المؤثر الاستعماري في الكتابة الأدبية إيقاعات متعاكسة تفكيكية د. رزان محمود إبراهيم

img

 

المؤثر الاستعماري في الكتابة الأدبية

إيقاعات متعاكسة تفكيكية

 

د. رزان محمود إبراهيم

قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة البترا الخاصة

 

ملخص البحث :

تسعى هذه الدراسة إلى مناقشة مجموعة من المسائل الجوهرية التي شغلت كتاب ما بعد الاستعمار، في محاولاتهم تفكيك الخطاب الاستعماري وهي المسائل التي تناولتها الدراسة ضمن المحاور الآتية:

  • الهوية الحضارية.
  • النظرية النسوية ونظرية ما بعد الاستعمار.
  • الرواية والاستعمار.
  • اللغة والاستعمار.

والدّراسةُ في مجملها تؤكد حاجة – خلقتها الحالة الاستعمارية – إلى أن يسير ما هو تفكيكي وما هو سياسي، جنبا إلى جنب، بهدف مواجهة سياسة استعمارية، عمدت إلى حجب الحضور عن أولئك الذين يعيشون في الأطراف القصية من العالم، والذين ينظر إليهم على أنهم غائبون في الظل.

المقدمة:

تندرج هذه الدراسة بمحاورها المتعددة في إطار ما أصبح يعرف باسم خطاب ما بعد الاستعمار، وهو خطاب نقدي ينحو إلى تفكيك الخطاب الاستعماري، وإلى إعادة النظر في تاريخ آداب المستعمرات التي واجهت الاستعمار الأوروبي. فإذا كان من شأن الخطاب الاستعماري جعل المناطق المستعمَرة خلفية لمسرح تجري عليه أفظع أنواع الممارسات اللا أخلاقية من سلب وقتل واقتلاع، فإن خطاب ما بعد الاستعمار بجهوده الكبيرة التي يبذلها أنتج نوعاً من الكتابة هدفه الأول هو إعادة كتابة تاريخ الحضارة الاستعمارية من وجهة نظر من استُعمِروا.

وتضع هذه الدراسة كتابة ما بعد الاستعمار في إطار ما أصبح تسمية لنظرية في الدراسات الثقافية والنقد الأدبي، وهي في مجملها لا تنظر إلى الخطاب بوصفه مهمة تاريخية، ولكن بوصفه مهمة سياسية؛ وهكذا نكون أمام منهج لا تتوقف فيه القيمة الأدبية على جماليات النص فقط، وإنما تصبح مرتبطة بعوامل كثيرة من أهمها العامل السياسي، بما يكشف عن منهج شمولي يستخدم نقاده المفاهيم التي قدمتها المدارس الفلسفية والاجتماعية والنفسية والسياسية. ومن ثمّ فإن هذه الدراسة تنحو باتجاه منهج يستفيد من إمكانيات متعددة، يطبقها على نصوص بعينها، بهدف كشف أساليب الهيمنة المختزنة فيها.

كان هم الدراسة بأجزائها المتعددة مناقشة مجموعة من المسائل الخلافية التي شغلت آداب ما بعد الاستعمار، وهي المسائل التي تتناولها الدراسة بالبحث والمناقشة عبر مقولات متعاكسة تفكيكية. إنّ القول بالحاجة إلى أدب خاص معني بالهوية الحضارية -على سبيل المثال- قد يصطدم برؤية أخرى تنطلق من موقع الوصاية والتفوق الرافض للتسليم بحق هذا الأدب في أن تكون له قواعده ومعاييره القائمة على الثقافة والاستقلالية، بينما ينطلق بعضها الآخر من رؤية خاصة يعبر أصحابها عن رفضهم لمقولة الهوية باعتبارها أساسا للوجود، ويدعون في المقابل لتطوير مفاهيم بديلة كمفهوم التعددية أو الهجنة.

تظهر الدراسة، في المحور الخاص بالنظرية النسوية ونقد ما بعد الاستعمار، على نحو تفصيلي توازياً واضحاً بين تاريخ النظرية النسوية ومشاغلها من ناحية، ونظرية ما بعد الاستعمار من ناحية أخرى، فكل منهما تسائل الفرضيات التي نهضت عليها تصورات القمع، بما يترتب على هذه المساءلة من وجوب فضح طرق المهيمن في فرض الصمت والقمع على المهيمَن عليه. والمطلوب هنا- حسب هذه الدراسة- هو التعامل بحذر مع منظومات القيم المتوالية التي طورها الرجل الغربي المتفوِّق، والتي منحته مجموعة من الامتيازات وحرمت الآخرين حقوقاً إنسانية أساسية، الأمر الذي يدعو إلى ترسُّم خطى التفكيك باعتباره نشاطا يهدف إلى إنصاف قطاعات إنسانية معينة استخفت النظرية القديمة بحقوقها. ومن هنا تأتي الدعوة إلى إعادة قراءة الأعمال الأدبية الأمهات بطريقة مختلفة تمكننا من استعادة صوت المهمش أو صوت التابع (امرأة- مستعمَر) بمعزل عن القوى المعيقة (رجل- مستعمِر).

وإذا كانت الدراسة في محورها الخاص بالرواية والاستعمار لا تقول إن الرواية أو الثقافة هي سبب مجيء الاستعمار، فإنّها تسعى إلى الربط بين الرواية ومجمل التطلعات الاستعمارية، فهناك تزامن حكم كلا منهما، بل إنهما تبادلتا المنافع، وخدمت كل منهما الأخرى في ظل ثقافة استعمارية مجحفة، ممّا اقتضى ظهور قراءة طباقية، هدفها فضح سياسة الغرب الاستعمارية، في إطار ثقافة خاصة تتحدى وتفند أقوالاً كثيرة صدَّرتها الثقافة الاستعمارية.

ويأتي محور اللغة والاستعمار، أو الكتابة بلغة الآخر، ليكون محوراً تكميلياً للمحاور السابقة. وهو محور معني باللغة باعتبارها وعاءً حاملاً للتجربة الثقافية، وفيه إيضاح للطرق المتعددة التي يمكن بها توظيف اللغة لدى جماعات مختلفة في عالم ما بعد الاستعمار، فإما الكتابة بلغة المركز الإمبريالي، أو الكتابة بلغة الهوامش التي اعتمدها كل من استخدم اللغة بطريقة مختلفة تمكنها من حمل التجربة الخاصة بأهلها.

والدراسة بمحاورها السابقة تنبثق من مسلك نقدي تسيطر عليه قراءة ذهنية، تثير تساؤلاً حول مصادر القوة التي تسيطر على الخطاب الأدبي في فلسفة التفكيك. وقد عبر عبد العزيز حمودة عن ذلك بقوله:” إن القراءة التفكيكية تبحث عن اللبنة القلقة غير المستقرة، وتحركها حتى ينهار البنيان من أساسه ويعاد تركيبه من جديد، وفي كل عملية هدم وبناء يتغير مركز النص، وتكتسب العناصر المقهورة أهمية جديدة، يحددها أفق القارىء الجديد، وهكذا يصبح ما هو هامشي مركزياً، وما هو غير جوهري جوهرياً”(1).

وعليه، فإن مهمة هذه الدراسة بمفرداتها المتمثِّلة في: “الهوية، اللغة، النص الروائي، رجل/ امرأة، مستعمِر/ مستعمَر”، هي تغيير المواقع وتبادل المواضع، والانتقال من المركز إلى المحيط. وهي إذ تفعل ذلك ترى أن الناقد أصبح قادراً على هدم مكونات البنية النصية، أو حتى الحادثة الثقافية، وإعادة تركيبها في تسلسل لا نهائي. وتبقى الفرصة مهيأة أمامه لإعادة ما هو سائد، واستبدال المركزي بالهامشي. والفحص المتأني لهذه الدراسة، عبر الأمثلة المتعددة التي تضمنتها،  يظهر أنها توسلت جملة من الآليات المنهجية والوسائل الإجرائية، ألمح بعضها إلى أساليب المراوغة- التورية أحيانا- وهو إجراء منهجي شائع، يدخل ضمن ألاعيب المقاربة التفكيكية. والغرض منه هو إسعاف الناقد في تلمس مقاصد النص المستورة، وفك رموزه والبوح بأسراره. الأمر الذي يقتضي سلطة مطلقة في القراءة، وفق قالب قد لا ينسجم مع مقاصد المبدع، ويعدُّ تمرداً على النص التقريري، وانعتاقاً مما هو شائع وجاهز(2).

وإذا كانت هذه الدراسة تؤمن بأن الإيديولوجيا هي وسيلة الكاتب لاستغلال النص في بث أفكاره ومعتقداته، بل توظيفها في خدمة أغراض غير معلنة، فإن هذا ينفي فكرة وجود العقلية المحايدة. ومن هنا جاءت الإيقاعات المتعاكسة التفكيكية، لتعبر عن هذه التعددية في مواقف الأدباء والمنظرين، حسب تعدد انتماءاتهم الاجتماعية والفكرية والمذهبية، وإن لم يعلن أصحابها بوضوح عن هذه المرجعيات الموجهة. فالنص كما يقول حسن حنفي سلاح إيديولوجي في مجتمعات سلطوية فكرية وسياسية، وكل فريق يرى نفسه في النص ويسقط عليه أمنياته، ويرى فيه دفاعاً عن مصالحه وهجوما على خصومه. وهكذا يكون النص خادمًا لفئة سياسية واجتماعية معينة، تملك من وسائل التسلط والاستبداد ما يكفي لهزيمة الآخر(3).

 

أولاً:   توضيح المفهوم: كتابة ما بعد الاستعمار

كان من شأن الخطاب الاستعماري التعبير عن توجهات استعمارية إزاء مناطق العالم الواقعة خارج نطاق الغرب، كما كان من شأنه إنزال حملاته العسكرية منزلة تاريخية في آفاق تجمع ما بين الخمول والعجائبي، وتختزل الوجهات الحقيقية لهذه الحملات، زاعمة أن القدر قد أرسلها للنهوض بعالم ساكن من خموله الأدبي. ومن ثم أصبحت هذه المناطق المستعمرة مجرد خلفية لمسرح تجري عليه أفعال بطولة غربية، مارست أفظع أنواع القرصنة المعتمدة على السلب والنهب والقتل والاقتلاع من الجذور، كما عملت على عزل أهل هذه المناطق عن مجموعاتهم اللغوية(4).

وقد جاءت الدراسات ما بعد الاستعمارية لتنتظم باعتبارها مؤسسة فاعلة في الكتابة، ومروجة لأفكار معينة، عبر مشروع يتبنى حالات كتابية، تنحو إلى تفكيك الخطاب الاستعماري، وإلى إعادة النظر في تاريخ آداب الإمبراطوريات السابقة، بحيث تشمل المستعمرات التي واجهت الاستعمار الأوروبي، بما تركه من آثار مختلفة. وهي – هذه المستعمرات – على الرغم من القوميات المختلفة التي تمثلها، فإنها أنتجت نوعاً من الكتابة يحمل – حسب الخطاب النقدي المعني بالاستعمار وما بعده – قواسم مشتركة ستسعى هذه الدراسة إلى إبرازها. إلا أنها في مجملها آدابٌ أعادت كتابة تاريخ الحضارة الاستعمارية نفسها من وجهة نظر المستَعْمَرين(5).

كان أول استخدام لمصطلح ما بعد الاستعمار في مجال النظرية السياسية مطلع السبعينيات، وهذا لا ينفي أن نظرية مقاومة الاستعمار أقدم من ذلك بكثير، وربما تعود إلى بداية حركة الاستعمار ذاتها. وهو استخدام كرّس لوصف مأزق الأمم التي تخلصت من سطوة الإمبراطوريات الأوروبية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لكنه لم يكتسب معناه الذي نعرفه الآن إلا خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين(6). آنئذٍ أصبح مصطلحُ ما بعدَ الاستعمار تسمية لنظرية في الدراسات الثقافية والنقد الأدبي. وقد وجَّهت هذه الدراسات الفعل الثقافي باتجاه حق الجميع في أن يكون لهم الشأن والمكانة. وفضلاً عن أنّ هذا النوع من الدراسات ينطلق من الإحساس بضرورة تحديد معايير واقع الشقاء والظلم البشريين، فإنّه يقتضي انحيازاً إلى صفوف الضعفاء، ورفضاً لجميع الأقوال الجاهزة المبتذلة. ولعلّ هذا النوع من الدراسات يبدي استعداداً واضحاً للإعلان عن رفض الأفكار السلطوية، فيأتي السؤال الثقافي –بكل إحداثياته- ليتيح لنا انعتاقاً معنوياً من هذه الأفكار، وذلك عبر استراتيجيات وأدوات تُفعِّل الوعي على صعيد الأفراد والجماعات.

نستطيع بكل ثقة أن نقول إن إدوارد سعيد هو أول من أسس هذا الحقل المعرفي (كتابة ما بعد الاستعمار)، وإن كان المبشر الأول لها هو فرنز فانون بأعماله التي سنأتي على ذكرها في أثناء هذه الدراسة.

يرى إدوارد سعيد لزوم اقتفاء الأثر السياسي للكتابة، عبر قراءة ثقافية تعيد النقد إلى العالم، فالنص هو حادثة ثقافية لا بد من ربطه بمظاهر الدنيا السياسية والاجتماعية والثقافية. فالنصية في رأي سعيد غير مقنعة بحال من الأحوال(7). لذلك وجدنا من الباحثين من يرى أن النقد الجديد – على سبيل المثال – أعاق استيعاب كتّاب ما بعد الاستعمار لأعمالهم في إطار السياق الثقافي الملائم، كما أنّه أثّر تأثيراً خطيراً على تطور نظرية نقدية وطنية أو داخلية، كما حرمها أن تكون آداباً متميزة هادمة للقيم الأوروبية المستوردة على الرغم من أن حركة النقد الجديد – حركة أنجلو أمركية – ذات أصول ما بعد استعمارية في نشأتها، ذلك أن هذا النوع من النقد يجبرنا على البدء من جديد في كل عمل، ولا يثق بكون الأدب مؤسسة، يضاف إلى ذلك أنه نتاج لعزم أمريكا ما بعد الاستعمار على التأسيس لمشروعية نظامها الأدبي، في مقابل الهيمنة الدائمة للتراث الإنكليزي(8).

نجد لدى إدوارد سعيد في مقالاته التي اختارها في كتابه (العالم والنص والناقد) تأكيداً على الروابط التي تجمع النصوص بالوقائع الوجودية للحياة البشرية والسياسية والمجتمعات والأحداث(9). وبسبب من ذلك، كان الأدب بالنسبة إليه مهماً في عالمنا الحاضر؛ لأنه يحمل كل ما هو جمالي وتاريخي ومجتمعي، ولذلك ينبغي للنظرية النقدية أن تضع كل هذا في اعتبارها أثناء تعاملها مع النصوص. ومن هذا المنطلق وجدنا (سعيد) يفرق بين مفهومي النسب والانتساب، فالنسب هو كل ما يصف مكونات النص، فهو تحليل داخلي لجمالياته ولأنساقه وتكوينه. أما الانتساب، فهو ما يمنح النص مجال حركته؛ أي مجموعة النصوص المحيطة به، ومكانة المؤلف، واللحظة التاريخية التي يتم فيها استعادة النص مروراً بآليات النشر والتوزيع والتلقي. وبهذا يكون الانتساب هو إعادة خلق العلاقات بين النصوص والعالم، لإخراج النص من عزلته التي تدفعه إليها النزعات الأكاديمية ذات المنظور التخصصي الضيق، فعلى الناقد أن يعود إلى قضية البناء التاريخي للإمكانيات التي سمحت للنص أن يوجد(10).

ولعلّ من يقرأ سعيد، يجد نفسه أمام ناقد حريص على تحفيز الوعي النقدي وتنشيطه بغرض العودة إلى خطاب يعزز قدرة الإنسان على رفض أية فكرة متعالية، بل ويعزز قدرته على صنع تاريخه. وهو هنا يتفق في تفكيره مع مقولات المفكر الإيطالي “فيكو” صاحب كتاب “العلم الجديد”، وبخاصة فكرته حول أن البشر هم الذين يصنعون تاريخهم، وهي فكرة يستعملها سعيد دائماً ليرد النص إلى الحياة وإلى البشر الذين يتحدث عنهم النص، بل البشر الذين كتبوه، بحيث إن النص نفسه يتحول عبر هذه العملية إلى تجربة حرية وممارسة فعلية، ولا يعود هناك مواقف ثابتة أو مسبقة في دراسة النصوص، ولكن حركة تسمح بالتغيير المستمر، وفقاً لما هو معيش من مواقف وممارسات حقيقية(11).

ومن هنا نعود للتأكيد على دور سعيد في النظرية ما بعد الاستعمارية التي احتفت بالإنسان، ورأت أن النزعة الإنسانية هي سبيلنا لمناهضة ما يشوه وجوه التاريخ من مظالم وسياسات لا إنسانية، عبر كتابات تعلي من كرامة الفكر الإنساني، وتقاوم روح التقليد والسلطة والجمود. لذلك كان من شأن هذه الكتابات أيضاً الاحتكام إلى قيم الديمقراطية، ومعارضة كل أشكال الاستبداد والسيطرة والظلم. وهو يقول في هذا الشأن: “إن النزعة الإنسانية الحقة تقوم على الإحساس بالانتماء إلى جماعة كبرى تضم باحثين آخرين ومجتمعات وعصوراً أخرى، فما من باحث إنساني بمعزل عما حوله،… لذا فواجبنا يتمثل في توسيع دائرة النقاش، أي أن نجابه أشكال الظلم والمعاناة، بأن نضعها جميعاً داخل سياق أرحب ينهل بغزارة من التاريخ والثقافة، والواقع الاجتماعي الاقتصادي”(12).

يحرص سعيد وغيره من كتاب ما بعد الاستعمار على استحضار دور القوة، وتوضيح كيفية تغلغل تلك القوة في الخطابات الدنيوية المختلفة. فالمثقف في العمق هو “شخص يراهن بكل وجوده على حس نقدي، حس عدم الاستعداد لقبول الصيغ السهلة أو الأفكار المبتذلة الجاهزة، أو التأكيدات المتملقة، والمكيفة باستمرار كما يجب أن يقوله الأقوياء أو التقليديون وما يفعلونه”(13).

وقد وجد خطاب ما بعد الاستعمار طريقه إلى كل مدارس الفكر التي تعنى بتحليل علاقات القوة، بما في ذلك النظرية الماركسية، ونظريتا غرامشي وفوكو. وقد ظهر ذلك جليّاً في نظريات النقد النسوي التي ستفرد هذه الدراسة حيزاً خاصاً لها. والجامع بين هذه المدراس الفكرية هو إلحاحُها الدائم على تحليل علاقات القوة غير العادلة التي يمكن تتبعها في المنتجات الثقافية (الأدب، والسينما، والفنون). لذلك يرى أتباع هذه المدارس – وفيهم (دارسو ما بعد الاستعمار)- أنهم منخرطون سياسياً في حركة غير محددة لا تخضع لتنظيم ما، غير أنّها تناضلُ ضد تأثير الأمم الأكبر والأغنى في الشمال (أوروبا وأمريكا)، على الأمم الأفقر التي يعيش معظها في نصف الكرة الجنوبي.

كل هذا يضعُنا أمام نظرية نقدية لا تنظر إلى الخطاب بوصفه مهمة تاريخية، ولكن بوصفه مهمة سياسية. إنّ القيمة الأدبية غير متوقفة على جماليات النص فقط، إنما مرتبطة بعوامل كثيرة من أهمها العامل السياسي الذي يؤكّد حتمية عودة النقد إلى العالم. وينبغي لهذه العودة أن تكشف عن منهج شمولي يوظّف المفاهيم التي قدمتها المدارس الفلسفية والاجتماعية والنفسية والسياسية. وقد عبرت الدراسات الثقافية عمّا تقدّم باستخدامها مصطلح (المظلة/ Umbrella Term)، وهو كذلك لأنه يستفيد من إمكانيات متعددة يطبقها على النصوص المختلفة (راقية وشعبية) بهدف كشف أساليب الهيمنة المختزنة فيها(14).

جديرٌ بالذكر أن الناقد – في سعيه إلى الكشف عن أساليب الهيمنة – لا بد أن يمتلك دربة وذائقة خاصتين، بعيداً عن الانقياد لأية سلطة تحول بينه وبين رغبته في تغيير العالم، ومناهضة كل ما يشوه وجه التاريخ من مظالم وسياسات لا إنسانية. وهكذا، لا يجوز للناقد أبداً أن يقدم خبرته خدمة تباع للسلطة المركزية في المجتمع لإضفاء المسحة الشرعية على مسلكها. ويرى سعيد أنّ الذي يمتهن خدمة السلطة القائمة من أجل تحقيق مكاسبه الشخصية، هو نوع في غاية الخطورة، ويطلق عليه في كتابه “تمثيلات المثقف “Representaton of the Intellectual اسم المهني أو الخبير أو المستشار. ويُقابل هذا النّوع من المثقّفين المثقفُ الملتزم صاحب الموقف الذي لا يجري وراء بريق المناصب، ويصبّ اهتمامه على الوقائع المتعلقة بضروب المقاومة لسيطرة الأجهزة القمعية بجميع أشكالها، كما يعنى بكشف أساليب توظيف النصوص والثقافة لتفعيل هيمنة خاصة، تقنع التابع بدونيته وعدم قدرته على المقاومة، مما يعلي من شأن السلطة وسياساتها القمعية. وقد أطلق ألتوسير على تلك الأساليب مصطلح أجهزة الدولة الإيديولوجية، وحدّد وظيفتها بأنّها تُوظّف لإقناع المجتمع بما تريده الدّولة، قِبالةَ الأجهزة الأخرى مثل الشرطة والقضاء التي تقوم بالدور القمعي(15).

وتأكيداً لغرض الكشف عن الهيمنة، يقف إدوارد سعيد في مشروعه النقدي على مفردات لها أهميتها الخاصة في هذا المجال، منها على سبيل المثال “الاستسلام”، التي يقوم فعل الكتابة بالتصدي لها، ولكل ما تعنيه من دلالات الخضوع والاستكانة، اللذين هما ضد وظيفة الكتابة التي تحتوي على فعل وحركة أو تعبير ما، بشرط أن يكون تعبيراً فاعلاً ومتجدداً باستمرار وغير مستسلم، كذلك يستخدم سعيد مفردة “التنقيب”، ويشير فيها إلى طبيعة الدور الذي يجب أن يقوم به المثقف حتى تكون كتاباته فاعلة غير مستسلمة، وهو دورٌ شبيه بدور الباحث الرحالة الذي يحمل في جعبته متلازمتين هما: الرغبة المستمرة في التنقيب، والشك فيما هو مستتر وصولاً إلى معرفة أعمق وأشمل(16).

كل هذا يجعلنا نستحضر في الذهن أثناء حديثنا عن كتّاب ما بعد الاستعمار منظومة فكرية مؤثرة وفاعلة، ترى مجموعة التناقضات المحبوكة في الوجود الشكلي لنص ما، فتعري هذه التناقضات أو تفككها. وقد تلجأ إلى طريق إعادة سرد روايات القوى المختلفة لتشكيل حوارات ثقافية جديدة، آخذة بعين الاعتبار قوة السلطة التي تتدخل في عملية ظهور عمل ما في فترة تاريخية محددة، أو تدفع نصوصاً معينة إلى الصدارة في فترة ما، وتشارك أيضاً في تراجع نصوص أخرى عن بؤرة الضوء.

لا يمكن بحال من الأحوال الحديث عن نظرية ما بعد الاستعمار دون التوقف أمام المبشر الأول لهذه النظرية (فرنز فانون) بأعماله التي عززها إدوارد سعيد في كتابه المعروف (الاستشراق)، وهي الأعمال التي استخدم فيها نظرية التحليل النفسي، مطورا إياها لإبراز عواقب الاستعمار السيكولوجية والاجتماعية، وذلك بتركيزه على خطورة خاصية السواد باعتبارها عرقية، وأهميتها بالنسبة للمشروع الاستعماري القائم على القمع والتشويه، كذلك قابلية المستعمَر الأسود للاقتناع بارتداء قناع أبيض مصنوع من الثقافة والمكانة. فالاستعمار حين يعلي من شأن الجنس الأبيض على الشعوب غير البيضاء يخلق إحساسا بالاغتراب في هوية هذه الشعوب، ضمن ظروف يتم فيها اعتبار تاريخ المستعمِر الأبيض وثقافته ولغته وتقاليده ومعتقداته كونيةً ومتفوقة بالنسبة لثقافة المستعَمر، بما يخلق إحساسا قويا بالدونية داخل ذات هذا المستعمَر، ويقوده إلى تبني لغة المستعمِر وثقافته وتقاليده في محاولة لمواجهة هذا الشعور بالدونية(17).

ويبقى كتابه (معذبو الأرض/ The wretched of the earth) معلماً مهماً من معالم الكتابة في حقل الكتابة الاستعمارية، وفيه يركز فانون على العنف الضروري المصاحب لعملية تفكيك الاستعمار ومقاومته، فمقاومة الاستعمار وتفكيكه هو إحلال لأنواع معينة من الرجال محل أنواع أخرى. وهو تحول كامل ومطلق ودون مراحل انتقالية. ودليل نجاحه يكمن في تبدل البنية الاجتماعية كاملة من القاع إلى القمة. فتفكيك الاستعمار ليس عصاً سحرية، ولا صدمة من صدمات الطبيعة، وهو ليس تفاهماً أخوياً، إنه عملية تاريخية، إنه لقاء قوتين متعارضتين أصلاً بطبيعتهما، لقاؤهما الأول اقترن بالعنف، ووجودهما معاً ظل مقترناً بالعنف على الدوام(18).

يبقى من الضروري التذكير بوجود مجموعة من المسائل الخلافية يتم تداولها أثناء الحديث عن أدباء ما بعد الاستعمار من مثل: مكان ولادتهم، اللغة التي يكتبون بها، الموضوع الذي يتناولونه، سنوات عيشهم في الخارج. فبعض الباحثين في هذا الحقل – على سبيل المثال- يهملون طائفة من الكتاب الهنود، لأنهم لا يكتبون بالإنجليزية، بسبب إحساسهم بالتاريخ الطويل للهند وتقاليدها في الكتابة، وهو تاريخ – حسب هؤلاء – لا يمكن قسره على الارتباط بفترة الإمبريالية البريطانية وحدها. كذلك قد يهملون ما كتبه الطيب صالح أو يحيى الطاهر، فلا ينظرون إلى أعمالهما بصفتها نموذجاً لكتابة ما بعد الاستعمار، لأنها بالعربية، بينما ينظرون إلى ما كتبه الطاهر بن جلون أو آسيا جبار بالفرنسية بصفته كذلك. ويقول إعجاز أحمد في هذا الشأن: إنّ الكتاب الذين تصادف أنهم يكتبون بالإنجليزية يُقَدَّرون تقديراً فوق العادة، ويضرب مثلاً على ذلك فيما كُتب عن رواية سلمان رشدي (أطفال منتصف الليل)(19)، في نيويورك تايمز تحت عنوان (قارة تجد صوتها). وكأن المرء لا صوت له ما لم يكن يكتب بالإنجليزية(20).

 

ثانياً : الهوية الحضارية في كتابات ما بعد الاستعمار

تقودنا المسألة الخلافية المتقدّمة، في المحور السابق، إلى مسألة خلافية أخرى  شغلت معظم كتاب ما بعد الاستعمار ودارسي أدب الاستعمار ومنظريه، وهي مسألة الهوية والقلق إزاءها. فإذا كان من جماليات أن تكون حاكماً ألا تشعُر بالقلق إزاء هويتك، فإن من سيئات أن تكون محكوماً أنك تقلق إزاء هذه الهوية. وإذا كان من جماليات أن تكون حاكماً أيضاً، أنك لن تخضع لثقافة متعالية، تحدد ما ينبغي أن يعد ثقافة بمعاييرها هي، فإن من سيئات أن تكون محكوماً أن يقال لك إن الوصاية عليك أمر مشروع بالاستناد إلى قاعدة تنوير الشعوب، ونقلها إلى مستوى الحضارة الأوروبية. والأسوأ من ذلك كله أن ترى المستعمر نفسه وقد تبنى وجهات النظر الإمبريالية التي تدفعه إلى احتقار ثقافته الخاصة، بل قد يصل إلى مرحلة من الاستلاب تدفعه إلى حيل وممارسات الاستعمار نفسه، بحيث يطبقها بلا هوادة على أبناء شعبه، لذلك نجد (سعيد) في (الثقافة والإمبريالية) يعيد نقد (فرنز فانون) للمستعمِر وللمستعمَر أيضاً، حين دعا إلى إبقاء عين النقد مفتوحة، في إطار مهمة تصويبية، تنصب في عدم مجاملة كل من ينزلق في مسار المستعمر(21).

يرى بعض المنظرين السياسيين – ومنهم (فرنز فانون/ Frantz Fanon) و(ألبرت إيمي/ Albert Aemmi) وهو يهودي فرنسي، قدم في الفترة نفسها التي ظهر فيها فرنز فانون كتابَه الصغير بعنوان (المستعمر والمستعمر) – أنّ الاستعمار ليس سوى سمة تاريخية عابرة يمكن تجاوزها، لذلك كان التركيز في أكثر مناقشاتهم حول ما تنطوي عليه عملية نزع الطابع الاستعماري Decolonizing، وكيف ينبغي إنجازها(22).

يقدم بعض الأفارقة المعنيين في هذا الشأن بحوثاً خاصة تدعم وتؤكد الحاجة لرؤية أدب إفريقي خالص معني بالهوية الإفريقية، له علاقة مباشرة بالمجتمع الذي أنتجه، ومن هذا المنطلق يؤكد إشيبي سمة أساسية تميز الفنانين الأفارقة عن زملائهم الأوروبيين، وهي إعلاء شأن الوظيفة الاجتماعية للكتابة، أكثر من وظيفتها بوصفها أداة للتعبير الفردي، بل إننا نجد من النقاد الأفارقة من يؤكد وجود سمات مميزة واضحة للفكر الأسود والعاطفة السوداء، ومن هنا ظهر مفهوم (الزنوجة/ Negritude)، وهو المفهوم الذي تطور على يد كاتب من جزر المارتينيك (آيمي سيزار/ Ame Cesair)(23)، وشاعر وسياسي سنغالي (ليوبولد سيدر سيغور/ Leopold Sedar Seghor) وفي هذا المفهوم نجد تأكيداً لسمات ثقافية تميز الهوية السوداء(24).

في إطار هذا المفهوم (الزنوجة) قد نجد من يزعم بأن الثقافة السواداء هي ثقافة وجدانية أكثر منها ثقافة عقلية، وأنها ركزت على التكامل والنظرة الكلية في التحليل والشرح، وأنها تعمل بإيقاع محدد ومبادئ مؤقتة. كما نجد من يتبنى القول بوجود رؤية إفريقية محددة للعلاقة بين الزمان والمكان، وللميتافيزيقا ولجماليات بعيدة عن الذوق والأسلوب الأوروبيين(25).

الأوروبيون بدورهم ينظرون إلى هذه الرؤى من موقع الوصاية والتفوق، لذلك فإن الفن الإفريقي – بنظرهم – هو فن بدائي بعيد عن الجانب الآخر من الذات الأوروبية المتحضرة، أي الجانب المظلم من البشر،  وهو ما عبرت عنه أعمال من قبيل (قلب الظلام لكونراد) فالإفريقي يصور المفهوم السالب المقابل للمفهوم الموجب عمن هو المتحضر، إنه الآخر الأسود في مقابل المعيار الأبيض، أو المقابل الشيطاني لملائكة العقل والثقافة. والأمر نفسه يجري على الكاتب الإفريقي، الذي ينظر إليه باعتباره أوروبيا مبتدئا، ليس له من تقاليد يباهي بها سوى التقاليد الأوروبية، إضافة إلى أن هؤلاء الأوروبيين يرفضون القبول باستقلال الأدب الإفريقي، أو حتى التسليم بحقه في أن تكون له قواعده ومعاييره القائمة على الثقافة والجمالية الإفريقية، مما يعكس استعلاءً أوروبياً يعرض عن إعطاء الشعوب الإفريقية مصداقية ما.

الأسوأ من ذلك هو ما سبق الإشارة إليه من نزعة تحقير كامنة في نظرة المستعمِر نفسه فيما يتعلق بالواقع الإفريقي والأدب الإفريقي التقليدي، وهو ما يشير إليه (وول سوينكا) في مقالته (الطرزانية الجديدة : شعرية التراث الزائف) حيث يصف شعر الطبيعة الإفريقي بأنه وصف للفيلة والأفاعي وأجراس الحديد والطبول والثعابين، وهو وصف تقوم به عيون بدائية من الطبيعي أن تبدو لها الطائرات طيوراً من حديد. ويشير سوينكا إلى أن عالمه الإفريقي يضم عربات البنزين، وآلة الكتابة وقطارات سكك حديد (ليست ثعابين من حديد)، وبنادق آلية، وتماثيل برونزية، وهي أشياء برأيه لا تنفي وجود علاقة كونية خاصة مع الكون، بل تضيف إلى ما في هذه العلاقة من تعقيد(26).

من الملاحظ لدينا أن أكثر المنتمين إلى الخطاب الاستعماري والنظرية ما بعد الاستعمارية هم من غير الأوروبيين: آسيويون أو منتمون إلى العالم الثالث، فهم يمثلون وضعية المهاجر المهمش المنفي صاحب القلم والصوت، وهم إلى ذلك يمثلون المستعمر ولا يمثلونه، يحملون جينه الوراثي ويكتبون باسمه، لكنهم لا يعيشون الآن معه، يعملون على تفكيك خطاب المستعمِر، ولكنهم يتوجهون بخطابهم إليه، فهو في نظرهم الحر المثقف، وهم بذلك يعبرون عن وضعية ممزقة هي ذاتها النتاج الحقيقي لفترة الاستعمار وتمزقاته. لذلك نجدهم غير حريصين على مفاهيم يرونها بائدة، من مثل: مفهوم الوطن أو القومية / Nation، بل نجدهم يحاولون تفكيك مثل هذه المفاهيم في محاولة لتطوير مفاهيم بديلة، هي في نظرهم أكثر واقعية، كمفهوم التعددية أو التوافقية أو الهجنة / Hybridity، أو قد يتخذون من هذه الوضعية حالة للدراسة كما فعل سعيد حين كتب عن فكرة المنفى والوضعية البينية والهامشية التي يعيشها(27).

لا يكتفي سعيد بطرح مفاهيم بديلة، إذ نجده رافضاً لمقولة القومية بوصفها أساسا للهوية، على اعتبار أن القومية ذاتها هي فكرة أوروبية جاءت من أوروبا مع الاستعمار، ثم ورثتها مجتمعات العالم الثالث مع ما ورثت من الاستعمار، فأعاقت استقلالها الحقيقي، وأدخلتها في أوهام وضلالات بعيدة، أضف إلى ذلك أنه يرى كما يرى بعض كتاب ما بعد الاستعمار أن واقع ما بعد الاستعمار (هجرة المستعمِرين إلى المستعمرات، أو الهجرة من المستعمرات إلى مراكز القوة المستعمِرة) أدى إلى هوية قومية أكثر تداخلاً وتهجيناً مما كان معروفاً في الماضي ويقول في هذا الشأن: “إن جميع الثقافات، جزئياً بسبب تجربة الإمبراطورية مشتبكة إحداها في الأخريات، ليس بينها ثقافة منفردة ونقية محض، بل كلها مولدة مهجنة متخالطة.. وأن هذا ليصدق على الولايات المتحدة، بقدر ما يصدق على الوطن العربي الحديث”(28).

في كتاب “الإمبراطورية ترد بالكتابة” يؤكد المؤلفون هذه الرؤية، ويطرحون فكرة التوافق الثقافي باعتبارها سمة مميزة حتمية لكل مجتمعات ما بعد الاستعمار، لكنهم في الوقت نفسه يرون أن هذا التوافق لا يخفي دور الثقافة في تشكيل تجربة الحياة اليومية في المجتمعات؛ إذ لا مفر من أن تتأثر حساسيات الكتاب الأفراد بالفرضيات الأدبية والجمالية لثقافاتهم هم، بل إن استخدام التراث المحلي سيكون واعياً ومقصوداً، وفي نهاية المطاف لا بد من الاعتراف بأن ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة، تتضمن علاقة جدلية بين المنظومة الثقافية الأوروبية الممنوحة وبين وجود وطني متعين.

لكننا لا بد أن نتذكر ما يقوله (هومي بابا) من أن الحاجة كانت قائمة إلى توكيد الهوية الوطنية، بل إنها كانت سمة من سمات الكتابة فيما بعد الاستعمارية، ناهيك عن أنها كانت جزءاً حيوياً من المقاومة الجماعية التي ركزت على الهوية المستقلة والتمايز الثقافي. لكن الأمر (والقول لهومي بابا أيضاً) الآن يسير باتجاه آخر بفعل التهجين والتداخل في مجتمعات ما بعد الاستعمار، وهو ما أدت إليه حركة القمع الثقافي الواعية، التي تجبر المستعمَر على التكيف مع أنماط اجتماعية جديدة(29).

ويبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن استخدام هذه القومية الهجينة لتفكيك ما بقي من قوميات قائمة، ولتعزيز المزيد من الهيمنة الإمبريالية؟.

نستحضر في هذا السياق أشيبي في قوله: “أود أن أرى كلمة كوني Universal، وقد تم منعها تماماً في مناقشات الأدب الإفريقي، وذلك إلى أن يأتي وقت يتوقف الناس عن استخدامها مرادفاً للنزعة الأوروبية الضيقة التي لا تخدم إلا نفسها”(30).

 

ثالثاً: النظرية النسوية ونقد ما بعد الاستعمار

كان لوجهات النظر النسوية أهميتها المتزايدة في نقد ما بعد الاستعمار، بل إن الاستراتيجيات النسوية المعاصرة ونظرية ما بعد الاستعمار تتداخل وتتبادل الفائدة. ونستطيع القول إن النقاد ينظرون إلى الخطابين كليهما باعتبارهما شيئاً واحداً. فهناك توازٍ واضح بين تاريخ النظرية النسوية ومشاغلها من ناحية، ونظرية ما بعد الاستعمار من ناحية أخرى. الأمرالذي تشير إليه رائدات في النقد النسوي من مثل (جين ريس/ Jean Rhys) و(دوريس ليسنغ/ Doris Lessing) و(توني موريسون/ Tony Morrison) و(جاياتري سبيفاك/ Dayatri Spivak) اللواتي تضمنت دراساتهن رؤى خاصة تسعى إلى استعادة المهمش مكانته المفترضة، كما تسعى إلى قلب أبنية الهيمنة، بل الشك في الفرضيات الأساسية للفكر المهيمن، مع ضرورة مواجهة التقاليد الذكورية المجحفة، ويبقى الموضوع الأهم هو مساءلة الفرضيات التي نهضت عليها تصورات القمع، بما يترتب على هذه المساءلة من وجوب فضح طرق (المهيمِن) في فرض الصمت والقمع على (المهيمَن عليه).

تأتي مهمة النقد النسوي في إقصاء (القراءة الأبوية/ Patriarchal) وإحلالها نوعاً آخر أكثر صحة يفرض نفسه مكانَه، ويكون له حضور مساو للقراءة البطريركية التي تعكس رؤية الرجل فقط(31)، الأمر الذي يتماشى مع نظرية ما بعد الاستعمارالتي تطلب توخي الحذر لدى التعامل مع منظومات القيم التي طورها الرجل الغربي المتفوق، والتي منحته مجموعة من الامتيازات يغدو من الصعب أن يتنازل عنها بسهولة وهي الامتيازات التي مكنته آليات القمع المتوالية من الحصول عليها، يتمثل بعضها في عملية إسكات الآخر وإخراسه. وهو ما عبرت عنه جياتري سبيفاك في أبحاثها عن القمع المزدوج الواقع على المرأة المستعمرة.

هذا الصمت أو الإسكات كان هدفه تثبيت مجموعة التصورات الأخلاقية والاجتماعية الراسخة، وإغفال حقوق الإنسان الأساسية، الأمر الذي ترفضه سبيفاك في دعوتها إلى الانتباه إلى القوة السياسية والاجتماعية والإيديولوجية للعنصرية  في المجتمعات، ومن ثم كان لا بد من تأكيد الحاجة إلى أن يسير ما هو تفكيكي وما هو سياسي جنباً إلى جنب، وهنا يترسَّم كل من النقد النسوي ونقد ما بعد الاستعمار خطى نظرية التفكيك، فيقفان أمام مصطلحات من مثل (أبيض وأسود) (رجل وامرأة)، التي ترسخ فصلاً متعسفاً داخل الوعي الجمعي للمجتمعات، حتى إن بعض النقاد ينظر إلى التفكيك باعتباره نشاطاً هدفه الأول إنصاف قطاعات إنسانية معينة استخفت النظرية القديمة بحقوقها. وهو ما يشكل سنداً مهماً في إعادة فهم المسلمات القديمة وزعزعة الكثير منها. وبالتالي، فإذا كان المهيمِن (الرجل، المستعمِر) قد احتكر عملية التشفير الرمزية، واستبعد فيها المهيمَن عليه (المرأة، المستعمَر)، منذ زمن طويل، فإن التفكيكية تأتي لتضع المهيمن عليه في قلب هذه العملية، مما ينقض مجموع البنى الرمزية القائمة على رؤية المستبد وحده للعالم، الذي يعرف الآخر بالسلب، باعتباره حاملاً لمجمل الخصائص السلبية الضرورية لإبراز مدى إيجابية الخصائص التي يحملها هو(32).

إن تحقق الهوية الجنسية للأنا يعني انتهاك الآخر وتشويهه، وحرمانه من حقوقه، بحيث تبدو الصورة الاستعمارية على شكل بنية تراتبية (رجل / امرأة) (مستعمِر / مستعمَر)، بدلاً من التجاور، وما يحصل هو أن هذا المزدوج سيتحول إلى ساحة معركة عامة يدور فيها الصراع من أجل تحقيق التفوق  الدلالي باستمرار، وهو ما ينتهي بانتصار (الذكر، المهيمن) داخل مجتمع حريص على ذلك النصر، وهنا يبرز دور التفكيك في سعيه إلى إعادة صياغة النظام الترميزي على أسس جديدة، يتم فيها تحرير الآخر المماثل، لا المناقض من سطوة البنية الأبوية للتفكير. وهو ما مارسته منظرات النقد النسوي ومنهن جوليا كريستيفا، حيث أتاحت للمجموعات المهمشة استخدام هذا الأساس النقدي لقلب المواصفات القديمة بكل ما تحمله من انتهاك واضح للآخر(33) وبالتالي تتحقق مقولة (هومي بابا) الذي يرى أن القراءة الصحيحة لأعراض النص الاستعماري يمكنها أن تستعيد صوت أهل البلاد الأصليين، فالشعب التابع يمكنه أن يتكلم، ويمكنه استعادة صوت أهل البلد الأصليين، فالتابع في الحقيقة يمكنه أن يتكلم(34).

ومن هذا المنطلق (استعادة صوت المهمش)، ظهرت في الآونة الأخيرة ظاهرة إعادة قراءة الأعمال الأدبية الأمهات بطريقة مختلفة. فالنص يحقق حضوراً فاعلاً قوياً عبر امتداده في عدد من النصوص الماضية والمعاصرة، فتصبح علاقة نص من مثل (بحر ساركوسا الواسع) لجين رايس مع النص الأم (جين إير) لشارلوت برونتي هي علاقة أوديبية أشبه ما تكون بالرغبة في طمس الآباء الأقوياء.

في رواية Rhys الآنفة الذكر، أمامنا سرد يحيل إلى رواية ذائعة الصِّيت مرت على أذهان أولئك الذين درسوا الإنجليزية في المركز البريطاني والمستعمرات (وهي رواية جين إير)، التي قد يمر عليها القارئ مروراً عابراً، وفيها نقرأ ولع المربية الشابة جين إير بسيدها روجستر الفظ والوديع، السيد والصديق الأسمر، العريض الكتفين، سليل بايرون الذي يملك سراً يبقيه تحت وقع الخطيئة، ويضعه في لحظات من الصمت والتأمل والتقطيب الحاد الظاهر على الملامح. وتنبني العقدة النفسية على سر يتّخذ لنفسه مكاناً في علية محاصرة قصيَّة، فثمة سجينة في العلية، يصفها السرد بأنها كانت في يوم ما بهجة للناظرين، ولكنها الآن سوداء شعثاء الشعر مجنونة مخبولة. هذه الشعثاء السوداء هي التي تحييها جين رايس في روايتها، وتدعها تنطق وتتحدث عن العلاقة العاطفية بينها وبين روجستر، فتخبر القارئ عن مأساتها بصفتها من دم خليط أبيض وجامايكي، وستحكي كذلك،  بينما يحكي روجستر وجهة نظره هو الآخر(35).

لا بد في هذا السياق من استحضار كتاب ساندرا جلبرت وسوزان جوبر، المعني برواية جين إير الآنفة الذكر، وهو الكتاب الصادر عام 1979، تحت عنوان (المرأة المجنونة في العلية / The mad woman in the Attic) وهو كتاب جدير بكل عناية، إذ ينظر إلى المرأة المقهورة ويبرز شعور المخبأ والمنكر، بالارتكاز على بيرتا المجنونة في رواية شارلوت برونتي، وهي – أي بيرتا – رمز واضح لاستضعاف المرأة في المجتمع الأبوي، حيث يتم تصنيفها على أنها مصابة بالهستيريا لتبرير المعاملة السيئة التي تلقاها، في إشارة إلى أن المرأة حين تصبح فائضاً عن متطلبات الرجل يتم حجبها بعيداً، مثلما فعل زوج بيرتا، وعليه فإن المجنونة في العلية ترمز للتجربة الأنثوية بوجه عام تحت هيمنة السلطة الذكورية(36).

يذكر هنا أن العنوان قد اختير بعناية، إذ تظهر له تنويعات عديدة داخل الكتاب الذي عده كثيرون كتاباً شيقاً ممتعاً ذكياً مكتظاً بالتلميحات، والأهم لدينا أنه يبين الأثر الذي تركته مجموعة القيود الاجتماعية التاريخية على المرأة، بإبداع قصص رمزية تعبر عن مشاعر مشتركة بالتضييق والاستعباد والانتزاع.

يبقى أن التوازي أو التناظر ما بين النظريتين النسوية وما بعد الاستعمارية الذي لمسناه في مواطن عديدة في هذا المحور، يظهر بشكل لافت أيضاً في مراحل تطور الكتابة الأدبية لدى الطرفين. وهو ما يشير إلى تماثل مراحل الوعي، أو مراحل السعي لاكتساب التمايز عن المركز المسيطر.

تاريخياً، لا بد من التذكير بأن النصوص ما بعد الاستعمارية كتبت في بادئ الأمر بلغة المركز الإمبريالي، وهو أمر حتمي في الفترة الإمبريالية، والذي كتب هذه النصوص صفوة متعلمة كانت هويتها متطابقة مبدئياً مع القوة الاستعمارية، حتى إن كثيراً من النصوص الأولى التي أنتجتها المستعمرات باللغة الجديدة كتبت على يد ممثلين للقوة الإمبريالية، بعضهم مستوطنون أرستقراط، أو على يد مديري المستعمرات والجنود، أو حتى على يد زوجات الموظفين البريطانيين في الهند، وهي نصوص لا يمكن أن تشكل أساساً لثقافة وطنية، رغم وصفها التفصيلي للطبيعة وللعادات وللغة، فقد كان حتمياً بالنسبة لها أن تعلي من شأن المركز، مركزة على وطنها أكثر من تركيزها على الشعوب الأصلية، وكانت مزاعمها حول الموضوعية مجرد خدمة تخفي بها الخطاب الإمبريالي الذي أبدعت في إطاره، ويمكن تمثل هذه المرحلة عبر قصيدة روديارد كبلنج (الكريسماس في الهند) حيث يقع الوصف المصحوب بالحنين ليوم الكريسماس في حر الهند في سياق استدعاء يوم الكريسماس الإنجليزي الغائب(37).

في كتاب شووالتر/ Showalter الشهير (أدب يخصهن وحدهن/ A literature of their own) الذي تعرض فيه الكاتبة مجموعة الروائيات الإنجليزيات منذ عهد الأخوات (برونتي/ Brontes) حتى تاريخ صدوره عام 1977، نجد أن المرحلة النسائية الأولى في الكتابة تشبه إلى حد بعيد ما تقدّم الحديث عنه في كتابة ما بعد الاستعمار الأولى، حيث يجري تمثل المعايير (الذكورية) واستلهام ثقافة (الرجال). فإذا كانت المرأة في هذه المرحلة قد قدمت عملها ضمن إطار اجتماعي ذكوري يسن القوانين، فإن النصوص الأولى في الآداب ما بعد الاستعمارية تمثلت ثقافة المركز وحافظت عليها، بما تتضمنه هذه الثقافة من معان وصور شعرية، حتى إن كاتبات هذه المرحلة ينتمين إلى الطبقة العليا في المجتمع، الأمر الذي يماثل كتاب المرحلة الأولى في كتابة ما بعد الاستعمار، حيث كان بإمكان هذا الانتماء الطبقي توفير القدرة على الكتابة والنشر(38).

أمّا في المرحلة الثانية لدى الطرفين، فنجد في أدب ما بعد الاستعمار كمية هائلة من الشعر والنثر أنتجها هنود تعلموا الإنجليزية، فكتبوا بلغة الثقافة المهيمنة، إلا أنهم حرموا من الكشف بشكل كامل عن إمكانيات ثقافتهم المضادة للإمبريالية، وذلك بسبب الظروف المادية لإنتاج الأدب في مجتمعات ما بعد الاستعمار الباكرة، ذلك أن مؤسسة الأدب في المستعمرات كانت خاضعة للسيطرة المباشرة للطبقة الإمبريالية الحاكمة، التي كان لها وحدها السماح بتوزيع العمل(39).

في الكتابة النسوية، في المرحلة الثانية منها، نجد أن الكاتبات حاولن الدفاع عن وحدة نسائية تدعو إلى المساواة، بعد أن رفضن فكرة التأقلم الكاملة مع المرحلة السابقة، وقمن بتوظيف الأدب لتصوير المحن والمآسي التي تتعرض لها المرأة، وإن كن عاجزات عن الخروج عن إطار الأنظمة السياسية(40)، وإذا جاز الحديث عن الكتابة النسوية في مرحلتها الثانية في عالمنا العربي، فيبدو أنها أعادت إنتاج الظلم الذي لازم النظام البطريركي، حتى إن أظهرت ميلاً لقلب هذا النظام، ذلك أنها تواءمت في بعض توجهاتها مع المؤسسة الحاكمة، وبقيت تعمل من خلالها(41).

أما المرحلة الثالثة لكلا الطرفين، فهي مرحلة اكتشاف الذات، أو مرحلة الانعطاف الداخلي المتحرر من الاعتماد على الآخر، وينشد في المقام الأول بحثاً عن هوية، فنشأت الآداب المستقلة لكلا الطرفين، وطورت فيها فكرة الكتابة المتميزة (نسوية/ استعمارية) النابعة من التجربة الخاصة بمعزل عن القوى المعيقة، وتم اعتماد اللغة والكتابة لاستخدامات جديدة ومميزة. فبخصوص آداب ما بعد الاستعمار ظهر توجه خاص باتجاه المكان والهوية، ومن هنا ظهر مصطلح الأدب الإفريقي الذي صاغه الشاعر السنغالي ليوبولد سنغور للتعبير عن روح الزنوجة، والالتصاق بالأرض بدلاً من الذوبان في فرنسا، كذلك ظهر مصطلح الأدب الكاريبي، الذي تحدى هيمنة الإنجليز وسعى لتأكيد الإرث الهندي ما قبل الاستعمار(42).

 

رابعاً : الرواية والاستعمار

يرى كثيرون أن الرواية قد نجحت خلال مدة وجيزة في انتزاع الاهتمام، وأنها استأثرت بالمكانة الأولى في الآداب العالمية، وفي الأدب العربي، ويردون ذلك إلى قدراتها الفائقة في تطوير وسائل السرد، إضافة إلى قدرات متميزة في تمثيل المرجعيات الثقافية والنفسية والاجتماعية، وهو أمر تفوقت به على الأنواع الأدبية الأخرى المعاصرة لها(43).

يمكن اعتبار الرواية – إذا ما قرئت القراءة الصحيحة – عاملاً من عوامل صوغ الهويات الثقافية للأمم، لما لها من قدرة على تشكيل التصورات العامة عن الشعوب والحقب التاريخية والتحولات الثقافية للمجتمعات. بما يترتب على هذا الأمر من إسهام في تمثيل التصورات الكبرى عن الذات والآخر. فالرواية البريطانية كما قرأها إدوارد سعيد كانت مركزاً إمبريالياً وظيفته الحفاظ على مكانة الإمبراطورية والمساهمة في تعزيز المفاهيم والمواقف حول إنكلترا والعالم. فكل الروائيين الإنكليز في منتصف القرن التاسع عشر وافقوا على وجهة نظر وصول السلطة البريطانية إلى ما وراء البحار الشاسعة، علماً أن هذا الأمر لا يعني أن الرواية أو الثقافة كانت هي السبب في مجيء الإمبريالية، إلا أننا لا نستطيع التفكير في الرواية الإنجليزية في الفترة التي سبقت الاستعمار بمعزل عن الإمبريالية. فهناك تزامن حكم الظاهرتين، بل إنهما تبادلتا المنافع(44).

نستطيع بكل ثقة القول إن الرواية بدخولها عوالم بعيدة وغريبة استجابت لرغبات المجتمع البرجوازي، الذي حمل تطلعات استعمارية، لذلك فإن ما أفرزته الرواية هو جزء من سياق ثقافي بحث عن أفضل وسيلة تمثيلية، لبيان فلسفة التفاضل بشكل رمزي وإيحائي وغير مباشر بين الغربي وغيره(45). وأفضل مثال يشار إليه في هذا السياق رواية (روبنسن كروزو) لدانيال ديفو التي اعتبرت إحدى النماذج المبكرة للرواية الغربية الحديثة.

تدور أحداث هذه الرواية (روبنسن كروزو) المنشورة عام 1719، حول أوروبي يخلق لنفسه مستعمرة على جزيرة غير أوروبية نائية، وتعبر في أحداثها عن طبيعة التوسعات الاستعمارية بصورة تتراوح بين المباشرة والتضمين، فالبطل (روبنسن كروزو) ينطلق من مرجعية أوروبية ترى أن العالم الغربي هو الأنموذج الكفء للعالم المتحضر، لذلك لا بد من اتباعه وتمثل أخلاقياته الدينية، فهو العالم الذي يبشر بفكرة قوة الفرد المتحضر، في عالم يبقى منسياً إذا لم يلحق بالتاريخ الذي يمثِّله الرجل الأبيض، والبطل إذ ترك العالم المتحضر، فإنه بقي يحمل قيمه وأفكاره، وعليه أن يحول الجزيرة النائية إلى وطن خاص به، يتمثل القيم التي حملها معه (الأمر الذي يتماشى والفكر الشائع للحملات الاستيطانية وراء البحار).

ولكي يتمكن البطل من تهديم نسق ثقافي وزرع نسق ثقافي آخر، كان لا بدّ له من إخضاع الطبيعة لإرادته (ترويض الطبيعة والحياة، وإخضاعهما للثقافة)، كذلك كان لا بدّ من ظهور شخصية فريدي لإظهار هدف التحويل الذي يرتضيه، فيخلع الأبيض على الملون اسماً مشتقاً من الذاكرة الغربية، فالملون يعرف بهذه التسمية، وهو كذلك يتلقى المثل والقيم والأفكار التي تجعله تابعاً من الطراز الأول، لذلك لم يكن غريباً أن يعلمه أول عبارة بالإنجليزية (نعم سيدي Yes sir)، وكأن المطلوب من الأبيض أن يخرج الآخر المنسي من وحشيّته، ويدرجه في سياق الكينونة البشرية الحقيقية التي وضعها الأبيض.

وحين ينجح الأبيض في العودة إلى بلاده (مسقط رأسه)، يترك أرضاً مأهولة وإنساناً له تاريخ ولغة وعقيدة، ويظل اتصال كروزو عبر البحار قائماً بالمكان الذي قام ببنائه، والإنسان الذي أعاد تكوينه، وهنا يظهر المغزى الكبير في دلالة واضحة على فكرة المستعمرات التي تحيا من خلال ارتباطها بما وراء البحار بالإمبراطورية(46).

وعلى غرار الفكر الذي يحتم سريان حضارة الأبيض في تضاعيف عالم الملون ليتم الارتقاء به إلى مستوى البشر، يظهر لنا روائيون كثر آمنوا بأن الإمبريالية شيء حتمي، وأن البدائية الشديدة للأفارقة تبرر رسالتها، وهكذا ينسى كونراد وكبلنغ أن الإمبريالية بنيت في الأساس لتحقيق الهيمنة على المستعمر، فيكتبان من وجهة نظر نظام كولونيالي، تصدر عن إيمان عميق بقيمة الحكم البريطاني والهيمنة الإمبريالية، فكبلنغ – على سبيل المثال – في روايته (كيم) يفترض بكل بساطة أن التمرد الهندي كان الكارثة التي خلقت الصدع بين الإدارة البريطانية والسكان الهنود، ومن ثم كان انتقام الهندي غير مبرر، وكانت صرامة الأبيض أمراً ضرورياً ويبقى الأبيض رغم ذلك حاكماً أخلاقياً. أما عالم الملونين، فهو العالم الخامل المملوء بآكلي لحوم البشر، والذي يفتقد لمقومات الإنسان(47). وكما قدم لنا كبلنغ عالماً استعمارياً يعيد صياغة العالم طبقاً لشروطه، فإن جين أوستن في روايتها (روضة مانسفيلد) تبعث أيضاً رسالة إمبريالية مفادها إنك لكي تحصل على حقك في مانسفيلد بارك، عليك أولاً أن تترك وطنك، ومن ثم لديك الوعد بالثروة الأصلية(48)، كذلك يستمر ألبير كامو في رواية (غريب) في تمثيل دور إمبريالية ولّى عهدها – في وقت كانت فيه بريطانيا تغادر الهند، وينأى عن معارضة أو حتى مناقشة حملة الهيمنة التي شنت على الجزائريين(49).

كثيرة هي المواقف التي تنبئ عن كفاءة استثنائية للقيم الغربية، مقابل قصور استثنائي لقيم الملونين، فالأبيض هو حامل الخير المطلق، وعليه تقع مهمة ترحيل هذا الخير إلى عالم الشر الأسود الوحشي، حتى حين يتم تكييف هذا الأسود وإخضاعه للمنظومة الغربية، يصبح من غير الممكن السماح له بالاستقلال وبصياغة الحرية الخاصة به، وإنما عليه أن يستمر في خدمة السيد، وعليه أن يبقى تابعاً له.

لعل هذه المواقف السابقة وغيرها، دفعت نقاد ما بعد الاستعمار أمثال (هومي بابا، وفرنز فانون، وروبرت يونغ) إلى توصيف الاستعمار بأنه اختلال مرضي على مستوى دولة بأكملها(50)، وهو الاختلال الذي يتضح لنا حتى لدى أولئك الغربيين، حتّى من يثني منهم على الحريات الديمقراطية، مثل (جون ستيوارت مل)، الذي يعزف عن تطبيق هذه الحريات على الهند، بدعوى أن البريطانيين كانوا في الهند لأن الهند بحاجة إليهم، وأن الهند دون الإنجليز سوف تسقط في الخراب، وبالتالي فإن واجب الإنجليز هو حماية المستعمَر من بربريته ووحشيته(51). الأمر ذاته نجده لدى (ألكسيس دي توكفيل) المفكر الفرنسي ابن القرن التاسع عشر، الذي كان يمثل القيم الديمقراطية الغربية والليبرالية، وكتب تقييماً للديمقراطية في أمريكا، انتقد فيه سوء معاملة الأمريكيين للهنود الحمر وللسود، إلا أنه في مرحلة لاحقة، في أواخر الثلاثينيات والأربعينيات من القرن التاسع عشر –  حيث كان جيش الاحتلال الفرنسي بقيادة المارشال بيجو يشن حرب تهدئة وحشية ضد الجزائريين المسلمين – يفاجئنا هذا المفكر، ونحن نقرأ ما كتبه عن الجزائر، بأنه لا يدين المحرمات التي ارتكبها الفرنسيون، وهي نفسها التي أثارت اعتراضه الإنساني العميق حين ارتكبها الأمريكيون. وهو بذلك يمثل مدى افتقار الغربي للإحساس بوجود معيار عالمي للسلوك الدولي، فالهمجية الفرنسية كانت مبررة إذ صدرت من أبناء وطنه، وهي ليست كذلك حين صدرت من الأمريكيين، فالمسلمون يستحقون أن ترتكب المجازر بحقهم لأنهم ينتمون إلى دين أدنى منزلة، ولا بدّ من تأديبهم(52).

هذه الازدواجية في العقلية الغربية، أو ما أصبح معروفاً في أيامنا هذه عبر مصطلح (الكيل بمكيالين) تظهر في الرّواية الغربية لدى حُضور شخصيّة المستعمِر الغربيّ، الذي يدّعي الإنسانية لكي يمارس التأله والتميز والطغيان والإلغاء، والذي قد يشجب أعمال العنف التي يقوم بها الطرف المقاوم، في وقت يفاجئنا فيه هو بأقسى وأبشع أشكال العنف، فما يستبعده المستعمِر أو ينفيه على وجه، إنما يُحضَّر ويُعقَّل بوجه آخر، أو على صعيد مغاير، فيفاجئنا بالاستبداد من وراء عشق الحرية، أو يدعو إلى المساواة فيما لا يقدر إلا على إنتاج التفاضل والتمايز، وهو ما يغفله أولئك الذين يحاربون الفاشية لكي يمارسوها على نحو مضاعف بإرهابهم الفكري. وهذا شأن من يدعو إلى الحرية، في وقت يمارس فيه على البشر وصايته النخبوية لكي يستبد بهم بوصفه أولى منهم بأنفسهم(53).

هذا التعارض المجحف بما يحمله من ترتيب مضلل يمكن أن يُرد إلى التمايز المطلق الذي يحس به المستعمِر الغربي تجاه الآخر، وهو التمايز الذي يمنحه الحق الأخلاقي لاختراقه الآخَرَ بحجة تخليصه من وحشيته ووثنيته وهامشيته، فيعمل بشكل منهجي ومقنن على تشويه الحالة الإنسانية لذلك الآخر. الأمر الذي كانت له تجلياته الواضحة في الرواية عموماً، مما يقتضي قراءة منتجة وفاعلة لهذه الروايات، تمكننا من رؤية الواقع عبر أدوات وآليات تكشف مكنونات الثقافة الاستعمارية، التي حرصت عبر مؤسساتها الثقافية على وضع الرواية في إطار من الضغوطات المعلنة أو المضمرة، بهدف إضفاء الشرعية على الوجود الاستعماري في المستعمارت النائية.

في ظل هذه الثقافة الاستعمارية، كان لا بدّ من ظهور (القراءة الطباقية)(54)، وهي قراءة هدفها مواجهة سياسة الغرب الاستعمارية، والعمل على منح الحضور لأولئك الذين يعيشون في الأطراف القصية من العالم، فإذا كان همّ الرواية الاستعمارية تصوير الأراضي المستعمرة على أنها خالية ومهجورة، فإن ظهور ما يعني خلاف ذلك يصبح أمراً ضرورياً، كذلك فإن حرص الرواية الاستعمارية على جعل الشخصيات الغربية هي المهيمنة داخل العوالم المتخيلة التي ينجزها السرد، يجعل من الضرورة بمكان إظهار الشخصيات غير الغربية على خلفية الأحداث الأساسية، وعدم الاكتفاء باعتبارها محفزات سردية يتطور في ضوء وجودها مسار الأحداث(55).

كان لا بدّ أيضاً من ظهور مؤلفات من مثل (خطاب عن الاستعمار) لإيمي سيزار، الذي يشكل في مجمله صرخة مدوية تهدد بانهيار الحضارة الغربية وجنونها، ويظهر أن سياسة الغرب الاستعمارية خالية من أية نزعة إنسانية، وبأن أخلاق الغرب تعتمد على الكذب كما تتصف بالنذالة(56)، فهو (أي المستعمر الغربي) يدّعي مزية الرجل الأبيض على الأسود، ويزعم أن الزنوج خلقوا بطبيعتهم للاستعباد، وينسى أو يتناسى أنه هدم كل حضارة إفريقيا، وقوّض دعائم وطن باستخدام الضغط والإرهاب والسجن والسرقة، مما أدخل الأسود في خانة من الخوف والخنوع وذل السؤال.

وإذا كان المستعمِر يستخدم ثقافته وأفكاره لعرض وجهة نظره في إطار من ثقافة إمبريالية خالصة، فإن إيمي سيزار يرد في إطار الثقافة الأصيلة، التي تتحدى وتحاول أن تفند أقوالاً كثيرة صدرتها الاستعمارية ، في مسار يقترب من القراءات المتوازية التي طبقها إدوارد سعيد حين وضع الثقافة الأصيلة مقابل الثقافة الإمبريالية، فكانت (نجمة) لكاتب ياسين فعلاً موازياً (لغريب) كامي، وكان كتاب (في وصف مصر) مقابل (عجائب الآثار) للجبرتي، وهكذا.. حتّى إن بطل (موسم الهجرة إلى الشمال) يمثل شكلاً من أشكال المجابهة الحقيقية للغرب، إذ يصيح (إنني جئتكم غازياً)، وهو يتصور نفسه إلهاً إفريقياً يخوض معركة جنسية، يراها البعض سادية، والغرض منها تحقير الآخر وتدميره بلا شفقة، ففي اللاوعي يقيم بطل هذه الرواية “مفارقة حادة بين صنيع الإنجليز في السودان الذين استعمروه فاتحين بالقوة العسكرية الفائقة وبين صنيعه هو، إذ إنه أتاهم غازياً في عقر دارهم في لندن، ليثأر مما فعلوا، وينتقم بوسيلة أخرى، وهي غزو نسائهم”(57).

هذا لا يلغي حضوراً واضحاً لنمط روائي تواءم مع الفرد، ولم يشكل حالة طباقية كتلك التي ذكرناها، وهو نمط اتسم تعامله مع المستعمر بالانبهار السلبي، باعتباره بديلاً محتملاً يمكن أن يحدث التغيير المطلوب لأنماط وأساليب العيش التقليدية في وطن يعاني من التخلف، فلدينا في الرواية العربية أنماطٌ سعت بشكل خطير إلى تماثل كامل مع الغرب، مؤمنة برقيه وتطوره، وبوجوب السير على خطاه، وهذا ما يمكن رصده في رواية (في الطفولة)(58) لعبد المجيد بن جلون، التي تطرح الغرب على أنه المثال الذي يجب أن يحتذى، بل تجعله إطاراً مرجعياً لكل ما في الحياة، فبطل هذه الرواية في مراكش لا يفتأ يحدث أصحابه عن صور الحياة في المدينة الإنجليزية، مظهراً البون الشاسع بين مراكش ومانشستر، متعرضاً لصورة المدرسة، وتقاليد الأكل والشرب والاغتسال، وطرق البيع والشراء.. إلخ، مضخماً المظاهر السلبية في الشخصية العربية، وللمجتمع العربي برمته، الذي يبدو فيه كل شيء غريباً، أطفاله ونساؤه ورجاله وأكله وبيوته. فيتلقى القارئ رسالة مفادها أن الغرب هو الوجه الحضاري المتفوق على الشرق بلا منافس.

أما الآن، ومن خلال التطور الفكري الذي أحدثته مجموعة التراكمات التاريخية، فقد نما حس نقدي مرهف لدى الروائي العربي، جعله يتوقف عن الإعجاب المفرط بالغرب، كما نشأ إحساس بالإحباط ناجم عن تكشف الغرب من خلال ما ظهر من ازدواجيته (حالة الفصام بين النظرية والتطبيق)، فإن كانت نظريات الغرب ممتلئة – كما تقدّم – بأفكار عن الحرية والمساواة والإخاء والديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فإن الخبرة التاريخية المريرة التي جابهتها الشعوب العربية جعلت الروائي العربي يتعامل مع الغرب بحذر شديد، وكذلك فعل محمد زفزاف في روايته (المرأة والوردة)(59)، فالراوي رغم انبهاره برموز الحضارة الغربية، يدرك أن هذا الوجه الحضاري للغرب يخفي وجهاً آخر يتسم بالاستعلاء والازدراء لكل ما هو عربي، لذلك نعود إلى القول إن نصوصاً معارضة بدأت بالظهور والانتشار، وهي في مجملها تمثل فعل الهدم والتفكيك، وترفض الأوحدية لأنها تصادر الحقوق، فالأمور لم تعد تجري كما تريد الأكثرية المتجبرة، أو الأقلية المهيمنة، فثمة أكثر من وجه للحقيقة وأكثر من قراءة لما يجري حولنا.

من هذا المنطلق (رفض الأوحدية)، أصبح ينظر إلى دراسة باختين عن الرواية باعتبارها جزءاً من رؤية ما بعد الاستعمار، فالرواية من وجهة نظر باختين، تنهض على تعددية الأصوات، ويذكر في هذا السياق أن باختين هو واحد من أولئك المثقفين المهاجرين شأن مثقفي ما بعد الاستعمار، ويشبه في دعوته إلى اللغة التحررية رولان بارت، كما يشبهه في تفضيل الحرية على السلطة، لذلك نجده قد احتفى بالكتاب الذين تتيح أعمالهم أقصى درجة من الحرية للأنساق المختلفة من القيمة، والذين لا يفرضون سلطتهم على البدائل المختلفة، ففي كتابه (شعرية دوستويفسكي)(60)، لا نسمع الأصوات المتباينة في روايات تولستوي، إلا وهي خاضعة خضوعاً صارماً لهدف المؤلف المتحكم على نحو لا نواجه فيه سوى حقيقة واحدة فحسب، وهي الحقيقة التي يراها المؤلف. مقابل نمط صوّره دوستويفسكي الذي عبّرت شخصياته المختلفة عن وجهات نظرها، بحيث لم يمتزج وعي هذه الشخصيات بوعي المؤلف، بل بقيت محتفظة باستقلالها.

قد يبدو نصٌّ ما لنا وحيداً أو منفرداً، إلا أن “كل كتاب يفضي إلى كتاب، وكل كتاب جديد يفضي إلى كتب، والكتب الكثيرة توسع المعارف، وتقصي اليقين”(61) ومن هنا تأتي القراءة المبدعة لتقارن نصوصاً متعددة الأزمنة تجمع بينها قرابة محتملة، أو قرابة مخترعة، قررتها العقول التي لا تعرف اليقين(62)، وتماشياً مع هذا القول مثّلت رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” تعارضاً مع (قلب الظلام) لجوزيف كونراد، ومثلت “ملك الذباب”، لوليم غولدنغ تعارضاً مع روايات الجزر ابتداء “بروبنسن كروزو” الآنفة الذكر، كذلك كانت رواية “بحر ساركوسا الواسع” الآنفة الذكر أيضاً. وهي في مجملها وغيرها من الأعمال كانت حريصة على إحياء أصوات مكبوحة ومكبوتة داخل النصوص الأمّهات.

إذن، جاء وقت يسمح فيه لثقافات أخرى وشعوب مختلفة بالوجود الإيجابي الفعال، وهو وقت شاعت فيه الدراسات ما بعد الاستعمارية التي تتهم المركزية الغربية بِجَعْل العالم يدور في قطب واحد، وبأنّها جعلت ما عداها بدائياً ومتخلفاً. وفي هذا السياق أصبح لزاماً على قارئ الرواية أن لا يبحث فقط عما تقوله الأساليب الفنية، بل يبحث عما يختفي وراء هذه الأساليب من الغائب والمسكوت عنه، فهي تشير إلى الحاضر بقدر ما تشير إلى الغائب، والقارئ يرفع الأغطية عن المضمر، ويهتم كذلك بالمضمر حين يكون نقيضاً ومضاداً للعلني(63). ومن هنا شاع في تحليل أدب المستعمرات استخدام مصطلح (التورية) باعتبارها مصطلحاً ثقافياً يشتمل على معنى مستقل داخل الثقافة، ويكتسب أهميته بارتدائه القناع الأدبي داخل النص، وبمهارة القارئ في إزالة هذا القناع.

من المفترض أن يجتمع للقارئ وعي بالمعنى الأدبي يتيح له فرصة التعامل معه، بما يحمله من تجليات جمالية مكشوفة، ووعي ثقافي يتيح له فرصة التعامل مع المعنى داخل الثقافة، وهو معنى مضمر يتطلب الكشف عنه أدوات خاصة، تأتي التورية في مقدمتها؛ فهناك ازدواج دلالي ذو اتّجاهين: أحدهما واع وأقل تأثيراً، والآخر عميق ومضمر وأكثر تأثيراً(64). ولتوضيح هذا الأمر ننظر في دراسة قامت بها ماري لويز في التسعينيات من القرن العشرين في تحليل أدب الرحلة، حيث تؤكد إمكانية دلالة النص على عكس ما يوحي، وذلك من خلال إبراز تكرار بعض أنماط تسلسل الأحداث، الأمر الذي جعلها تصف النصوص الاستعمارية بأنها تقوم بوصف بؤس الأهالي، وتركز على صعوبة إرغامهم على العمل الشاق، وهو أمر يوحي في ظاهره بالكسل، لكن هذا الأمر، قد يكون في باطنه مقاومة ورفضاً للمساهمة في الحكم الاستعماري(65).

يبقى من الطبيعي أن نتساءل أثناء بحثنا في انشغالات كتابة ما بعد الاستعمار –التي كانت الرواية ملاذاً لها – فيما إذا كان الخطاب الاستعماري خطاباً متجانساً، أم أن هناك خطابات مختلفة له. والحق أن كثيراً من الدراسات التي حققت في هذه القضية توصلت إلى القول بأن الاختلاف في المنظور، أو القول بوجود خطابات مختلفة في فترة الاستعمار لا تصور كلها الأهالي بطرق سلبية، يعود إلى اختلاف السياق الذي كتبت فيه نصوص بعينها، فالثقافات التي قاومت التغلغل الاستعماري نعتت بالبربرية وأكل لحوم البشر، وكان ذلك مبرراً للقضاء عليها. أما الثقافة التي رضيت بالحكم الاستعماري، وربما تعاونت مع السلطات الاستعمارية في إقامة المستوطنات، فإنها كانت توصف عموماً بالثقافات المتحضرة والمحبة للسلام(66).

نخلص إلى القول إنّ أي تعميم تتبناه حضارة ما تجاه الحضارات الأخرى، ينطوي على نظرة ترتيبية عنصرية تجاه الشعوب والمجتمعات، لذلك يتحمّل قارئ النصوص الاستعمارية مهمة رفض هذه التعميمات والعمل على تحطيم القوالب الفكرية التي تتمحور حول الصورة النمطية للشعوب المستعمرة.

وأخيراً، يحضرني في هذا السياق بطل ديستويفسكي في (مذكرات من داخل القبو) الذي يعلمنا أن الحقيقة التي ترد على لسان الآخرين بشأن إنسان ما، دون أن توجه إليه بطريقة حوارية، تصبح قاتلة لهذا الإنسان، فالإنسان ليس قيمة محددة ونهائية، يمكن أن تبنى عليها حسابات ما، فالإنسان كائن حر وبإمكانه أن يخرق كل ما هو مفروض عليه، لهذا لا بدّ من المبادرة إلى التحديد الممكن، ومن ثم التقويم والتجاوز، ويكون هذا بتدقيق النظر في كل مرايا الآخرين. وفي النهاية يصبح صاحب أية صورة هو صاحب الكلمة الأخيرة، حين يكون حريصاً على أن تبقى الكلمة الأخيرة من نصيبه هو(67).

 

خامساً: اللغة والاستعمار

الكتابة بلغة الآخر، موضوع جدلي أعاده إلى واجهة الحوار الثقافي مؤخراً رحيل الشاعر المارتينيكي إيمي سيزار في السابع عشر من نيسان 2008، وهو الأديب الذي قال: ليس لدي مشكلة في الكتابة بالفرنسية، وليس هذا ما أردته، ولكن الذي حدث أن اللغة التي كتبت بها هي اللغة التي تعلمتها بالمدرسة، على الرغم من استمراره في التأكيد على الخصوصية وعلى الحصانة الثقافية، فهو من أطلق مصطلح الزنوجة، ودافع عنه وكرّسه، وهو القائل “ليس ثمة استعمار بريء”.

الكثير من الكتاب يبررون كتابتهم بلغة الآخر بقولهم إن جميع البلدان تحولت إلى مجتمعات ذات طابع أممي، حتى إن (إنيتا ديساي) الهندية التي تكتب بالإنجليزية نجدها وقد أطلقت فكرة مثيرة للجدل، مستفيدة من التعدد اللغوي الهائل في بلادها، فتجعل من الإنجليزية المحلية لغة أخرى تضاف إلى اللغات الهندية، كذلك يرى الطاهر بن جلون أن الانفتاح على الثقافة الفرنسية لا يعني فقداناً للهوية، وبدوره يرى الإسباني خوان غويتسولو أن الكتاب المغاربة الذين يكتبون بالفرنسية، يعملون على صعيد المعنى بمعزل عن روح اللغة الفرنسية التي يكتبون بها(68).

في المقابل نرى من يخالف هذا المنهج، ويرى أن مناقشة كتابة ما بعد الاستعمار هي بشكل عام مناقشة للعملية التي يتم بها تحريف اللغة بما لها من قوة، وتحريف الكتابة بما تحتويه من دلالة على السلطة، وإبعادها عن الثقافة الأوروبية المهيمنة، وقد يكون المطلوب أحياناً إلغاء مكانة الإنجليزية أو التنكر لها، وهو ما ينطوي على رفض لسيطرة القوة الإمبريالية، ولجمالياتها ومعاييرها الموهومة، فيما يمكن أن يطلق عليه (عملية الاستحواذ) وهي العملية التي يتم بها أخذ اللغة وتهيئتها لكي تحمل حمولة التجربة الثقافية الخاصة لشخص ما، وبالتالي نكون أمام لحظة حيوية لنزع الطابع الاستعماري عن اللغة والكتابة الأجنبية(69).

يمكن القول إن دراسة الإنجليزية، وتنامي الإمبراطورية قد تطورا في مناخ إيديولوجي واحد، وأن تطور أحدهما كان محكوماً في جوهره بتطور الآخر، على مستوى واع دعائي يبرز الوحشية والبدائية باعتبارها قيماً تستدعي الإصلاح، فهناك ربط واضح ما بين المرحلة التاريخية التي شهدت ظهور الإنجليزية علماً أكاديمياً وتلك التي أنتجت الشكل الاستعماري من الإمبريالية في القرن التاسع عشر، فالإدارة الاستعمارية البريطانية بمساندة البعثات التبشيرية اكتشفت في الأدب الإنجليزي حليفاً يعينها على قمع التمرد، وعلى السيطرة على الشعوب الأصلية، وذلك تحت مسمى التعليم الليبرالي(70).

يبدو جلياً أن التحكم في وسائل الاتصال – كما يقول تودوروف – هو مبدأ أساسي يمنح القوة لأي مشروع استعماري، وأن ما يكشف عن التحكم دائماً هو السلطة المفروضة على نظام الكتابة(71)، حتى إننا نجد على مستوى الممارسة الكتابية تفرقة شائعة ومعروفة بين الإنجليزية English، والإنجليزية english، كإشارة إلى الطرق المتعددة التي يمكن بها توظيف اللغة لدى جماعات مختلفة في عالم ما بعد الاستعمار، فهناك لغة المركز الإمبريالي (English) مقابل لغة الهوامش (english) التي تشكلت في إطار خطاب قامع، وكان عليها أن تستخدم اللغة بطريقة مختلفة، بحيث تصبح قادرة على حمل التجربة الخاصة لأهلها(72).

لذلك ظهرت لدينا توجهات ورغبات في استخدام الإنجليزية بطرق مغايرة، أبرزها محاولات الفرار من قيم الإنجليزية الجمالية والاجتماعية، بتطوير استخدام ملائم، أو انزياح لغوي عن إنجليزية رسمية أو معيارية، وهو ما فعله الكاتب النيجيري تشينو أتشيبي، وحذا حذوه الكاتب الهندي راجاراد(73).

هذا الانزياح لا يعني – بطبيعة الحال – أن الإنجليزية عاجزة عن وصف التجربة ما بعد الاستعمارية، وإنما قصد بذلك الاتجاه نحو إنجليزية أكثر إيجابية وحساسية، وتعبر عن الإحساس بالرفض، وهو الإحساس الذي دفع كثيراً من كتاب ما بعد الاستعمار إلى التخلي في فترة من فترات إبداعهم عن استخدام الإنجليزية أو سواها للعودة إلى اللغة الأم، وهو ما فعله الكاتب الكيني (نجوجي وإيثونجو)- قرأنا له بالعربية تويجات الدم- الذي قرر أن يكتب بلغة Gikuya، أو لغة الكي سواحيلي Ki-Swahili، بدلاً من الإنجليزية(74).

نخلص إلى القول إنّ كتّاب ما بعد الاستعمار رأوا ضرورة في الخروج عن لغة تستعمر العقل، وتتحكم في الإنتاج والتوزيع والقراءة، فالكاتب في الدول المستعمَرة عليه أن يتحدث إلى الناس باسمهم وبلغة تحمل ثقافتهم، ويتصدى للغة قد تمارس قمعاً وحشياً تُفقِد المستعمَر صوته الخاص(75).

***

وأخيرا، إذا كانت هذه الدراسة قد سعت إلى تقديم بعض المسائل الخلافية التي شغلت كتاب ما بعد الاستعمار، ضمن قراءات ورؤى متعاكسة تفكيكية، فإن الوجهة التي تميل إليها تنحو باتجاه رفض الأوحدية باعتبارها جزءا من رؤية ما بعد الاستعمار. والمطلوب هنا هو التعامل بحذر مع منظومات القيم التي طورها المستعمر المتفوق، وجعلت العالم يدور في قطب واحد، وأصبح لزاما رفض أي تعميم تتبناه حضارة واحدة بعينها تجاه الحضارات الأخرى، والعمل بشكل دؤوب على التصدي لكل أشكال الشقاء والظلم البشريين، باستحضار كل ما من شأنه تفكيك الخطاب الاستعماري، سواء كان ذلك عبر الهوية الخاصة بثقافة المستعمَر، أو إعادة قراءة الأعمال الأدبية بطريقة تنصف صوت التابع، بعيدا عن أشكال التسلط البشري، وضمن رؤية تعترف بقوة اللغة وقدرتها على حمل تجربة ثقافية مضادة غرضها نزع الطابع الاستعماري عن كل ما يقدَّم بصفته أدبا.

ــــــــــــ

الهوامش لم يتم نشرها للاسف

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: