القناص الذي يحبّه أهل المدينة ، رياض عمايرة

img

* القناص الذي يحبّه أهل المدينة – بقلم رياض عمايرة

شمال الجنوب ، جنوب الشّمال ، على سفح جبل بوهدمة وفي تقاطع لعدّة ولايات تونسية تقع المزّونة. مدينة هادئة جدّا ومعتمديّة واسعة المجال جغرافيّا وغنيّة بموروثها الثقافي والفنّي رغم غياب اهتمام الدّولة بها وبشبابها.
السكان يعرفون بعضهم البعض ، ويعيشون نفس اليوميّات تقريبًا. حين اندلعت الثورة في ديسمبر 2010 ساند شباب الجهة الاحتجاجات التي اندلعت في مناطق مجاورة كالرقاب والمكناسي ومنزل بوزيّان. لكن المزونة كغيرها من الجهات المنتمية لمجموعة “خارج التغطية” بالنسبة للنظام الرسمي ، ظلّت بلا حلول ولا أمل في التحسّن أمام استفحال البطالة و الظواهر الكارثيّة التي تهدّد الجيل الجديد كالمخدّرات وغيرها.
لكنّ الثّورة الحقيقيّة قام بها بعض مثقّفي المزونة التي أنجبت المفكر الطاهر لبيب و الكاتب الراحل مهذب السبوعي و المبدع الراحل الشاهد الأبيض. وتجسّدت في تحويل مقرّ الحزب المخلوع (التجمّع) إلى فضاء ثقافي وإبداعي في أفريل 2016 بمبادرة من جمعية أضواء المدينة التي يترأسّها المبدع عبد الفتاح الكامل.
في فترة وجيزة صار الفضاء الذي حمل بدوره تسمية “أضواء المدينة” حاضنة لمبدعي الجهة من الشباب ومقصدًا للمهتمين بالشأن الثقافي في المزّونة خصوصًا بعد تتالي نشاطاته و تظاهراته المهمّة والتي كان آخرها ‘مهرجان المقاهي الشعبية” المنتظم في شهر ديسمبر الماضي.
المهرجان لم تحتضنه فضاءات ثقافية ولا دور ثقافة ، بل احتضنته المقاهي الشعبية المتناثرة في مركز المزونة وفي أريافها الكثيرة. لأيّام استحال المقهى ركحًا لعروض مسرحية وشعرية وموسيقية استمتع بها روّاده.
هذه التظاهرة الفريدة من نوعها والتي تعدّ سابقة ثقافية في تونس كانت فرصة لمواهب شابّة في الجهة لاستعراض مخزونهم وتبادل التجارب مع شباب آخرين قدموا إلى المزونة من جهات تونسية مختلفة.
مهرجان المقاهي الشعبيّة الذي وجد نجاحا جماهيريّا أكّد الحاجة الماسّة إلى المثقف المشتبك و أكّد أنّ ثقافة الاشتباك وحدها قادرة على بلوغ ما يريده المثقفون من ازدهار وتنوير حقيقيّ، وأنّ العزلة والمكوث في الأبراج العاجيّة في زمن السّرعة والتحوّلات الكبيرة ضرب من السذاجة والاستبلاه والسّفسطة.
مرّ المهرجان تاركا انطباعا جيّدا لدى أهل المزونة ولدى الزائرين ، لكنّ المصور الصحافي صابر السبوعي أراد له أكثر من ذلك.
موفّى الأسبوع الماضي دعانا كل من جمعية أضواء المدينة والمبدع صابر السبوعي لحضور فيلم وثائقي بالفضاء الثقافي.
في فضاء صغير جدّا ودافئ بما فيه من كتب ومن نشوة فكريّة ومن جدران مزيّنة تواجد العديد من مثقفي المزونة لمشاهدة الفيلم المعنون “مهرجان بلا حدود” في العرض الأوّل له.
بإمكانيّات متواضعة ولكن بطموح وحنكة سنيمائية وصحفية جميلة نجح صابر السبوعي في تقديم مادّة توثيقيّة ممتعة ومفيدة.
يحكي الفيلم عن محتوى تظاهرة “مهرجان المقاهي الشعبية” وعن فكرة تأسيسها ويتجاوزها بذكاء ليحدّثنا عن المزّونة ، عن تراثها الفنيّ ، عن خصوصيّتها النادرة ، عن تطلّعات شبابها ومثقفيها ، عن يوميّات السكّان وعن علاقتهم بالثقافة . إذ تتبع عدسة السّبوعي تحرّكات مدير المهرجان عبد الفتاح الكامل الذي يعرفه كل الأهالي مثقّفا مشتبكًا قريبا من أبناء شعبه ومناضلا زمن بن علي.
“مهرجان بلا حدود” لوحة فنيّة رائعة أنجزتها العدسة الخارقة لصابر السبوعي .هذا الأخير يعد من العلامات المميّزة للمزونة ما بعد الثورة.
القناص نجده في كل الفضاءات والتظاهرات بابتسامته المألوفة وأخلاقه العالية و الكاميرا التي تفارقه أبدًا مقتنصا صورًا لا يجدها المتقبّل إلا في المزونة.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: