القاصّ الفلسطينـي زياد خداش : القصة بنت صغيرة في الثانوية العامة …

img

الـقاصّ الفلــسطينـي زيــاد خــداش :

” القصة بنت صغيرة  في الثانوية العامة ذكية بعيون براقة لكن حزينة دوما “

حــــاورتـــه : إشراق كرونـــة

ولد زياد خداش في القدس سنة 1964  ” مدينة السماء ومنارة المدى” كما يحلو لـه أن يصفها ، أنهــى مرحلتــه الثانــوية في فلسطين لينتقل إلى جامعة اليرموك بالأردن طالبا بقسم العربية وآدابهـا متخرجا منها سنـة 1989.

لكّن ” حليب ” جامعة اليرموك ــ على حدّ عبارتــه ــ لم ينســه حنينــه الدائم إلــى ” زهرة المدائن ” ، و إلى فلسطين فعاد إليها أستاذا في إحدى مدارس رام الله .

.

 

لا أظــن أنّ هذا الحوار المجنـــون ( كما همس زياد حين مدني بالأجوبة ) ينطاع بهدوء إلى ” بروتوكلات ” العمل الصحفي السمجة من تقديم وكتابة اسميْ المحاوِر والمحــاوَر … ! لكنــي في حضور طرفين مجنونين ( زياد والقصة ) علّي أن أخفض منسوب جنونهما وجنوني وأحاول تطبيق ما يفرضه العمل من رسميات تقديم و تدوين للأسماء .. فلم أر محاورا نشر حوارا دون أن يكتب اسمه الذي حاوره !

هنـــا مع زياد كما دوما .. لا مكان لضوابط أو قوانين .. لا إمــام سوى الجنون وربما لهذا كانت القصة على امتداد هذه المساحة صبية مدللة أورثـــها والدها ( زياد ) كل ما يملك وأنبل ما يملك : الجنون . الجنون الذي يجعل للقصة مفهوما آخر وطعما آخر ومقومات أخرى وغايات أسمى وأجمل .

هنـــاك مع زياد كما دوما صوت فيروز في صباحات نديّة وكأس نبيذ آخر الليل وما بينهما دعوة لإحتساء قهوة مع محمود درويش أو غسان كنفاني أو هنري ميللر أو جاك كرواك ..

أجمل ما في زياد أنّ اللغة بين أصابعه مجبولة بالمباغتة ومعمّدة بفعل الخلق الاستثنائي من ” صباح الخير ” حتى أعقد عملية ولادة لقصة جديدة تكّر وتفّر وتدبِر لتنام آخر الليل بين يديه ضفيرة محبوكة بإتقان ..

هل في وسع القصة أن تشكر زياد لأنــّه أحد روادها .. ؟ لأنــّه إله الجنون فيها ؟ .. أستطيع بعد هذه الأجوبة المجنونة أن أقول إنّ زيادا إله القصة المجنونة …

 

1/” الكتــابــة  هــدم لكـل صــوت و لكــل أصـل ” / رولان بارت  .. لم الكتــابة ؟

ج- للعيش، بدون  مبالغة، أكتب لأضمن استمرار خفق  قلبي، الكتابة  هي  استمرار قلبي  في  العمل، لا أتحدث عن عواطف قلبي، أتحدث  عن استمرار  تدفق الدم  في شرايينه.هل  أقدر على القول: لهدم  الموت ؟، أو للوهم بإمكانية هدمه، لإغاظته على الأقل، أو ربما لتأخيره، أو لتلطيف وقعه.

2 / هــاجس النقــصان حــاضر في خلايا الذات المبدعـة و في ثنـايا كل نصّ يولد ، لذا ربما يتحدث بول فاليري في ميدان الشعر عن لغة فوق اللغة  ،  كيف ترمم باللغة نقصـانك ؟

ج- لا أحب  كلمة اكتمال، أعشق  الفجوات والمسارب  المتروكة،أعشق  الندوب في جسد صديقتي، التشوهات في الأشياء،  أكتمل بثغراتي، بما أخلفه خلفي من  جمل غير مكتملة ونساء غير مؤكدات، أعشق   النقص  في كل شيء، حتى الانتصار على أعدائنا  أحبه خفيفا غير مكتمل، فيه من  الشك  الكثير ومن  التردد  الأكثر.

3/ تذهب آراء إلى أنّ “النصّ مصنــوع مــن كتابات مضاعفـة ”  ، كيف تستوعب القصة ــ و من شروطها القصر و التكثيف ـ ” كتابات مضاعفة ” ؟

ج- عليكِأن تسألي  القصة كيف تطيقين زياد؟  بيننا  ود غامر وكراهية غريبة،  تحرن  كثيرا نصوصي وتذهب إلـى عزلة وتتركني متعرقا في  زاوية. أحيانا أخونها أنا، أتركها  في منتصف تنفس ، وأغادر  تماما كما كان يغادر( دين) بطل  رواية على الطريق لكرواك  المدن والنساء والأصحاب فجأة.

 

4 / يــُقــال : ” الرواية بنــت المدينــة ” .. كقــّاص ، في أي مــوضع مـــن شجرة الإبــداع تـــُصنــّف القصــة ؟ 

ج- القصة حب صغير خائف ينمو في  منعطف  معتم من منعطفات المدينة، منعطف  لا تمر منه عربات فارهة ولا مطاعم قربه أو مقاهي، القصة، سعلة أمّ مريضة، وشهقة مراهقة مترددة، القصة برق  في  ليل مستبدة، صورة يلتقطها  مصور مصاب بانفصام  قلب.

5/ هــل تعتقد أنّ حيـــاة الفنــان الخــاصة و شخصيتـــه عنــصران حيويان دافعـــان يشاركان في عملية الخلق الفنّي؟

ج- طبعا،  أنا من أنصار هذا القول،   وهذا ما علمتني إياه تجربة مجانيني وعظمائي وملهمي هنري مللرـ وبوكوفسكي وجاك كرواك.إعجابي  بكتابات كاتب  يجب أن يترافق مع إعجابي بحياته ومدنه وأصحابه وذكرياته وشخصيته، لا انفصال عندي أبدا. أحببت حياة مللر ، التي هي كتابته، وأحببت كتبه التي هي حياته، أجمل ما في  هذا الرائع هو  تداخل نصوصه مع حياته بشكل مخيف، لا إمكانية للفصل بينهما أبدا وهذا منتهى العبقرية والألم.

6/ عــالم الأقصــوصــة محفــوف بالمخــاطر : سقف أحلامـها شاهق وحيّزها مضبوط ضيّق ، شروطها كثيرة و مساحتــها محكــومـة بتقنية التكثيف ، لها لغتـها و جروحــها و حروبـها و آمالـها ، كيف تتـــعامــل كقــّاص مــع هــذا الكــائن دائم الــقلق ؟ هل للمبــدع أن يمسك لحــظة ” الرعب ” أثنــاء العمليــة الإبداعيــّة ؟

ج- أكتب القصة بمزاج  الذاهبإلى نزهة  صغيرة خلف البيت، تخاف  القصة من  الرحلات  البعيدة، تخاف  الوحوش الضارية وأصوات الغابة الغامضة، هي  تكتفي  بأزهار  خفيفة تقطفها في مساءات  الشحوب  واللهفة  والقلق.

7/ في عالم الأقصوصة أكثر من مقّوم مبدوء بلفظ ” وحدة ” : وحدة الشخصية ، وحدة الزمن ، وحدة الموضوع ، وحدة الانطباع . ألا تــرى أن حيوية الأقصوصة تكمــن فــي نجــاحــها الإفــلات من ” وحدة ” يريد الدرس النقدي تطويعها له؟

ج-  لا دروس يمكن ان يجرؤ احد على إعطائها  للقصة،  رغم شفافيتها وخجلها وصغر قامتها،  تعطي  القصة العالم أهم درس  في العالم وهو الكثافة، لو فهم هذا العالم الدرس  لامّحت  الحروب وهدأت  الصراعات.

8 / تـــولد الشخصية داخل القصة في تحرك دؤوب نحو مجهول لتنمو في سرعة و تنتهي إلى ما يسمّى ” لحظة اشتداد ” .ألا تتعب الشخصية من الركض داخل النص الضيّق أصلا حجما و زمنا و مكانا محمّلة عبئا إبداعيا و رسالة إنسانية و همّا وطنيا ؟

ج-  ترفض  القصة  الأعباء، وتمقت  الرسائل، وتركل  الهم الوطني ركلا ، ليس  لأنها ضد الوطن ، أبدا بل لأنها ضد استخدام  الوطن استخداما وظيفيا مباشرا وشعاريا، القصة  صديقة حميمة  للهامس  والملمح  له والمشار له إشارة.  القصة أختالصمت وابنة عم الفراغ.

9 / وهل بإمكان المبدع أن يتحّول إلى ” ممرض ” في علاقته مع فـاعله القصصي المنهك بكثرة الآمال و الأعباء ليضمن نجاح العملية الإبداعيــة و وصولــها ” سالمة دون شائبة ” إلــى القــارئ ؟

ج- أسوأ  مهنة للمبدع  هي أن يكون  ممرضا، هو يصور  المرض، يلمح له، يمهد  لفهمه ، ينبش حوله، لكنه  عاجز  عن معالجته أو تطبيبه، المبدع  ليس طبيبا على الإطلاق، انه القاتل والمجنون  والمعزول في المصـحة وحارس  المشفى  الفقير.

10/ هل يحــدث أن ينحـاز صاحب النص إلى شخصية دون سواها؟

ج-هذا  خطأ  كبير، أن ينحاز صاحب النص إلى شخصية معينة ،  على الأصوات كلها أن تعطى فرصة القول والحركة وكل  نص  هو بشكل ما عبارة عن سيرة ذاتية للكاتب ولكن على الكاتب أن يمنح نفسه بعدالة لكل الشخصيات،، مقتل  العمل الفني هو في انحياز  الكاتب لأحد الأصوات، لا أتصور كاتبا يجبر شخصية ما على النطق باسمه ومحاكمة الشخصيات الأخرى أو تهميشها، الأصل  في  الكتابة    حيرة الكاتب وتوزعه  على كل الشخصيات ، في  هذه الشخصية يضع  وجعه  وفي  الاخرى يضع  حبه  وفي  الثالثة يضع موته وخوفه وهكذا يتوزع  الكاتب  بين  شخصياته ويصبح فريســـــة حــــلوة ومرنـــــة وجميلة لــــها جمــــيعا ..

11/ مــاهي العقبات التي قد تواجه أقصوصة مـا ؟  ممّ يخاف الأديب العربي اليوم ؟

من  تدّخل  المؤسسة ومن  الفيسبوك!

12/ مــاهو موقــفك مـــن ” تشعيــر الحكــاية ” ، هــل فــي موت الحكــاية حيــاة القصيــدة ؟

ج-اذا  كان  التشعير مبالغا فيه  فلا داعي لتسمية الحكاية حكاية، لنسمها قصيدة مثلا، أحب الحكاية  وهي ترقص  مع الشعر رقصة احترام وتفهم،  أحب الشعر حين  يأتي الى الحكاية  ضيقا لا صاحب بيت،  للبيت حكايته وللشعر بيته، أنا لست ضد ذوبان النصوص في بعضها أنا  متحمس  لمصطلح( الكتابة عبر النوعية) التي  ابتكره  ادوار الخراط  العظيم  لكني أيضا مع احترام  الانواع الأدبية لبعضها ولحدودها.

 

13/ حين اشتد عود الحركة الأدبية الفلسطينية ، كتب الشهيد غسّان كنفـاني معرفّا بروّادها ” الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الإحتـلال ”  .. بعد مرور ردح مــن الزمن ، كيف ترصد نمــّو هــذه الحــركــة الأدبية الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها ؟

ج- ما زال  الأدب  الفلسطيني  يتأمل العالم ونفسه، للأسف  لم نقدم  ما  يتوازى مع عمق التجربة وثراء  القضية وتعقيد الحالة،   صحيح  لدينا غسان ومحمود وجبرا وايميل وآخرون  رائعون،  لكن  ذلك لا يكفي، وحتى هؤلاء لم يتجاوزهم أحد.

14 / ينصرف عدد لا بأس به من المبدعين الفلسطينيين إلىالرواية على حساب القصة ، هل يكون ذلك من ضرورات مرحلة تتطلّب مساحة كبيرة و نفسا طويلا يعكس صراعا على جبهتين : الاحتلال و رجعية المجتمع؟

ج- هذا غير صحيح، ليس  كل من قال  أنا أكتب رواية هو روائي، للأسف  انفرطت  المسبحة، وانهار  السد، وفاضت  الفضائح، الفيس بوك خرّب الحقل،  ودخل في وضح  النهار ولا أقول (تسلل،) إلــى الساحة المهدمة  المئات  من الفيبسبوكيين العباقرة، الذين لم يقرؤوا  رواد  الرواية والشعر ايمل وتوفيق صائغ و غسان كنفاني ومحمود درويش بشكل معمق وواع ومركز.  ليس  لدينا كتّاب قصة واضحو المعالم، ظاهرة الأجيال  غير واضحة في  الأدب الفلسطيني،  لا صعاليك  في فلسطين  ليعيدوا للمشهد بعض ألقه، لدينا أدباء  نصوص شعرية وسردية  فيهم الجيد وفيهم  الرديء، لكن  المشهد بشكل عام غير مشّرف.

15 / في ما يخص تصنيف المبدعين في خانة ” ملتزم ” ، أليس مجحفا في حق المشروع الإبداعي مهما يكن اختزاله في صفة ؟

ج-  الالتزام  ما زال   السجن الأثير في فلسطين، الذي تتغنى به  المؤسسة  والمدرسة  والجامعة، ما زالوا  هنا يتحدثون عن  ضرورة  الانحياز الأخلاقي للفكرة، ولا أدري  ماذا تعني كلمة انحياز.أخلاقي ؟لكن  هامشا  من  التمرد  على السجن  ما زال  هو الآخر يعيش ويغني وينمو،  ثمة شعراء وشاعرات  فلسطينيون شباب يذهبون بقوة ووعي نحو  التخلص من كل ما يكمم  فم  الحرف ويعتقل  مخيلة  الفكرة. ثمة أمل كبير يغني ويربي ذائقة جديدة.

 

16 / كيف تستوعب القصة تداخل التاريخ فيها ؟

ج-القصة  لا تستوعب  التاريخ ولا تحبه، التاريخ أيضا غير معجب بالقصة، الرواية تتحمل  ذلك، بين التاريخ  والرواية حالة تفاهم   وحب ومن المحتمل ان يكونا مارسا  الحب يوما ما، وطأة التاريخ أثقل مما تتحمله  القصة. القصة بنت صغيرة  في الثانوية العامة ذكية بعيون براقة لكن حزينة دوما،  ويدين هشتين  تلك الهشاشة  الذكية والناعمة، تحب بهمس وتنتظر حبيبها الغامض بشفافية وهدوء . لا يهمها تاريخ  المكان الذي تنتظر  حبيبها فيه ولا  يدخل في صلاحيات قلبها أن تحاول تحليل تاريخ الحب ورموزه  العالميين،  هي تنتظر بصمت فحسب.

17/ هل يعــوّل الروائي على القــارئ  ، قــارئ نمــوذجــي مبتدَع يحتاجه المؤلف ليتخيل ردود فعله عند كل عملية إبداعية ؟

ج- طبعا القارىءالعميق  الفطن  المثابر  هو أحد  أحلام  الكاتب، شخصيا أبحث دوما عن قارىء  يربط ويحلل ويقارن  ويناقش ولا ينسى،  قارىء بذاكرة ذكية ووعي  متقدم، يحاكم  بحب  واحترام ودون مجاملة،  للأسف  هذا القارىء  نادر الوجود في عالمنا  العربي وإن ُوجد فهو كاتب أيضا، مأساتنا  أن  قراءنا  أدباء أيضا. يحاكمون نصوصنا وفق  مصالح  المنافسة والغيرة والحب  الشخصي  والمدرسة الأدبية.

18 / وسم رولان بارت كتابا بعنوان ” الدرجــة الصفــر  فيالكتــابة ”  مــاهي أعراض الدرجة الصفر عند زيّاد خداش ؟

ج- سؤال  خطير جدا، لا درجة صفر في كتاباتي، أكتب  على كتابات الآخرين  التي أهضمها بهدوء ، تماما كما  يكتب  الآخرون على صفحات  غير مرئية وغير محسوسة لآخرين سبقوهم،  هذه  نظرية معروفة، لا أحد يكتب من الصفر ، شخص واحد كتب من  الدرجة صفر هو أبونا آدم،  ذلك الذي  كان أول من تنفس واحتج وخاف وتردد واحتار وقال.

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: