اللّوح المثقوب-وليد طبابي

img

اللّوح المثقوب-وليد طبابي
أخذ نفسا عميقا و أغمض عينيه،كان طعم الأكسجين غريبا على منخره المدبب،مدّ يده  في حركة سريعة كلاعب خفّة متمرّس لتلتقط منديلا من فوق طاولته المهترئة،تسارعت دقات قلبه مع تسارع حركاته، تضامنت حبات العرق على جبينه مع ارتعاشة رجليه كأروع صورة للتضامن في جسد الإنسان،صوت سقوط علبة الطباشير يردي شبح الصمت قتيلا،كان ارتطام أصابع الطباشير ببلاط القسم كقرع لطبول تعلن دخوله إلى متاهة الماضي.ماض جعله سجينا لسنوات خلف ترائب صدره المظلم،كانت تجمعه قصة عشق كبيرة بالطباشير فمكافأته بإصبع منها من شيخ الكتاب “صالح” يكون بمثابة وسام للشجاعة يعلق على صدر محارب بطل، كان يتقدم بخطا ثابتة و يتلقاه بكلتى يديه كتاج يقدّم لإمبراطور في حفل تنصيب ،كان يسعى بكل الطرق لإرضاء شيخ الكتاب و الذي كان بدوره يميزه عن بقية الأطفال فهو يخصه بوقت إضافي بعد انتهاء دروس حفظ القرآن،يمسك يده الصغيرة و يَجُوسا في خلوة مجاورة للكتاب،يضعه في “حجره”،يربت على رأسه،على كتفه،على ظهره،على مؤخرته،ينزع جبة الرّب و يرتدي جبة الشيطان. يتذكر كل ذلك و يتبادر لذهنه مقولة لجدّه :” تمضي الأغنام حياتها تحتمي بالرّاعي خشية الذئاب الجائعة،يقتل الراعي منها ما يشاء متى يشاء و تُقضّي الأغنام أعمارها في إعطاء قرابين لإله يدَّعي حمايتها من خطر قد لا يأتي”.يرتبك، تنتفض الشعيرات ثائرة في كامل جسمه الصغير،تقمعها حركات يد الشيخ الذي وصلت به الحقارة و الصفاقة حد المجون و بات كأخطبوط ألم بفريسته،عجز عن الحراك،خانته كل أعضائه،هو الآن عار ممدّد على الأرض لا يرى ما يجري خلفه لكن الآلام التي تمزق مؤخرته تكفلت بإعطائه صورة عن الوضع،غاب عن الوعي من هول الموقف،كان معجبا بشيخه صالح و فصاحة لسانه و حفظه للقرآن.
فمن هذا إذن؟كأن آيات القرآن  تطايرت  بعيدا عن مقلة الشيخ و بات عقله يطوف حول هبل و يمجد أبا جهل،تسارعت حركات الشيخ و بات إرتطام الجسدين يظاهي صوت صِلاَلِ السيوف حدّة،حاول الصراخ لكن لا جدوى يد الرّاعي تكتم أنفاسه.عاد أتولاً ذلك المساء،إرتمى على بطنه تلك الليلة فوق فراشه و قد ضاعت عيونه و هي تبحث في المرآة المجاورة لسريره  عن ما تبقى من شخصيته التي تلاشت، أمسك رأسه بين يديه و أخذ يهزّه بعنف علّه يصحو من هذا الكابوس،لكن لا فائدة فما حدث ليس كابوساً،بل هو الواقع الموحش و الحقيقة القاسية.
لعن الشيخ و الكتاب،لعن حبه للعلم و للطباشير،لعن حتى “كرّيطة” عم براهيم التي أوصلته في أول يوم الى ذلك المكان المشؤوم.
إرتطم رأسه بالصبورة فأحدث دويا كبيرا في أرجاء القسم،خارت قواه و زاد إرتعاش رجليه،تحول العرق من قطرات إلى سيول بلّلت جمازته.عادت أطياف الأحداث لتزور مخيلته مجددا، تذكر
يوم قرر أهله ترك تلك المدينة لشحّ الرزق فيها بعد أن تلاشت حظوظ أبيه فالعمل لتردِّي حال سكّانها و فقرهم. قرار الرحيل الى مدينة أخرى
كان بمثابة عفو رئاسي لسجين نسيه الزمان في غياهب زنزانة مظلمة،بالنسبة لأبيه فقد ترك الخصاصة و خرج يبحث عن لقمة العيش أما هو خرج يبحث عن بلسم لذاته العقيمة تاركً خلفه عهر الكتّاب و آلام مؤخرته و جشع الشيخ القاتل للحياة،ترك القرآن المكتوب في لوحه الملطخة بالمنيّ و بدمائه الوردية، فبمجرد إنتقاله الى المدينة الجديدة انتقلت كل القواعد و الضّوابط التي تعلمها إلى جوار ربها.
“إنه صوت الجرس سيدي”                         
نزل الصوت كالمطرقة على رأسه،تدارك نفسه،انحنى بسرعة و أقفل سحابة سرواله،سقط المنديل من يده،تداركه  سريعا،مسح منيه على مؤخرة تلميذه….

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: