القرض -صالح بن سالم( قصّة)

img
قصّة 0 admin الوسوم:, ,
القرض -صالح بن سالم
تترجل من سيارة “تاكسي” و في يدك ملف به رزمة أوراق ، تتجه نحو مدخل البنك في الجهة المقابلة ، تمنعك سيارة مسرعة من قطع الطريق ، و إذا بأخرى ، فثالثة ، ثم رابعة ، تسبب الاضطراب في انسياب حركة السير لبرهة ، تعبر إلى الجهة اليمنى من الطريق بعد عناء و أنت تتمتم بكلام غير مفهوم ، حالتك النفسية متردية جدا، أنت تعرف أن مطلب القرض لن يمر بسهولة خاصة و أن الموظف المكلف بدراسة الملفات لا يستلطفك ، و كان قد رفض تسلّم مطلبك في مناسبات عدة بتعلّة عدم اكتمال الأوراق المطلوبة ، تستشعر أنه يعجّزك و يرفض مساعدتك على إتمام الإجراءات ، أحسست منذ اللحظة التي دخلت فيها مكتبه أول مرة أنك قد دخلت مركز الشرطة ، أنت مضطر لإظهار اللطف و اللياقة إزاء هذا المخلوق اللئيم ، فأنت في أشد الحاجة إلى مبلغ يساعدك على تأمين النفقات المستعجلة لعلاج ابنتك المريضة، تقول في نفسك : “لا يهم حتى الشيطان كان ملاكا ذات يوم”، تتقدم بخطوات ثقيلة نحو الباب ،لفت نظرك أول ما اقتربت ، تلك اللافتة الكبيرة على الجدار الأوسط ، كانت تبدأ من أسفل بصورة إمرأة و رجل تشرق من وجهيهما ابتسامة جميلة، ثم فوقها العلامة الإشهارية للبنك ، تمر موظفة فاتنة تحمل فنجان قهوة في اللحظة التي كنت تقفل فيها الباب البلوري للمدخل الرئيسي ، قوامها ممشوق و عطرها جذاب و رائحة البن تنتشر في الجو ، تدخل إلى بهو البنك و تنظر إلى الزاوية التي يفترض أن يجلس بها ذلك الموظف الذي تخشى ردة فعله ، أنت مرتبك و لا تعرف أين تضع جسدك ، يداهمك شعور بأن كل الموجودين بالبنك قد علموا باحتياجك للمال و ما فتئوا ينظرون إليك بعين الشفقة والاحتقار ، يصيبك شكل من الخوف الاجتماعي، تتذكر قول الشافعي : “الناس للناس ما دام الوفاء بهم ، والعسر و اليسر أوقات و ساعات”، تلمح الموظف أخيرا وراء مكتبه يتحدث مع سيدة تجلس أمامه ، تتمتم و الغيظ باد على وجهك : ما أتى بهذه الآن ؟ ألم تجد وقتا آخر لقضاء أمرها؟ كأنها جاءت خصيصا لتعطيلي ؟ إنني أكرهها ، هاته المرأة الشمطاء العنيدة التي لا تتوقف عن الحديث و الضحك دون فائدة ، يظهر فجأة ذلك الرجل الذي يأتي من حين لآخر ليودع أموالا بالبنك و هو يبتسم ، يزداد حنقك و تكاد تنفجر…. تقوم السيدة أخيرا ، و تغادر و هي منشرحة الملامح ، تقول في نفسك : “لا بد أنه وافق على إسنادها قرضا مهما، الآن جاء دوري إذن”، تستجمع ما تبقى لديك من فتات أعصاب و تتقدم نحو الرجل و قد دبت في مشيتك المتهالكة صحوة نشاط و أمل ، تحيّيه بنظرة شاملة تردفها بابتسامة صفراء مفضوحة ، أنت ترتعد من الداخل و تحاول أن تخفي ذلك ، يدعوك إلى الجلوس فتشعر بطمأنينة ظرفية ، تجلس و تصمت ، ينظر الموظف في الأوراق و يأخذ في تقليبها ويبطئ في قراءتها ، يرسل نظراته من حين لآخر إلى وسط البهو كأنه يراقب شخصا معينا، الملف الطبي للبنت المريضة ، أردت أن تدعم به مطلبك ! لكنك تلاحظ أنه يمعن في قراءة المعطيات الطبية ! ليست من اختصاصه !!، بدأ الأمر يقلقك ، لا بد أن في الأمر ريبة !! ، أخذت تدقق في تفاصيل المكتب ، مقلمة فاخرة بجانبها مجموعة ملفات ، كتب عليها باللون الأخضر “سرعة الإنجاز” يبدو أنها تعني أشخاصا مهمين ، ساعة يد الموظف موضوعة على المكتب تشير إلى العاشرة و النصف ، توجه عينيك إلى السقف فتلمح كاميرات المراقبة تترصد حركاتك ، يرفع الموظف رأسه أخيرا و ينظر إليك بعينين لا تفصحان عن شيء ، ثم يخاطبك بصوت ينفذ إلى أعماق قلبك مباشرة :
– يا سيدي أنت تعثرت في خلاص القرض الأول و ما زالت أقساط منه لم تسدد كما أن مرتّبك لم يعد يحتمل التثقيل و الخصم ، انظر ، هذا قسط التعاونية مازال متواصلا إلى آخر السنة و هذا القرض التكميلي لم تسدد نصفه بعد ، آسف ، آسف ، لا أستطيع أن أوافق على مثل هذا القرض ، إدارة البنك حتما ستحاسبني على ذلك ، أنت تعلم أن هناك ضغطا كبيرا مسلطا هذه الأيام على المؤسسات البنكية في شروط إسنادها للقروض بسبب ندرة السيولة المالية، ربما في المدة القادمة يكون الأمر ممكنا ، أما الآن لا يمكن ، لا تحرجني من فضلك ،
عندها يسقط قلبك في قاع معدتك، تشعر كأن شرارة نار مست زناد نفسك، فتغضب ، لم تعد تدري كيف تتصرف و لا ماذا تفعل بيديك و ساقيك و جسمك كله ، تنهار أعصابك أخيرا و تشبك ذراعيك على صدرك من شدة الانفعال و تصيح في وجهه :
– أيها الأحمق ألا ترى أني بحاجة ملحة لهذا المال ؟؟
يقوم الموظف و يغادر مكتبه دون أن ينطق بكلمة ، تحس أنه طحن ما تبقى من كبريائك ، تلملم أنت أوراقك و تخرج ، تقف على ناصية الشارع، تنظر إلى العربات، و الناس يمرون أمامك دون أن ينتبه إليك أحد، أنت الذي طالما اعتبرت نفسك شخصا محل اهتمام،
تلتفت يمينا ، فتقرأ على تلك اللافتة الكبيرة التي تعلوا واجهة البنك، ” نحن هنا لمساعدتكم”، تبصق على اللافتة و على البنك و تمضي و أنت تردد في نفسك : “ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن……”.
صالح بن سالم
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: