اللوحة “الغرض” « Tableau Objet »  لدى الفنان المينيمالي مع “فرانك ستيلا”

img

اللوحة “الغرض” « Tableau Objet »  لدى الفنان المينيمالي مع “فرانك ستيلا”

بقلم :  مسعودة بنمرزوق 

اللوحة هي كل مساحة مسطحة رسمت فيها خطوطا وأشكالا وسكب منها الفنان من عقله وروحه وأحاسيسة، لها علاقة مع المتلقي بعدة لغة وهي لغة الحس والابصار، فالشكل في اللوحة الفنية يأخذ أهمية كبيرة، فهو متكون من مجموعة عناصر – مساحة وفراغ ويمتلأ هذا الفراغ بمجموعة من الأشكال والألوان والخطوط والمنحنيات والمستقيمات والأشكال الهندسية أو أنها لوحة متكونة من اطار وفراغات ولكنها تمتلأ بطريقة أخرى وهي مواد وخامات من ورق وقماش ونباتات تلصق على سطح اللوحة.

كان للفنان “جيوتو” دور مهم في النقلة التي شهدها الفضاء الفني بعدما كان قبل القرن الرابع عشر فضاء ميتافيزيقي، فهو عمل على إبراز الحياة اليومية ووضعها على لوحات العائلات المقدسة، فخرج مفهوم الفضاء القديم بذلك من وظيفته الجامدة نحو الفضاء المفعم بالتفصيل الذي يعبر عن الحياة اليومية بتفاصيلها و أدق الأشياء فيه.

صالة العرض اليوم أصبحت المكان الذي نرى فيه أهمية العمل ويمكن أن نرى من خلاله أيضا تطور العمل. الفنان التشكيلي يلعب دورا مهما بالوعي بالمحيط، فهو يقتصر على الصورة التي أصبحت مهمة في جميع المجالات وهو الحس التعبيري الذي يكسر جميع الحواجز، فالفنان لابد أن يعبر عن واقعه ولكن بطريقة فنية لا تقريرية، يطرحه لتساؤلات ولينخرط الجميع في هذه العملية الإبداعية، فالفنان لا يجيب عن الأسئلة بل يطرح الأسئلة ويثير الفضول عند المتلقي.

لعل ستينات القرن الماضي شهدت ولادة أفكار جديدة كسرت الحواجز التقليدية التي تفصل بين الفنان والجمهور، فقد وظف بطريقة الغرض تجعل من المتلقي يعيد النظر فيه  وينمي ملكة النقد لدى المشاهد باعتبار أن الفن المعاصر يركز على مبدأ الفن كفكرة وليس لاستعمال الجسد المباشر “الفكرة كفكرة”

فكرست الممارسات الفنية مثل الفن المنيمالي اهتمامها للعمل حول دائرة “الغرض   «Objet»  فالغرض في مفهومه الفلسفي هو “الموجود الخارج عنا والذي نفكر فيه…والذي ينحدر من الشيء هو الهدف وفي المقابل الذاتية الذي تتأتى من الموضوع”.

فلكل فنان اسلوبه في توظيف وعرض “الغرض” في ممارساته التشكيلية سواء كان هذا الغرض مصدره من المحيط الطبيعي أو البيئة المحيطة حيث يكون للفنان القدرة على استثمار هذا الغرض وادماجه ضمن عمله الفني.

فنأخذ الفنان فرانك ستيلا الذي يُعتبر واحدا من اكبر الرسّامين الأمريكيين الأحياء. وقد ولد في ماساشوسيتس في مايو من عام 1936 ينتمي الى الفن المينيمالي « Minimal Art ». حيث توجه لأول مرة نحو التجريد الهندسي الذي يميل لإزالة أي أثر للفن التصويري أو أي تدخل من يد الفنان، وأي علاقة حسية بين الفنان ولوحته.

إن أعمال الفنان فرانك ستيلا هي أعمال تحتوي على تأثيرات تشكيلية تكشف عن مدى علاقتها بالجسد المنتج والإنسان القارئ والمتقبل لهذه الأعمال الفنية التي تأخذ شكل جديد تبتعد فيها عن القراءات التأويلية.

بدأ فرانك ستيلا أول أعماله باللوحات السود فهي التي مثلت الأساس في أعماله، فغاية ستيلا الأولى هي الابتعاد عن الجانب التأويلي للعمل الفني والشعوري والنظر إلى العمل الفني على أنه “غرض” لا شيء سوى “غرض”. هذا ما نراه في هذا العمل لفرانك ستيلا بعنوان “لا يحدث شيء”.

Frank Stella, 1964

Peintures noires, Motif, Rien ne se passe

 

اعتمد ستيلا في هذا العمل طريقة “المحمل المشكل”  وهو عبارة عن رسم، نحت ابتدعه بتخليه عن الشكل الهندسي البسيط للوحة وإعادة قصها بأسلوب هندسي مركب مثل ما نجده في هذه اللوحة التي تخلت عن الشكل التقليدي للوحة مربع، مستطيل، دائرة بل انها اكتست أسلوب مركب، الذي اعتمد فيه الفنان الأدوات الهندسية ليبني فضاء لا تتداخل فيه الخطوط بل تتجه في مسار واحد.

نرى هنا في هذه اللوحة التنظيم الهندسي المنظم الذي صاغه الفنان، فنجد خطوطا بيضاء رقيقة ومتساوية في السمك، تفصلها أشرطة سوداء بسمك أكبر متساوي هام جدا. إذ نرى تدرجات ضوئية تجمع بين الأبيض والأسود فنلاحظ بذلك أهمية هذه القيمة الضوئية التي تتمازج مع المحمل.

نشاهد هذا المحمل عبر رؤية جديدة تبتعد عن كل القراءات، فكأننا نرى بذلك صراع خطي يبدو جليا على هذه اللوحة الذي يوحي بالنظام والدقة، هذه الخطوط التي تتفرع على اللوحة عموديا وأفقيا تجعل العلاقة متكاملة فيما بينهما.

اعتمد فرانك ستيلا على الازدواجية الصورية، الصورة تتمثل في التكرار للشكل الذي يتجه نحو العمق أو نحو السطح، فهذا الترتيب المتكرر للأشكال يوحي بالعمق فتكون الأشكال الهندسية أكثر تحديدا.

فهو يقول “إن ما يظهر في العمل وما يمكن مشاهدته هو شيء موضوعي أذ ما أنتم تشاهدونه هو ما أنتم تشاهدونه” التخلص من كل ما هو غير أساسي “نلاحظ هنا أنه يقدم اللوحة “كغرض”، يجعل من المشاهد يدقق في اللوحة وفي شكلها لا غير دون تأويل لا يعتمد على الجانب الحسي والعاطفي للوحة بل اللوحة هي الغرض.

ويتعزز مفهوم “الغرض” باستعمال “المحمل المشكل” الذي تجاوز الشكل الهندسي البسيط. وينفي ستيلا بذلك مفهوم اللوحة عند جاكسون بولوك المتميزة بالفعل التلقائي ويعزز مفهوم الغرض بحد ذاته. “فالمحمل المشكل” أظهر لنا علاقة جديدة بين العناصر التشكيلية والمحمل الذي ارتاد فضاء جديد فهو يريد أن يبرز أن لاشيء في لوحاته أبعد من السطح.

امتازت لوحات فرانك ستيلا بطابع خاص وبخاصيات تشكيلية متجددة تبتعد عن اللوحة التقليدية من خلال خطوطه المستقيمة التي تمتاز بالتكرار. فهو يركز على الخطوط في لوحاته التي شكلها بطريقته الخاصة المحمل ذات اشكالية متغيرة.

إذا نرى ان المحمل لدى فرانك محمل متجدد، محمل بطريقة فريدة، محمل يبتعد على شكل اللوحة القديم الى لوحة مقطوعة يشكلها هو كما يريد من خلال ابرازه للوحة الغرض دون تأويل شكلا وتشكيلا، فنتحدث هنا عن استقلالية “الغرض” في أعماله التي باستطاعتنا أن نلخصه انه عالم من تجربة الظواهر، فهي أشياء بسيطة ومعزولة.

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: