اللّحية الزرقاء-فاطمة عسيلي

img
اللّحية الزرقاء-فاطمة عسيلي

 
“يُعَلَّق تحليق طيور السنونو بين الساعة التاسعة صباحا والخامسة مساء”
الانتحار، هكذا، ببساطة، ليس فكرة جيدة، كان عليه أن يخطط للطريقة التي سيموت بها و الأثر الذي سيتركه…
استيقظ في ساعة متأخرة كعادته و جمع في حقيبته كل ما يملك من كتب و نقود. وقف أمام باب مدرسته. ذلك الباب الصغير الذي أغلق أمامه مرار لأنه الباب المخصص للمدرسين و أبنائهم الذين يسمح لهم بالدخول قبل الأوان. نفس الباب يتم إغلاقه ثوان معدودة قبل تحية العلم أمام سيء الحظ. وضع الحقيبة و واصل طريقه.
باب المستشفى مفتوح على مصراعيه، انتشر أمامه الباعة المنتصبين المتمردين. دخل بخطوات سريعة محاولا تفادي الازدحام. أخذ يبحث عن مكتب الناظر لكن دون جدوى.
كلّما زادت رغبته في الخلود، راودته فكرة الإنتحار. ذلك أنه يحبّ الحياة كثيرا، يحبّها إلى درجة أنه لا يستطيع تخيلّها الاّ بصورة مثاليّة.
غريب أمره، كيف استطاع أن يحب مدينته الترابيّة بسمائها الشاحبة و أمطارها القليلة و شوارعها المتسخة و بناءاتها التي تآكل شطرها أمّا الشطر الاخر فهو في حالة ترميم أبدية. غريب حبه لسكانها العبوسين و صلابة طبعهم. غريب أن يقع إنسان في عشق مكان قست عليه الطبيعة و يعجز عن حب ملامح وجهه .
 
غريب هذا الحب. يحدث نفسه كلّما ازدحم الكلام بخاطره، يتذكّر الحماقات التي ارتكبها و يبتسم واثقا أنه سيعيد الكرّة. يكتب بالألوان بيوتا رسمها في خياله.
يستوقفه صاحب اللحية الزرقاء :
– عن ماذا تحبث؟
– مكتب الناظر لو سمحت
-الناظر في إجتماع مهم، عد في وقت لاحق.
بحث عن مقعد شاغر وسط الجموع و جلس ينظر إلى حذائه.
تقلصات عضلية اربكته، وضع يده على بطنه و ضغط بقوة كأنه يحاول إيقاف نزيف حاد. تذكّر أنه في الليلة السابقة أكل شطيرة من محل لبيع المأكولات الجاهزة لم يرتده من قبل، غريب أمر هذا الجسم، فهو بعظمته و تعقيد تركيبته يختل توازنه بسرعة بمجرد ان تغزوه كائنات بسيطة أحادية الخلايا. فتضطرب اجهزته بسرعة.
 
مالذي يدفع الكبار كي يمنعوا أطفالهم من متعة القفز فوق بركة المياه الصغيرة التي تعترضهم أثناء التنزه. هل نسوا سريعا ذلك الشعور الفريد حين تلامس بقدميك سطح المياه و تقفز بسرعة كأنك لم تلامس القاع و صوت احتكاك الحذاء بالمياه يرن بأذنيك.
لما ننظر إلى السماء حين ندعوا الله و لا ننظر الى الأرض؟
الغثيان الذي ينتابه و التقلصات التي تصيب معدته في كل مرة يذكر فيها حبيبته لم يجد لها تفسيرا.
كان يحاول الهرب دون أن يضيع، ثرثرة تملأ المكان، ينظر حوله فلا يجد أحدا. يغلق عينيه و يستمر في الهرب.
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “اللّحية الزرقاء-فاطمة عسيلي”

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: