المسألة السّياسيّة، فإنّها ليست فقط مرتبطة بتطوّر الدّولة ولكنّها نتيجة أساسيّة لذلك[32]. فالحقيقة أنّ الدّولة في نظر دوركــايم هي التي كانت منذ البداية محرّر الفرد، فمنذ احتكرت القوّة أدخلته في المجموعات الخاصّة والمحلّيّة التي كانت تسعى إلى احتوائه مثل العائلة والمدينة والجمعيّة. ويصل إلى أقصى ما يحتمله هذا المنطق فيتّجه إلى معارضة تكوين النّقابات التي تتبنّى الدّفاع عن مطالب العامّة وهذا من شأنه أن يعطّل وظيفة الدّولة في ممارسة دورها في التّفكير النّيّر واتّخاذ القرارات العقلانيّة.

     الأطروحـة الثّـالثة:

سنخوض هنا في بعض ما كتبه توكــفيـــل المدافع عمّا يمكن أن نسمّيه فن إنشاء الجمعيّات الذي يجب أن يتطوّر بشكل مواز لتطوّر فرص المساواة بين البشر حتّى يحافظوا على تطوّر مدنيّتهم. وفي هذا المستوى فإنّ توكفيل يشير إلى أهمّيّة دور الجمعيّات في مراقبة وتعديل دور الدّولة.  فتقدّم الحضارة يمكن أن تصاحبه بعض النّتائج السّلبيّة مثل طغيان الفردانيّة والولع بالرّخاء وهاجس الكسب المادي وتزايد  الرّغبة في تحقيق الإشباع وعدم الإكتراث السّياسي … وهذه كلّها مخاطر تهدّد الدّيمقراطيّة التي تصوّرها توكـــفيــل منذ 1835 من خلال كتابه ” حول الدّيمقراطيّة في أمريكا “. فعلى خلاف سابقيه أو معاصريه لم يعتبر الدّيمقراطيّة نظاما سياسيّا فقط ( دولة قانون، انتخابات، الفصل بين السّلطات ومراقبتها…) بل إنّه يقدّمها على أنّها حالة اجتماعيّة، فهي ليست فقط شكلا من الحكم المناهض للملكيّة أو الحكم المطلق بل هي أيضا شكل جديد من المجتمع الذي يبذل ما في وسعه لضمان شروط المساواة السّياسيّة والقانونيّة بالتّأكيد، ولكن أيضا المساواة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة.

من خلال المنهج المقارن درس تـــوكــفيــل خصائص المجتمع الأرستقراطي لكي يعطي القيمة الحقيقيّة للجوانب التي تخصّ الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة ضمنه فوجد أنّ إمكانيّات الحراك الاجتماعي قليلة جدّا حيث أنّ توارث الحظوة وتوارث البؤس بمثابة الخطوط المتوازية التي لا تلتقي ولا تفترق أبدا، وهذا على خلاف المجتمع الديمقراطي الذي يتميّز بمرونة بنيته الاجتماعيّة، فعندما تكون الحظوظ متساوية يمكن للنّاس تغيير مواقعهم ، ولو أنّه كان هناك سيّد وخادم فالمواقع قابلة للتّبادل[33].

لقد شكّلت رحلة توكــفيــل إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة (أفريل 1831 – جانفي 1832) مصدرا أساسيّا لبناء فكره حول ما يمكن أن نسمّيه الدّيمقراطيّة الأرستقراطيّة [34]. فحيث أقام هناك وجد أنّ المواطن “يتعلّم منذ ولادته أنّه يجب الضّغط على نفسه لأجل مواجهة آلام ومتاعب الحياة، إنّه لا يلقي على السّلطة الاجتماعيّة سوى نظرة تحدّ وكآبة ولا يدعو إلى سلطته إلاّ إذا عجز عن تجاوزها. هذا أمر بدأ يتمّ استيعابه منذ المدرسة حيث الأطفال يمتثلون، حتّى في ألعابهم، إلى القواعد التي أسّسوها بأنفسهم ويعاقبون بأنفسهم كلّ منحرف من بينهم. هذه الذّهنيّة توجد في كلّ فعاليّات الحياة “[35]. فقد وجد هناك أنّ النّاس يتكافلون لأهداف تتعلّق بالأمن العمومي والتّجارة والصّناعة والأخلاق والدّين، فليس ثمّة سوى الإرادة البشريّة تحول دون الوصول إلى القوّة الجماعيّة للأفراد عن طريق الفعل الحرّ… وأنّ الحقّ في التّكافل الجماعي هو طرح انجليزي وقد وجد بكلّ تفاصيله في أمريكا، وقد انتقل استعمال هذا الحقّ إلى مستوى العادات والتّقاليد[36]. فحرّيّة تأسيس الجمعيّات في الولايات المتّحدة ضمان أساسي لمقاومة استبداد الأغلبيّة، لأنّه عندما يهيمن حزب ما على السّاحة السّياسيّة فإنّ النّفوذ العمومي يصبح بين يديه وحلفاؤه يحتكرون كلّ المناصب ويوظّفون كلّ القوى المنظّمة لصالحهم في حين أنّ النّاس في الحزب المعارض لا يمكنهم تخطّي الحاجز الذي يفصلهم عن السّلطة، لذلك كان لابدّ من أن تتبلور قوّة أخرى خارج السّلطة وخارج النّطاق السّياسي فتتاح للأقليّة إمكانيّة معارضة القوّة المادّيّة بالقوّة الفكريّة المتكافلة التي تتجسّد في شكل جمعيّات[37]. ” فلا يوجد بلد تكون فيه الجمعيّات ملزمة لتحول دون استبداد الأحزاب أو اعتباطيّة الأمير أكثر من أن يكون المجتمع في حالة ديمقراطيّة… وفي البلدان التي لا توجد فيها مثل هذه الجمعيّات يمكن لشعب كبير أن يقمع بقبضة إنسان واحد”[38]. لذلك نجد في فكر تـوكفـــيل شيئا من عدم التّوازن في تناوله للدّيمقراطيّة في أمريكا حيث برز انشطار حادّ بين الجزء الأوّل من العمل وجزئه الثّاني. ففي حين تناول الأوّل المؤسّسات في أمريكا فإنّ الثّاني ركّز على الكآبة التي استخلصها الكاتب من المجتمعات الدّيمقراطيّة الحديثة. فالدّيمقراطيّة ألغت الهياكل الوسيطة، كما يقول توكـــفيــل، وقد فسحت المجال للفرد ليكون ملكا ولكن حيث يكون بشكل متناقض عرضة إلى الطّمس لأنّ تشتيت المواطنين يجعلهم عاجزين والنّتيجة أنّ سلطة المجتمع على الفرد تـتّجه إلى أن تكون ضاغطة عليه. فالأمر الذي يجب خشيته في المجتمعات الدّيمقراطيّة هو امتثاليّة المواطنين وسلبيّتهم التي يمكن أن تعطي للدّولة مجالا أوسع ومن خلال ذلك نموّا زائدا وخطيرا للسّلطة، وتحت تأثير هذه السّلبيّة فإنّ الدّولة تحاول أخذ مبادرات لا تتوافق دائما مع أيّ مطلب وأيّة ضرورة فلا تكتفي فقط بكونها الصّناعي والمعلّم والمقاول ولكن أيضا فإنّها تقرّر محتوى التّعليم وتذهب حتّى إلى فرض أفكارها وقيمها دون أن تظهر أدنى معارضة لتعطيلها[39] . إنّ السّلطة الاجتماعيّة لا تتضمّن فقط بعدا سياسيّا بل يمكن أن تأخذ بعدا أخلاقيّا وفكريّا انطلاقا من الضّعف الفكري والأخلاقي للفرد. وتوجد السّلطة الاجتماعيّة لدى كلّ جماعة منظّمة تسعى إلى فرض قوانينها على الجمهور، وهي بالتّالي تنازع الدّولة على نفس الآليات المستخدمة في السّيطرة على الأفراد[40]، حيث يثبت تــوكــفيــل (خلال الجزء الثّاني من “حول الدّيمقراطيّة” الذي خصّصه في مجمله لتحليل مختلف أشكال الاستبداد التي تهدّد المواطن في المجتمعات الحديثة) أنّ الفرد المنعزل يكون أكثر هدفا سياسيّا لنقابة أو جمعيّة مثلما هو هدف سياسيّ للدّولة. “إنّ المنبع الأوّل للاستبداد الفكري الذي يؤثّر أكثر على الأفراد في المجتمعات الحديثة يوجد في ما يسمّيه تــوكــفيــل “الرّأي العام” أي الأفكار الأكثر قبولا لدى النّاس أو الايديولوجيا المهيمنة “[41]، فالرّأي العام يبدو جديرا بالاحترام أكثر من الأفكار الفرديّة المشتّتة لذلك فإنّ تسلّطه يمثّل بعدا من أبعاد الاستبداد الدّيمقراطي  لسلطة المجتمع التي تطمس الفرد[42].

إنّ العديد من الأمثلة والأشكال التّسلّطيّة يمكن أن تكون منطلقا لتثبت صحّة وخصوبة تحاليل توكفيل، كما تمكّن من الفهم الجيّد للمجتمعات التي نعيش ضمنها، لأنّ المسائل التي طرحها لا تزال تشغلنا إلى اليوم، وأمّا مسألة العلاج فهي مسألة ليست سهلة. فحتّى عندما طرح مبدأ الدّفاع عن الحق في تأسيس الجمعيّات لم يخف أنّ الحرّيّة المطلقة للجمعيّات في المستوى السّياسي لا يمكن أن تكون آخر الحرّيات التي يمكن للشّعب أن يستحقّها رغم أنّها، في البلدان الدّيمقراطيّة، توفّر حدّا أدنى من الضّمانات كما هو الشّأن بالنّسبة إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة حيث يتكافل المواطنون في ظلّ الجمعيّات، أوّلا من أجل الحفاظ على حجمهم وإضعاف الإمبراطوريّة الفكريّة للأغلبيّة، وثانيا من أجل التّوصّل إلى تحجيم الأغلبيّة، لأنّ الرّجاء في جلبها إلى حظيرتهم وامتلاك السّلطة باسمها فيما بعد لا يزال قائما[43].

 

  • في مواجهة التّوظيف والتّوظيف المضاد

من الضّروري أن نذكّر بأنّ المرحلة الانتقاليّة هي مرحلة تأسيسيّة لكلّ أركان الدّولة ومكوّناتها بما في ذلك إعادة بناء المجتمع وإعادة تشكّله وإعادة هيكلة المؤسّسة السّياسيّة وهذا من حتميّات المسار الثّوري، حيث يكون المجتمع المدني عنصرا حيويّا وفعّالا في تتمّة الفعل الثّلاثي القائم على الهدم والبناء وإعادة البناء الضّامن للاستمرارية. وفي سياق هذا المسار ينبغي علينا أن نتجاوب آنيّا مع كلّ مراحل الفعل وذلك من خلال البحث عن نماذج تفسيريّة جديدة لفهم المرحلة والتّفاعل مع متطلّباتها[44]. لأنّ المجتمع المدني مطالب بتجديد خصائص الحركة الاجتماعيّة وطبيعتها وتعزيز ركائزها وتدعيم مقوّماتها بشكل يمكّنها من التّجانس مع تجدّد منظومة حقوق الإنسان وتطوّرها ومزيد اتّساعها وشموليّتها لحقوق وحرّيات جديدة. لأنّه بقدر ما تتّسم منظومة حقوق الإنسان بأبعادها الكونيّة باعتبارها منظومة قيميّة متّصلة بالصّفة الإنسانيّة المطلقة، بقدر ما ينبغي على المجتمع المدني أن يتجانس مع البراديغمات الكونيّة الجديدة من منطلق أنّه أيضا ضامن للقيم الكونيّة المطلقة. لذلك فإنّ المهمّة الأساسيّة الموكولة إلى مؤسّسات المجتمع المدني (جمعيّات ونقابات وهيئات مستقلّة…) هو أن يكون ضامنا لمبادئ حقوق الإنسان ومتجانسا معها بقدر تطوّرها واتّساعها وشموليّتها حتّى من داخل المنطق الذي تحتكم إليه الحركات الاجتماعيّة.

تميّز المجتمع المدني بعد 14 جانفي 2011 بحالة من الانفجار الجمعوي، حيث تأسّس ما يناهز 7000  جمعية خلال الثلاث سنوات الأولى بعد “الثّورة”[45]، في حين أنه لم يجاوز عددها خلال أكثر من نصف قرن 9365 جمعيّة. وهذا ما يبرّر الحديث عن الانفجار الجمعوي مثلما هو الحال بالنّسبة إلى الانفجار الحزبي. وهذا التّشابه لا ينحصر فقط في مستوى الكثافة الطّارئة على مستوى العدد المتزايد إلى الحدّ الذي قد لا تحتمله المرحلة الانتقالية بل يتجاوز ذلك إلى مستوى التّماهي في الواقع الميداني حيث تتداخل الأدوار بين الجمعيّات والأحزاب ولعلّ البعض منها يوظّف لفائدة البعض الآخر. وقد برزت الأدوار السّياسيّة البديلة التي تأتيها الجمعيّات بدل لأحزاب خلال فترة الانتخابات وبعدها إذ تقوم عديد الجمعيّات بالمهام التّعبويّة والحشد لفائدة بعض الأحزاب. ولعلّ هذا ما يبرّر أصناف الجمعيّات التي نشأت بعد “الثّورة” فأبرزها وأكثرها تواجدا على المستوى الميداني هي الجمعيات الخيرية والتضامنية والتنموية والفكرية- الثّقافيّة وكذلك التوعوية. ومن البديهي أنّ هذه الأصناف من الجمعيّات تستجيب في أدائها لما تتطلّبه الضّرورة السّياسيّة فتصبح متمّمة لبعض الأحزاب ومرتبطة بها أدبيّا وماديّا.

هذا دون أن نعتبر فرضيّة أنّ العديد من مكوّنات المجتمع المدني توجد بإيعاز سياسي لكي تكون جناح الحزب الحاكم في فضائه وامتداده الذي يراوح بين التّواجد داخل الفضاء العمومي والفضاء الخاص لأنّه يؤدّي مهمّة الدّفاع عن النّظام بشعار الاستقلاليّة وتحت عنوان الحياد السّياسي، وهي من وجهة نظر السّلطة النّموذج المقبول للجمعيّات طالما تسخّر هياكلها وبرامجها وأطروحاتها من أجل تأبيد سيادة النّظام القائم، حتّى وإن وصل الأمر بالتّضحية بمقوّمات النّظام الجمهوري[46] أو الارتداد على المجتمع المدني والاصطفاف وراء السّلطة السّياسيّة ومقاومته باسمها وتحت تأثيرها (في الحالات التي كان فيها أداء المجتمع المدني مزعجا للسّلطة).

انطلاقا من  أصناف الجمعيات نبدأ في فهم مسألة التوظيف و التوظيف المضاد من خلال انفعال المجتمع المدني بالانقسام الاجتماعي الى كليتين متناظرتين وكذلك بالصراع الذي بدأ يشق المجتمع السّياسي منذ أن تمّ تحديد تاريخ انتخابات المجلس الوطني التّأسيسي وانطلقت المنافسة السّياسيّة بين الأحزاب.

انقسام المجتمع إلى كليّتين باعتبار كل واحدة منهما تعبر عن بديل شامل لنمط المجتمع في كلّ بنياته التّكوينيّة ومنوال الحياة في شتّى أبعادها، ممّا أضفى إلى فرض حالة من الاختلاف الجذري بين نمطين من المجتمع.

أمّا على المستوى السياسي فقد تجسدت الحالة الانقسامية في بروز حالة من التناظر التام بين الأحزاب ذات المرجعيّة الدينية (المعروفة بالأحزاب الإسلاميّة) والأحزاب ذات المرجعيّة المدنية (المسمّاة بالأحزاب العلمانية). وشكلت عديد الجمعيات أجنحة لهؤلاء وهؤلاء:

  • الإسلاميّون بقيادة حركة النهضة وأجنحتها التي تراوح بين التنّظيمات المدنيّة (الجمعيّات التّنمويّة والخيريّة والتّوعويّة بالساس) والتّنظيمات العنيفة (روابط حماية الثّورة المسنودة ماديّا والمحميّة سياسيّا من طرف راشد الغنّوسي)، وإطارهم المرجعي هو روح الجماعة (والجماعة ليست المجتمع) وهدفهم هو تطبيق الشّريعة وبناء دولة الخلافة في نطاقها الشّامل لكلّ أرجاء الأمّة الإسلاميّة.
  • العلمانيّون الحداثيّون على مختلف أصولهم الفكريّة التي تمتدّ من أقصى اليمين اللّيبراليّة إلى أقصى اليسار الإشتراكي مرورا باليسار العروبي واليسار الاجتماعي وكلّ التّكوينات الأخرى التي يمكن تتركّز في الوسط اللّيبرالي أو وسط اليسار الدّيمقراطي الاجتماعي، وجميعهم يلتقون على نفس الأرضيّة الحقوقيّة والنّقابيّة التي اختصّت بها منظّمات مثل الاتّحاد العام التّونسي للشّغل والرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الانسان وجمعيّة النّساء الدّيمقراطيّات… إضافة إلى اتّفاقها على أنّ إطارها المرجعي هو المجتمع التونسي في فضائه الكوني وانتمائه الحضاري وقيمه الثّابتة التي تسعى إلى الانسجام مع المنظومة الكونية لحقوق الانسان.

إنّ الجمعيّات، على المستوى النّظري، تربط بنفس الدّرجة بين الحركة السّياسيّة والحركة الاجتماعيّة كما تنتمي إليهما بنفس الدّرجة رغم اختلافهما الجذري على مستوى وظائفهما المؤسّساتيّة وبنمط مقاربتهما للسّلطة، ولكن على المستوى الميداني الذي يخصّ حالة تونس فإنّ القانون أخرج الجمعيّات من دائرة الانتماء المضاعف تلك على أساس الفلسفة التي ينحدر منها ذلك القانون والذي يعتبر أنّ الحركة السّياسيّة تخضع لمتطلّبات التّنظيم السّياسي والعمل على الوصول إلى السّلطة السّياسيّة وامتلاكها. وفي الواقع أنّه حتّى في هذه الحالة فإنّ الجمعيّات لا تضع تلك المسألة ضمن أهدافها إلاّ من خلال ترابط  مصالح أغلب الفئات الاجتماعيّة التي تعبّر بكلّ واقعيّة عن تطلّع المجتمع برمّته. عندها يكون للجمعيّة دور سياسي مباشر أو غير مباشر باعتبارها العنصر الفعّال في المجتمع المدني الذي هو الميدان الحقيقي لبلورة التّغيير السّياسي[47]. أمّا في مستوى وضعها العادي فإنّ الجمعيّات تكتفي بالوساطة من أجل ضمان الوفاق بين المجتمع والدّولة أو لعب الدّور التّعديلي على المستوى الاجتماعي والاقتصادي وكذلك السّياسي. وهذا يعني أنّ الجمعيّات هي في الوقت نفسه عون وساطة وكذلك حركة تغيير اجتماعي، فهي تنخرط في النّسق المؤسّساتي الموجود وفي نفس الآونة تمارس دورها في صلب حركة التّغيير الاجتماعي مع الحفاظ على خصوصيّتها باعتبارها ليست حزبا سياسيّا وليست كذلك نقابة عمّاليّة لذلك فهي لا يمكن أن تتماهى مع كلّية الجسم الاجتماعي  وتنحصر حدود فعلها السّياسي في التّفاعل مع بعض القضايا السّياسيّة[48]. وفي كلّ الوضعيّات فإنّه كما يبدو أنّ منظّمات المجتمع المدني تتنازعها بشكل مستمر نفس التّناقضات المشار إليها وتتّسم بنفس الوضعيّة المزدوجة التي يمكن أن نميّز في إطارها بين ثلاث حالات:

  • الحالة الأولى تكون فيها الجمعيّة عضوا جماعيّا تابعا لحركة معارضة حتّى وإن كانت لاتسعى للوصول إلى السّلطة فإنّها تروّض الإرادة العامّة على مواجهة الانحرافات السّياسيّة التي يمكن أن تنتج عن سوء تصرّف المؤسّسة.
  • الحالة الثّانية توجد في وضعيّة مناقضة تماما وهي التي تكون فيها الجمعيّة موالية للسّلطة أو تابعة للحزب الحاكم أو توجد في أحد الأطر المتعاونة معه بشكل مباشر، وهذا وجه مثير من أوجه الواقع الذي يحيط بالجمعيّات لأنّه يكرّس معادلة التّواجد في صلب المجتمع المدني باسم المجتمع السّياسي وفي إطار من المقاولة أو المناولة السّياسيّة لفائدة السّلطة.
  • الحالة الثّالثة تتعلّق بالوضعيّة الوسطيّة حيث تكون الجمعيّات مقبولة في نفس الوقت من طرف السّلطة وتجد فيها آليّة لتبرير وجودها واستخدامها في نطاق الاستجابة لتطلّعات الرّأي العام حول المسألة الدّيمقراطيّة وتوظيفها في نطاق الجرعة الدّوريّة التي تعبّر من خلالها السّلطة عن الاستجابة لتلك المطالب، وفي نفس الوقت أيضا تكون موضوع رهان سياسي واجتماعي وحقل صراع إيديولوجي تراهن عليه الأطراف المعارضة لفرض مبدأ الاعتراف وبذلك تكون الجمعيّات بمثابة المطيّة التي يتمّ توظيفها لأهداف أبعد وأعمق وحينئذ تكون بمثابة الغطاء القانوني للعمل السّياسي. وفي هذه الحالة الثّالثة فإنّ كلاّ من الدّولة والمجتمع يتناولان الجمعيّات بنفس الأسلوب ولكن وفق منطلقات مختلفة وغايات متباينة.

أشرنا سابقا إلى أنّ الواقع الذي يحفّ بالمجتمع المدني تسيطر عليه الانقسامية الكلّيانيّة التي تضع المجتمع أمام خيارين متعارضين كلّيا ولا يمكن بأيّة حال من الأحوال التّوفيق بينهما باعتبار أنّهما يلخّصان حالة التّناظر بين من يشتغل على مقوّمات المجتمع وما يعنيه من استيعاب لخصائص الطّور الحضاري الذي ربط كيان الدّولة بكيان المجتمع، وبين من يشتغل على أساس روح الجماعة التي تعبّر عن طور تاريخي سابق للوحدة المجتمعيّة واكتمال الجسم الاجتماعي ومن ثمّة يستعصي عليها أن تستوعب هذا الطّور الحضاري بما يخصّه للمجتمع والدّولة معا من خصائص تكوينيّة تجعلهما في بمثابة الكيان الموحد الذي لا يقبل الفصل بين مكوّناته إلاّ إذا كان الغرض هو تفكيك كيان الدّولة وتقسيم المجتمع. فالمجتمع المدني في حالة مواجهة لعقليّ الجماعة التي لا تعترف له باستقلاليّته عن السّلطة السّياسيّة ولا تمثّل بالنّسبة غليه الإطار الاجتماعي المندمج الذي يضمن له تماسكه البنيوي واستمراريّته الوظيفيّة. وعليه فإنّه على المجتمع المدني حتّى يكون مجتمعا مدنيّا هو محمول على الخروج من اطار الجماعة الى اطار المجتمع. وهذا الأمر يفرض على نشطائه ومكوّناته الالتزام بثلاثة شروط:

  • امتلاك الوعي النّوعي الذي يمكّن مكوّنات المجتمع المدني ونشطائه من إدراك متطلّبات المرحلة الانتقاليّة بالقدر الذي يجعل منها مرحلة انقال نحو الدّيمقراطيّة وليست مرحلة انتقال ديمقراطي نحو الاستبداد السّياسي والإقصاء الاجتماعي والتّهميش الجهوي وإعادة انتاج الدّكتاتوريّة عن طريق العمليّة الانتخابيّة
  • أن يتنزّل دور المجتمع المدني في إطار سياق شامل يشتغل على مستوى المضامين العامّة لمتطلّبات الانتقال نحو الدّيمقراطيّة وتضمين مبادئها ومضامين المنظومة الكونيّة لحقوق الانسان صلب أهدافه، بالإضافة إلى التزامه بشموليّة المبادئ التي تجعل من الدّيمقراطيّة نظاما اجتماعيّا وليست مجرّد أداة سياسيّة
  • أن يندمج المجتمع المدني بكلّ عناصره التّكوينيّة في إطار بنيته الكليّة التي تمثّل إطاره المرجعي التي يهدف إلى إعادة إنتاجها بشكل مندمج على المستوى الاجتماعي والثّقافي ومقاومة العوامل التي تضرب وحدتها وتقسّمها على مستوى الابستيميّة الثّقافيّة التي تمثّل الرّكيزة الأساسيّة لوحدة الجسم الاجتماعي

يبدو أنّ الرّهان الذي تتّسم به المرحلة الانتقاليّة بالنّسبة إلى مكوّنات المجتمع المدني لا ينحصر فقط في الدّفاع عن الاستقلاليّة بل أيضا الدّفاع عن الدّيمقراطيّة والسّعي إلى تطويرها بما يستجيب وروح المجتمع في سياقه التّاريخي وفي إطاره الكوني وفي تجانس تام مع المنجز الإنساني في مجال الحقوق والحرّيات. وهو أمر لا يحتاج إلى تبرير بل يدخل في إطار الحتميّة التي تضع مصير المجتمع المدني مرتبط بالدّيمقراطيّة لأنّ الأخيرة تمثّل المساحة التي تضمن فاعليّة الأوّل والمجال الذي يبرز دوره في المجتمع إضافة إلى أنّ استقلاليّة المجتمع المدني في حدّ ذاته مشروط بضمان منظومة حقوق الانسان. فهذا التّرابط الجدلي والتّساند والوظيفي كفيل بأن يفرض على كلّ مؤسّسات المجتمع المدني أن تضع ضمن أولويّاتها الدّفاع عن الدّيمقراطيّة وحقوق الانسان بصفتها منظومة متكاملة يستبطنها المجتمع ويؤصّلها في كلّ بنياته وأطره وكذلك بصفتها مبادئ قانونيّة ضامنة لتفعيل المنظومة على مستوى الواقع الحسّي والرّمزي. وهذا ما يفرض على منظّمات المجتمع المدني أن تعتمد استراتيجيّة دفاعيّة من شأنها أن تحافظ على المكتسب ولا تترك أي مجال للمساس به، واستراتيجيّة هجوميّة من شأنها أن تدفع إلى تطوير المنظومة وتعزّز أركانها وعناصرها التّكوينيّة.   وقد مثّل الاتّحاد العام التّونسي للشّغل النّواة الصّلبة التي تلتقي حولها بقيّة مكوّنات المجتمع المدني لهذا الغرض باعتباره منظّمة ذات قدرة تعبويّة مهمّة إذ يضمّ بين منظوريه كلّ الشّرائح والفئات الاجتماعيّة المكوّنة للمجتمع التّونسي إضافة إلى رصيده النّضالي ودوره التّاريخي في بناء أركان الدّولة والقيام بوظيفة تعديليّة مهمّة في عديد المحطّات التي شهدت حالة من الجيشان الاجتماعي والسّياسي.

غير أنّ قراءتنا لعلاقة الأحزاب السّياسيّة للمجتمع المدني انطلاقا من واقع التّجربة التي يعيشها الاتّحاد العام التّونسي للشّغل كأحد أهمّ مكوّناته تجعلنا نقف على ثلاثة مواقف تعبّر عن ثلاث مكوّنات أساسيّة للمشهد السّياسي:

  • موقف يرفض فاعليّة المجتمع المدني ولا يعترف بتواجده خارج نطاق مساندته للمجتمع السّياسي أو الآمتثال المطلق له تعلّلا بالشّرعيّة ومقاربتهم لكيفيّة استعمالها في مواجهة النّزعة الاستقلاليّة للمجتمع المدني.  ويعود هذا الموقف إلى سبعينات القرن المنصرم، حيث لم يكن أصحابه في مواجهة الاتّحاد العام التّونسي للشّغل حين صراعه مع نظام بورقيبة وحين أعلن الإضراب العام للمرّة الأولى منذ الاستقلال وهو الموقف الذي انفرد به الإسلاميّون دون غيرهم في علاقتهم باتّحاد الشّغل. غير أنّ تعاملهم اليوم مع مكوّنات المجتمع المدني بل ومراهنتهم على مئات الجمعيّات لا يعدو أن يكون إلاّ برنامجا ظرفيّا يتنزّل في استراتيجيّة التّعبئة والاستقطاب وكذلك يعبّر عن تكتيكا سياسيّا يتعملونه للتّغّل في أوصال المجتمع العميق بتوظيف الجمعيّات. إضافة إلى استعمالهم لتلك الجمعيّات للمساندة والدّعم للسّلطة السّياسيّة وصناعة الشّرعية التي تصوغها الجمعيّات حين تحوّل توجّهات السّلطة إلى مطلب اجتماعي.
  • طرف يتعامل مع المجتمع المدني تعاملا زبائنيا وفق شروط التوظيف المتبادل وهذا ما تعبّر عنه بعض الأحزاب اليمينيّة اللّيبراليّة أو حتّى الوسطيّة اللّيبراليّة التي مارست الحكم سابقا أو شاركت في ممارسته سواء بصفتها أحزابا أو من خلال قياداتها. وعادة ما تتعارض أطروحاتهم السّياسيّة مع الأرضيّة الفكريّة للمجتمع المدني خاصّة فيما يتعلّق بالمسألة الاجتماعيّة التي يعتبر الاتّحاد العام التّونسي للشّغل أبرز المشتغلين عليها. لذلك فإنّ تقاربهم معه خلال هذه المرحلة الانتقاليّة فرضته حتميّة توسيع التّحالفات والضّرورة السّياسيّة للاستفادة من أدواره خاصّة وأنّ المساحة السّياسيّة التي أصبحت متاحة إليه اليوم أصبحت أكثر اتّساعا من المساحات التي تتحرّك داخلها الأحزاب السّياسيّة.
  • طرف تكون تاريخيا في الاتحاد والرابطة والمنظمات الوطنية التي قاومت النّظام السّابق وحافظت على استمراريّتها في فترة الاستبداد. غير أنّ هذه الأطراف تبقى منفعلة بالتّراث الذي جمعها بهذه المنظّمات ومن خلالها منفعلة بمدى قدرة هذه المنظّمات على الفعل دون أن تتحوّل إلى طرف فاعل بالقدر الكافي بعيدا عن منظّمات المجتمع المدني وبما يمكّن هذه المنظّمات من ضمان الاستقلاليّة الكافية من ناحية ومن ضمان استقلاليّة هذه الأحزاب عنها من ناحية أخرى. غير أنّ الحدود الفاصلة بين هذه المنظّمات وتلك الأحزاب لا زال بعد في حاجة إلى ترسيم على المستوى الهيكلي كما على المستوى الوظيفي.

الجانب الحاد الخلفي للتوظيف هو محاولة التدجين التي تعرّض لها الاتحاد العام التونسي للشغل منذ مؤتمر العام الأخير(مؤتمر طبرقة، ديسمبر 2012)، حيث أدرك الحكّام الجدد القادمين بسياسيّة اقتصاديّة ليبراليّة متوحّشة أساسها اقتصاد السّوق ولا مكان للمسألة الاجتماعيّة في صلبها وما الدّولة بالنّسبة إليها سوى مشرّعا ولا تعتبر أنّ القطاع العام ما زال صالحا لإدارة اقتصاد البلاد لأنّه لا يصلح في تصوّرهم إلاّ ما تأتيه المبادرة الفرديّة والقطاع الخاص… أدرك هؤلاء أنّ الاتّحاد يمثّل عقبة كأداء أمام هذه التّوجّهات وأدركوا أنّه من العسير تطبيق سياستهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة ما لم يزيلوا هذا الحاجز لأنّه آخر عائق أمامهم، ولمّا فشلت محاولة التّدجين أو التّوظيف التجأ ت السّلطة السّياسيّة، بمكوّناتها الثّلاث وحلفائها خارج السّلطة ولكن داخل المجلس التّأسيسي وكذلك أجنحتها من أحزاب ذات مرجعيّة دينيّة وجمعيّات ومنظّمات نقابيّة (من المؤكّد ميدانيّا أنّها تأسّست لغرض محاصرة الاتّحاد وإضعافه وإن لزم الأمر حلّه)، إلى ضربه بالمعنى الشّائع والوظيفي للكلمة، وذلك بتجنيد التّنظيمات الموازية والملّيشيات المعروفة بروابط حماية الثّورة وصفحات التّواصل لاجتماعي لتشويه قياداته ومحاصرته وضرب مبادراته وتقليص مجال تحرّكه…

واقع الحال ينبئ أنّ كلّ هذه المحاولات فشلت بفعل جملة من العوامل التي لم يكن من اليسير تخطّيها، نجد من بينها تاريخية المنظمة وما اكتسبته من شرعية وقوة صمود تجاه السلطة السياسية، و الانتشار الجغرافي لهياكلها ومنظوريها بما يمكّنها من الدّفاع عن دورها في كلّ أرجاء البلاد، والشمولية القطاعية التي تجعل منها منظّمة نقابيّة جامعة لجلّ القطاعات المهنيّة التي تكوّن النّسيج المهني في البلاد. يضاف إلى كلّ ذلك العلوية القانونية للمنظّمة مقارنة مع قانون الجمعيات، إذ أنّها تأسّست بالاستناد إلى أمر علي سابق على قانون الجمعيّات ومن منظور فلسفة القانون هو أيضا أكثر علويّة منه، لذلك لا يمكن اعتبار هذه المنظّمة مجرّد جمعيّة، ولذلك أيضا ليس من اليسير استهدافها.

الـــخــاتــمــة

لا نعتبر المجال يسمح بتقييم نتائج المنجز القانوني للمرحلة الانتقالية فيما يتعلّق بتنظيم مؤسّسات المجتمع المدني، لأنّ المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المؤرّخ في 24 سبتمبر 2011 الذي يتعلّق بتنظيم الجمعيّات[49]، لم يعط بعد نتائج حسّية ولم يترجم على المستوى الميداني بما فيه الكفاية ولم تظهر نتائجه على نطاق التّفاعلات بين الأطراف ذات الصّلة المباشرة بإعادة بلورة النّسيج الجمعيّاتي كأساس للمجتمع المدني بالقدر الذي يمكّن من تحديد المؤشّرات المتعلّقة بتطبيقه. خاصّة وأنّنا لا يمكن أن نفهم ذلك بمعزل عمّا يتّصل به من نمط الدّولة وشكل النّظام السياسي، وهي مسائل لا تزال بعد عصيّة على التّحديد إلاّ بمنطق التّخمين والتّوقّع غير المعتمد علميّا، وهذا ما يمكن أن يضعنا أمام المجازفة بالإسقاط والتّخمين غير مضمون النّتائج. لذلك نجد أنّه من باب الحرص على الموضوعيّة أن نفهم العلاقة بين المجتمع المدني والمجتمع السّياسي على أساس مساهمة الفترة الانتقاليّة في تعزيز رصيد المجتمع المدني من المكوّنات الأكثر تلاؤما مع طبيعة المرحلة.

في إطار ديناميكيّة المجتمع المدني وقدرته على استيعاب القدر الأوفر من التّنظيمات والأنشطة المتجدّدة ندرك أنّ كلّ أزمة اجتماعيّة في بلد ما تساهم في تدعيم المنظومة بمكوّنات وشروط جديدة لتتّسع أكثر وتصبح أشمل لأنّه عادة ما تكون مهمّة الأزمات هي الكشف عمّا كان يرتكب من تجاوزات قبل ذلك[50].

فالثّورات والأزمات تنبّه، و”الثّورة- الأزمة” في تونس نبّهت إلى الحقّ في التّنمية والحق في الشّغل والحق في المشاركة السّياسيّة الفعليّة والحق في إعلام حرّ والحقّ في نظام ديمقراطي والحقّ في تعليم مواكب للعصر والحقّ في التّغطية الاجتماعيّة والحقّ في الحياة الكريمة. وهي جميعها حقوق مرتبطة بالمطلبيّة السّياسيّة ولكنّها لا يمكن أن تتحوّل إلى هذا المستوى إلاّ إذا تبلورت في فضاء المجتمع المدني الذي يواجه مخاطر هيمنة الأحزاب والتّوظيف السّياسي وتضعه أمام مسارين متغايرين:

  • مسار متفائل باعتبار أنّ مكوّناته متأصّلة في المكاسب رغم عدم تطبيقها حسبما تقتضيه المعايير الدّوليّة، وقد ارتبط تأصّلها تاريخيّا بدور المجتمع المدني النّشيط رغم ضعفه ولكنّه ظلّ مقاوما باعتباره إحدى تعبيرات القوى الحداثيّة والدّيمقراطيّة ومن هنا فإنّ المفهوم والمحتوى يتّسعان باستمرار ويصبحان أكثر شموليّة ويمنحان المجتمع المدني قوّة المقاومة.
  • مسار متشائم باعتبار قوى التّراجع على المكاسب. فالواقع الميداني الذي يشهد تهديدا مباشرا لاستقلاليّة المجتمع المدني قد يمتدّ في الزّمان والمكان ويحوّل مسألة التّراجع على المكاسب مطلبا اجتماعيّا. وهنا نجد المجتمع المدني مهدّدا من بعض مكوّناته أصلا وذلك من خلال ظهور العديد من الجمعيّات[51] التي تريد أن تحوّله من قوّة مقاومة وسلطة اجتماعيّة مضادّة إلى قوّة دعم ومساندة للمجتمع السّياسي. يضاف إلى ذلك ما يمكن توظيفه من دوافع سياسيّة وسياديّة بالأساس مثل اعتماد مبدأ هيبة الدّولة ومناعتها لضرب منظومة حقوق الإنسان واستقلاليّة المجتمع المدني[52].

بيبليوغرافيا

André Corten; «  La société civile en question : pentecôtisme et démocratie », in Revue Tiers Monde, N°181, janvier – mars, 2005.

Boudon, Raymond; «  Le pouvoir social : variation sur un thème de Tocqueville », in Revue des sciences morales et politiques, N° 4 – 147ème année, 1992.

Boudon, Raymond; L’inégalité des chances, Hachette coll. « pluriel », Paris 1987.

Camau, Michel; «  Changement politique et problématique du changement », in Annuaire de l’Afrique du Nord, 1989.

Colas, Dominique; Dictionnaire de la pensée politique, Larousse – Bordas, Paris 1997.

Durkheim, Emile; Leçons de sociologie, PUF, Paris ,1950 .

Durkheim, Emile; Textes, Editions de Minuit, Paris 1975, vol 3.

Gautier, Claude; « Corporation, Société et démocratie chez Durkheim », in Revue française de science politique, vol 44, N° 5, octobre 1994.

Habermas, Jurgen; Droit et démocratie entre faits et normes, Gallimard – Coll. NRF- Essais, Paris 1997.

Hannah Arendt; La condition de l’homme moderne, Calmann – levy , 1983.

Hegel, G.W.F. Principes de la philosophie du droit, Texte présenté, traduit et annoté par Robert Derathé;  librairie J. Vrin , Paris 1993.

Keslassy, Eric; « Alexis de Tocqueville : De la démocratie en Amérique », in Sciences humaines N°168, fevrier 2006.

Lapeyronnie, Didier; « Mouvements sociaux et action politique, existe – t –il une théorie de la mobilisation des ressources ? », in Revue française de sociologie XXIX, 1988.

Lefebvre, Jean – Pierre ; et Macherey, Pierre ; Hegel et la société, PUF, Paris, 1984.

Lenoir, R ; « Politique familiale et construction sociale de la famille », in Revue française de science politique, vol46, N°6 décembre 1991.

Percheron, A ; «  La socialisation politique, défense et illusion », in Grawitz, M. et Leca, J. (dir) ; Traité de science politique, PUF, Paris 1985, tome 3.

Rivero, Jean; «Vers de nouveaux droits de l’homme» ; in Revue des sciences morales et politiques, 1982, N°4.

Tocqueville, Alexis ; De la démocratie en Amérique, Gallimard, Coll. Falio Histoire , Paris 1986 (réédition),vol. I.

Touraine, Alain; Un nouveau paradigme pour comprendre le monde d’aujourd’hui, Arthème Fayard, Paris 2005.

Touraine, Alain; «  Contribution à la sociologie du mouvement ouvrier : le syndicalisme de contrôle », in Cahiers internationaux de sociologie, vol XXVIII, 1960.

Weil, Eric ; Hegel et l’Etat : Cinq conférences, Librairie philosophique, J. Vrin ; Paris 1966.

Zghal, Abdelkader; « Le concept de société civile et la transition vers le multipartisme », in, Changements politiques au Maghreb, Ed. CNRS, Paris 1989.

 

[1]– مقال منشور ضمن عمل جماعي يحمل عنوان: المغرب العربي، ديناميّة المجتمع المدني وصعود المكوّن الإسلامي، منشورات مركز الدّراسات والأبحاث الإنسانيّة- مدى- الدّار البيضاء 2016، ص ص. 35- 61.

 

[2]– Abdelkader Zghal; « Le concept de société civile et la transition vers le multipartisme » , in , Changements politiques au Maghreb , Ed. CNRS , Paris 1989 , p . 217 .

[3] – Michel Camau; «  Changement politique et problématique du changement » in Annuaire de l’Afrique du Nord, 1989, p . 11.

[4] – André Corten ; «  La société civile en question : pentecôtisme et démocratie » , in Revue Tiers Monde , N°181, janvier – mars , 2005 ,p . 168.

[5] – hannah Arendt; La condition de l’homme moderne, Calmann – levy , 1983 , p. 89 .

[6]   –  مركز الإعلام والتّكوين والدّراسات والتّوثيق حول الجمعيّات ، توزيع الجمعيّات حسب الصّنف ، 01 مارس  2010.

[7] – تتوزّع هذه الجمعيّات حسب الخصائص التّالية : جمعيّات رياضيّة (1181 ) والجمعيّات الثقافيّة والفنّيّة ( تمثّل الصّنف الأكثر عددا بما يعادل  5930 جمعيّة )، والجمعيّات العلميّة ( 456 جمعيّة ) وجمعيّات الوداديّة ( 562 جمعيّة ) وجمعيّات تنمويّة ( 582 جمعيّة) والجمعيّات الخيريّة والاجتماعيّة والإسعافيّة (427 جمعيّة) والجمعيّات ذات الصّبغة العامّة (  122 جمعيّة ) والجمعيّات النّسائيّة ( 25 جمعيّة )

[8] – Alexis De Tocqueville ; De la démocratie en Amérique, Gallimard, Coll. Falio Histoire , Paris 1986 (réédition),vol. I, p.291-292 .

[9] – Jurgen Habermas; Droit et démocratie entre faits et normes, Gallimard – Coll. NRF- Essais, Paris 1997, p. 394-395.

 

[10] – Lenoir , R ; « Politique familiale et construction sociale de la famille » , in Revue française de science politique , vol46, N°6 décembre 1991 , p. 782.

[11] – Percheron ,A ; «  La socialisation politique , défense et illusion »  , in Grawitz, M. et Leca, J. (dir) ; Traité de science politique , PUF, Paris 1985 , tome 3, p. 219.

[12] – Colas, Dominique ; Dictionnaire de la pensée politique, Larousse – Bordas, Paris 1997, p. 240.

[13] – Hegel, G.W.F. Principes de la philosophie du droit, Texte présenté, traduit et annoté par Robert Derathé , librairie J. Vrin , Paris 1993 , p. 215 – 217 .

[14] – Hegel, G.W.F. Principes de la philosophie de droit, p. 219.

[15] – Ibid; p. 229 .

[16] – Ibid; p. 254 .

[17] – Hegel, G. W. F. Principes de la philosophie de droit p.256.

 

[18] -Lefebvre, Jean – Pierre ; et Macherey, Pierre ; Hegel et la société, PUF, Paris, 1984 , p. 25 .

[19]– Lefebvre, J. P. et  Macherey, P. Op. cit. p. 26 .

[20] – Hegel , G .W .F . Ibid. P. 255.

[21] – Hegel, G .W .F . Ibid. p. 256 .

[22] – Weil, Eric ; Hegel et l’Etat : Cinq conférences, Librairie philosophique, J. Vrin ; Paris 1966, p. 49.

[23] – Weil, Eric; Op. cit; p. 53 .

 

[24] – Notamment les textes suivants : Les leçons de sociologie (1890 – 1900), La préface de 1901(qui reprend en partie le contenu de la leçon 2) , en fin le texte extrait de son « Cours de morale » ( morale professionnelle et corporation 1909) .

[25] – Gautier, Claude ; « Corporation, Société et démocratie chez Durkheim », in Revue française de science politique, vol 44, N° 5, octobre 1994, p. 836.

[26] – Gautier, Claude ; op. Cit ; p. 838.

[27] – Durkheim, Emile ; Leçons de sociologie, PUF, Paris ,1950 .

[28] – Durkheim, Emile ; Leçons de sociologie, op. cit ; p. 217.

[29] – Gautier, Claude ; « Corporation, société et démocratie chez durkheim », op. Cit ; p. 839.

[30] – Ibid ; p. 843.

[31] – Durkheim, Emile ; Leçons de sociologie, op. Cit. p. 58.

[32] – Durkheim, Emile ; Textes, Editions de Minuit, Paris 1975, vol 3, p. 170.

 

[33] – Keslassy, Eric ; « Alexis de Tocqueville : De la démocratie en Amérique », in Sciences humaines N°168, fevrier 2006, p. 54 – 55.

[34] – Keslassy, Eric ; « Alexis de Tocqueville»,  Op. Cit. p. 55.

[35] – Tocqueville, Alexis de ; De la démocratie en Amérique, Gallimard, coll. Falio histoire, Paris 1986 (réédition), vol1 p. 287.

[36] – Tocqueville, Alexis de ; De la démocratie en Amérique, vol1, p. 288 – 289.

[37] – Lamberti, J. C. Les deux démocraties, op. Cit, p. 67.

[38] – Tocqueville, Alexis de ; De la démocratie en Amérique, p. 291.

[39] – Boudon, Raymond ; «  Le pouvoir social : variation sur un thème de Tocqueville » in Revue des sciences morales et politiques, N° 4 – 147ème année , 1992 , p. 534 .

[40] – Boudon, Raymond ; L’inégalité des chances, Hachette coll. « pluriel », Paris 1987, p. 149.

[41] – Boudon, Raymond, L’inégalité des chances, Op. Cit, p. 157

[42] – Boudon, Raymond ; « Le pouvoir social… », Op. Cit. p. 548.

[43] – Tocqueville, Alexis de ; De la démocratie en Amérique, op. Cit. p.294.

[44] – Alain Touraine ; Un nouveau paradigme pour comprendre le monde d’aujourd’hui, Arthème Fayard, Paris 2005, p. 265.

[45] – حسب مركز الاعلام والتّكوين والدّراسات والتّوثيق حول الجمعيّات، بلغ العدد الجملي للجمعيّات في تونس 16178 جمعيّة إلى حدود موفّى سنة 2013

[46] – نشير إلى الدّور السّلبي الذي لعبته التّكوينات السّياسيّة والاجتماعيّة والمهنيّة والعمّاليّة التي كانت تشتغل في إطار قانون الجمعيّات عندما أسندت الرّئاسة مدى الحياة إلى الحبيب بورقيبة حيث ساهمت كلّ المنظّمات المعترف بها في تأييد القرار الذي شكّل موضوع التّعديل الدّستوري 19 مارس 1975 . كما مثّلت الجمعيّات سندا مهمّا في مرحلة الإعداد للإستفتاء (26 أفريل 2002 ) على تنقيح الدّستور (1جوان 2002) إضافة إلى الدّور التّعبوي الذي أدّته حول دعم زين العابدين بن علي في التّرشّح للرّئاسة سنة 2004 ومناشدته إيّاه لنفس الغرض سنة 2009 .

[47] – Didier Lapeyronnie; « Mouvements sociaux et action politique , existe – t –il une théorie de la mobilisation des ressources ? » , in Revue française de sociologie XXIX , 1988 , p. 595.

[48] – Alain Touraine; «  contribution à la sociologie du mouvement ouvrier : le syndicalisme de contrôle », in Cahiers internationaux de sociologie, vol XXVIII, 1960, p. 62.

[49] – هذا المرسوم يلغي القانون عدد 154 المؤرّخ في 7 نوفمبر 1959 المتعلّق بالجمعيّات وكذلك القانون الأساسي عدد 80 المؤرّخ في 26 جويلية 1993 المتعلّق بانتصاب المنظّمات غير الحكوميّة

[50]–  Jean Rivero ; «Vers de nouveaux droits de l’homme» ; in Revue des sciences morales et politiques, 1982, N°4, p. 674.

[51] – إذا ما اعتبرنا عيّنة تونس العاصمة فقط فأنّه من جملة 425 جمعيّة تأسّست بعد 14 جانفي 2011 وإلى حدود 23 أكتوبر 2011 نجد 48 جمعيّة هي بمثابة أجنحة تابعة لحزب حركة النّهضة. ولم نتمكّن من حصر العدد الجملي للجمعيّات التي تدعمه من ضمن العدد الجملي للجمعيّات على المستوى الوطني الذي بلغ عددها 1915 جمعيّة إلى حدود تاريخ انتخابات المجلس التّأسيسي.

[52] – Jean Rivero ; Op. cit.  p. 675.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: