الكيمياوي السّوري مُجَدَّداً ، أو الأكاذيبُ المُؤسِسَةُ للسياسةِ الأمريكيّة

171

الكيمياوي السّوري مُجَدَّداً ، أو الأكاذيبُ المُؤسِسَةُ للسياسةِ الأمريكيّة

بقلم : هادي دانيال

بَعْدَ أنْ تَمَكَّنَ الجيشُ العَرَبيُّ السُّوريُّ وَرَوَافِدُهُ الوَطَنيّةُ وَحُلفاؤهُ الإقليميُّون والدَّوليُّون مِن تَقْوِيضِ الإرهاب المُنَظَّم وأدواتِهِ مِن تكفيريّين ومُرتَزِقة ، هذا الإرهاب الذي اسْتَهْدَفَ الشَّعْبَ السُّوريَّ وَدَولَتَهُ الوَطَنِيّة على الأراضي السّوريّةِ كافَّة بِدَعْمٍ شامِلٍ مِنَ الإدارَةِ الأمريكيَّةِ وحُلَفائها الفرنسيّين والبريطانيّين والإسرائيليّين والخليجيّين والأتراك وغيرهم ، وَبَعْدَ أن أعْلَنَ الرئيس الرّوسي فلاديمير بوتين النَّصْرَ على الإرهابيّين في سوريا ، عاوَدَتْ إدارَةُ دونالد ترامب الإرهابيّة مُحاولاتها اليائسة لإعادَةِ “الأزمة” في سوريا إلى المُرَبَّعِ الأوَّل مِن أجْلِ تَصْعِيدِ التَّوَتُّرِ في المنطِقةِ مُجَدَّدَاً لِتَنْشِيطِ سُوقِ أسلِحَتِها وإملاءِ إرادَتِها على سُوقِ النّفطِ وَأسعارِهِ وَإنقاذِ الدّولار الأمريكي الذي تَتَدَحْرجُ قيمتُهُ نُزُولاً أمامَ العُملاتِ الصّعْبَةِ الأخرى.

وَبَعْدَ أن تَلَمَّسَتْ اللا جَدوى مِن التَّسَلُّلِ إلى الشّمال السوري عَبْرَ طابور خامس مِن فاقِدِي البُوصَلَتيْن الوَطنيّة والتَّقَدُّمِيّةِ ، وارتِكاب القُوّات الأمريكيّة جرائم حَرْب ضدَّ القوُّات السّوريّة الحكوميّة والشّعبيّة الرّديفةِ التي تَتَصَدّى لِتَنظيمِ “داعش” المَحْمِيّ مِن المُسَمَّاة” “قُوّات التّحالُف” والميليشيات المُتَذَيِّلَة لَها بينَ قَريَتَيِّ “خشام” و “الطابية” في رِيفِ دير الزُّور الشّمالي الشّرْقي ، وَتَمكين الإرهابيّين في إدلب مِن سِلاح جَوّ-جَوّ مُتَطَوّر أسْقَطُوا بِهِ طائرَةً رُوسِيّةً عَسَاها بذلك تُؤثِّرُ سَلباً على مصداقيّة الرئيس بوتين قبْلَ الانتخابات الرِّئاسيّةِ المُقَرَّر إجراءها في روسيا في مارس/آذار المُقْبِل مِن جِهَة ، والدَّفْع صَوب صِدام بين روسيا وبين بَعْض الدّوَل الأخرى المَعنيّة مَوضُوعيّاً في التسوية السياسيّة السوريّة مِن جِهةٍ أخرى.

بَعْدَ ذلكَ كُلِّهٍ ، لَجأتْ واشنطن مُجَدَّداً إلى مُحاوَلَةِ هَدْمِ الدَّوْلَةِ السُّوريّة والسَّطْو المُسَلَّح على ثرواتِها الطبيعيّة في كامِلِ الجُّغرافيا السُّوريّة ، مِن خِلالِ “شَيْطَنَةِ” الرئيس السُّوري بشّار الأسد والجيش العربي السوري بالزَّعْمِ أنَّ الحكومةَ السّوريّة تَعْمَل حاليّاً على تَطوير أنواعٍ جديدةٍ مِن الأسلحةِ الكيميائيّةِ لِتعزيزِ ترسانتها العسكريّة “بِما يُخالِفُ الاتِّفاقَ حَوْلَ تدميرِ وَحَظْرِ الأسلِحةِ الكيميائيّة السوريّة المُبْرَم سنة 2013”.

وَواقِعُ الحال أنّ “سيغريدكاغ” مُنَسِّقَة البُعثةِ المُشتَرَكَة لمُنَظَّمةِ حَظْرِ الأسلحةِ الكيميائيّة والأمم المُتّحدة سنة 2014 ، كانت قد صَرَّحَتْ أنَّ ما تَمَّ إنجازُهُ مِن الاتِّفاقِ مع الحكومةِ السّوريّةِ ” لم يَسْبَقْ له مَثيل ” ، وكانَ تقرير صادرٌ عن منظّمةِ حَظْر الأسلحةِ الكيميائيّة يُغَطّي الفترَة مِن 24/11إلى 21/12/2016أوْضَحَتْ فيه أنّ99,6بالمائة مِن الترسانةِ الكيميائيّةِ السّوريّة قد تدميرُهُ إضافةً إلى 11مِن 12مُنْشأة ، وَلا حِقا أي يَوم 5جانفي / كانون الثاني 2016أعلَنَتْ ذات المنظّمة  أنّهُ تَمَّ تدميرُ التّرسانةِ السّوريّة مِن الأسلحةِ الكيميائيّة بالكامل.

وَقَد احْتفى ضفدع أمريكا “بان كيمون” عندَما كانَ على رأسِ الأمم المتّحدة بهذا “الانجاز” ، قائلاً :” حينَ تَتَوَفَّرُ الإرادةُ السياسيّةُ ، كما في قضيّةِ نزْع السِّلاحِ الكيميائي السُّوري ، فإنّهُ يُمكِنُ أن يكون هُناكَ تَقَدُّم باتِّجاهِ قضايا أكبر ، مثْلَ أمْنِ السّوريّين وأمْن المنطقة”.

لكنّ الإرادةَ السّياسيّةَ الأمريكيّةَ لا تَتَوَفَّرُ عادةً عندما يَتَعَلَّقُ الأمْرُ بإرساءِ دعائم حقيقيّة لسلام حقيقي وعادل في منطقتِنا والعالَم ، فَبَعْدَ إقرارِ الأخير بمنظّمتهِ (الأمم المتّحدة) أو بمُعْظَمِ أعضائها كُلٍّ على حِدَة ، بِتَعاوُنِ الحُكُومَةِ السّوريّةِ الكامِلِ في تدميرِ ترسانتِها النّوويّةِ بالكامِلِ لم تَتَرَدَّدْ الولاياتُ المُتّحدة الأمريكيّةُ في الإقدامِ على قَصْفِ مطار “الشّعيرات”  العسكري في حمْصَ لاحِقاً ، بَعْدَ إطْلاقِ الذّريعةِ الكاذِبَة بأنَّ الجيش السوري استخدَمَ السلاح الكيماوي في “خان شيخون” التابعة لريف إدلِب ، وأنّهُ استخدمَ المَطارَ المذكور لِشَنِّ “الهجُوم الكيميائي” الذي تَبَيَّنَ فيما بَعْد أنَّهُ “مسرحيّة” قامت بِها المجموعاتُ الإرهابيّة المُسَلَّحَةُ.

بل خلافاً للمَزاعِمِ الأمريكيّةِ التي يُمْكِنُ عَدَّها ضَرْباً مِن الخيالِ اللا عِلمي وأفلام “الأكشن” الهوليوديّة ، تُؤكِّدُ التّقاريرُ والأدِلَّةُ المُوَثَّقَةُ أنَّ الجّماعات الإرهابيّة المُسَلَّحَةَ حَصَلَتْ على غازَيِّ “السّارين” و”الكلور” لاستِخدامِهما  ، وِمِن ثَمَّ إلصاق ذلك الاستخدام بالجيشِ العربي السوري ، وعلاوَة على ذلك فإنّ تلك الجّماعات تقوم بتصنيعِ غاز “السّارين” مُعتَمِدَةً التّقنيات الغربيّة التي تُؤمِّنُها لها الولاياتُ المُتّحدة وتركيا. وعلى الرُّغْمِ مِن ذلك فإنَّ “ريكستيلرسون”  وزير الخارجيّة الأمريكيّ الحالي لا يجدُ حَرَجاً في تحميل روسيا أيضاً مسؤوليّةَ الهجومات الكيميائيّة المزعومة ، فيتحَدَّثُ بخفّةِ أبْلَه عن هجوم كيميائيٍّ مَزعُوم في الغوطةِ الشرقيّةِ ، قائلاً :

“بِغَضِّ النَّظَر عن الجّهةِ المسؤولةِ عن الهجمات ، تَتَحَمَّلُ روسيا في النّهايةِ مسؤوليّةَ سُقُوطِ الضّحايا في الغوطةِ الشّرقيّةِ كَوْنَها انْخَرَطَتْ في النِّزاعِ في سوريا” (هكذا؟!). وكأنَّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة وحُلَفاءَها (فرنسا، بريطانيا، السعوديّة، وتركيا ..إلخ) انْخَرَطُوا في هذا “النِّزاع” لِتَرْبيةِ الحَمامِ الزّاجِل!.

وَبهذا الصَّدَد يعلمُ الجميعُ أنَّ روسيا كانت ولا تزال تَدْعُو إلى تشكيلِ “هيئةِ تحقيقٍ دوليّة جديدة” بشأنِ استخدامِ الأسلحةِ الكيميائيّةِ في سوريا ، لكن واشنطن كانت ولا تزال ترفض ذلك. وعوضاً عن الاستجابةِ للدَّعْوةِ الرّوسيّةِ ما فتئتْ تبثّ الأكاذيب والافتراءات والخرافات بغيَة تهيئةِ المُجتَمَعِ الأمريكي لِحماقَةٍ جديدة تُهَدِّدُ إدارَةُ المَوتُور ترامب بارتكابِها ، كَوْنَها ” تَنْظُرُ في إمكانيَّةِ عَمَلٍ عسكريٍّ ضدَّ الحكومةِ السّوريّةِ لِمَنْعِ استِخْدامِ السِّلاحِ الكيميائي في المستقبل” . وفي هذا السِّياقِ الدّيماغوجي التّضليلي الرّخيص يُحَذِّرُ مسؤولٌ أمريكيٌّ مِن “انتِشارِ الأسلحةِ الكيميائيّةِ السّوريّةِ حتى تصلَ السّواحلَ الأمريكيّةَ”!.

إذا كانت الإدارة الأمريكيّةُ تُراهِنُ على أنّها قادِرَةٌ على دَفْعِ العالَمِ إلى نسيانِ جرائمِها القائمة على أكاذيب باقتِرافِها جرائم جديدة قائمة هي الأخرى على أكاذيب جديدة ، فإنَّ هذا العالَم لم ينسَ بَعْدُ الخطابَ /المُعَلَّقَة وزيرِ دِفاعِها الأسْبَق “كولن باول”  أمامَ مجلس الأمن يوم5فيفري/شباط2003 ، والذي وَصَفَه  بالخطاب سيّء السّمعة فيكتابه “دروسفيالقيادةوالحياة” الذيصدرفيماي/أيار 2012،عندار “هاربركولينز” . وقد عَجَّ ذلكَ الخطاب بكمٍّ هائلٍ مِن التخرّصات والأكاذيب المُفَبْرَكة في شريطِ فيديو أو تسجيلٍ لمكالماتٍ هاتفيّة أو بأوراقٍ تحمل أختاماً ، كانت جميعها مزوّرة.

وكان “كولن باول” قد اعْتَرَفَ قبْل صُدور الكتابِ بعامين , حسب صحيفة “لونوفيل أوبسرفاتور”، بأنّ خطابه الذي اتَّهم فيه العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل أمام الأمم المتحدة  سيظلُّ نقطة سوداء في مِلفِّهِ .وقال “إنه فعلا نقطة سوداء لأنني كنت أنا الذي قدَّمتُه للعالم أجمع وقد كان ذلك صعبا ويبقى حتى اليوم أمراً صعبا”، وأضافَ أنّ “جورج تينت رئيس الاستخبارات آنذاك كان يعتقدُ أنّه يقدِّم لي معلومات صحيحة، قبل أن يعترفَ بأنّ نظامَ الاستخبارات لم يكن يعمل بشكلٍ صحيح”.

والخديعة بالكذب وتزييف الحقائق الدّرس الأوّل الذي يتعلّمهُ السياسي الأمريكيّ ، بها أوهَموا العالم أنّهم صعدوا إلى القمر ، وبِها جعلوا الدولار الأمريكيّ المعيار النقديّ أمام كُلّ عملات العالم عندما نصّت اتفاقيّة بريتون وودز 1944على أنّ مَن يُسَلِّم أمريكا 35دولارا يتسلَّمُ منها أوقيّة مِن الذهب ، مُوهِمةً البشريّة بأنّ في خزينة واشنطن جبلاً مِن الذهب يُغَطي هذا الدولار ،. وبعدَ 27عاما أعلَنَ الرئيس الأمريكي “ريتشارد ميلهاوس نيكسون” (عينه ذاته صاحب فضيحة ووتر غيت) على الملأ يوم 15أوت/آب1971أنّ بلادَه لن تُسلِّمَ حامليَّ الدولار ما يُقابِله مِن الذّهب ، ليكتشفَ المجتمَع الدولي أنّ الولايات المتّحدة امْتَلَكَتْ ثروات العالَم بحفْنَةِ أوراق خضراء لا غطاء لها مِن الذّهَب. وأعلن “نيكسون” تعويمَ  الدولار في السّوق تحت المُضارَبَةِ ، وسيُحدِّدُ العَرْضُ والطَّلَبُ سِعْرَ صَرْفِهِ بِدَعوى أنَّ “الدولار قويّ بِسمعَةِ أمريكا واقتِصادِها” .

وبهذه السّمعَة التي تفوح منها روائحُ جرائم الحرب في اليابان والفيتنام وملجأ العامريّة وسجن أبي غريب وغوانتانامو وأفغانستان وليبيا وغيرها ، ولن نقفز عن إبادة الهنود الحُمْر ، ما فتئتْ الولاياتُ المُتّحدة بإداراتها المُتَعاقِبَةِ (الجمهوريّة والديمقراطيّة) “تسرق العالَم” على حَدِّ تعبير الرئيس فلاديمير بوتين.

وَبِما أنَّ إدارة ترامب تُواجِهُ حاليّاً إحباطاً ماليّاً تَمَثَّلَ بنفاد الوُقُودِ المالي في الخزينةِ الأمريكيّةِ ، حيث انتهَتْ مداوَلاتُ البورصة يوم 08/12/2018بخسارة بلَغَتْ 1083نقطة ( وهي ثاني مرّة تتجاوز فيها  الخسارة الألف نقطة خلال أسبُوع) ،والكونغرس عاجزٌ عن الاتِّفاقِ على تمريرِ تَمويلٍ فصيرِ المَدى ، نَظَراً لانقِسامِ الجمهوريّينَ على أنْفُسِهِم وَعَدَم قدرة البيت الأبيض على كسْبِ العدد اللازم مِن الديمقراطيّين لِضَمان غالبيّة الستّين صوتاً المطلوبة لهذا التمرير  ، ناهيكَ عن سلسلةِ الإخفاقاتِ المُتَناسِلَة مِمّا يُسَمُّونَهُ في أمريكا “مشكلة التحقيقات الرّوسيّة” ، فإنَّ القادِمَ مِن الأيّامِ قَد يَشْهَدُ هُروبَ ترامب إلى الأمامِ بارتِكابِ حماقاتٍ جديدة في المنطقة ، قد تفتَح عُيونَ العالَم أكثَر على حقيقةِ أنَّ الولايات المُتّحدة ليست في النّهاية أكثر مِن “نمْرٍ مِن وَرَق” سيحترق في النّيران التي يُضرِمُها هُوَ هُنا وَهُناك، خاصَّةً وأنَّ أحْدَثَ الطائرات الأمريكيّة التي يمتلكُها العَدوُّ الصّهيوني سقَطَت هذه الأيّام بطراز قديم مِن صواريخ سام الروسيّة يمتلكُها الجيش السوري منذ سنوات طويلة.

Facebook Comments



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *