الفعل المسرحي والمشروعية : من التركيبة الجماعية إلى التغيير الإجتماعي

img
الفعل المسرحي والمشروعية : من التركيبة الجماعية إلى التغيير الإجتماعي
بقلم :يحي اليعقوبي
 
التغيير الاجتماعي: يشكل هذا المصطلح نوعا من المرادفات الدالة على التحول و التغير من خلال دلالته الفرنسية Changement social و التي تحيل إلى :” Changement mutation و transformation للتأشير على نوع من التغير الذي يهم الواقع , متنقلا من حال إلى حال.”
و من هذا يكتسب المفهوم صبغة الدينامية التي تجعل منه حركة تشتغل على البنى الإجتماعي و إذا ما عدنا إلى علم الإجتماع نجد أن هذا المفهوم أساسه الوعي و هو منطلقه الأول في عملية التفاعل الإجتماعي , و عليه يصبه هذا المفهوم هدفا من الأنماط و الأفكار و النظريات التي تحلل الواقع و المجتمع في علاقته بمحيطه الذي ينمو فيه .
و يشير هذا المفهوم في حقل علم الإجتماع إلى المنظومات التي تستقرأ الواقع من خلال مجموع المتغيرات التي تطرأ عليه و هي التي تؤسس إلى التفاعلات الديناميكية التي ومنه فإن التغيير الإجتماعي :”يمكن أن يهم الخبرات و الإنتاجات الرمزية و المادية للمجتمع , بالشكل الذي يجعله مؤثرا في القيم و الادوار و الممارسات و البنيات التي تؤسس للتفاعل بين الأفراد و الجماعات .” إن هذا التغيير و كما ذكرنا سابقا أنه ينطلق من مجموع المفاهيم و الأفكار التي تؤسس له فإنه يحتاج إلى أساليب و أليات ليتحقق بها في الواقع الاجتماعي فشبكة العلاقات التي تتأسس في حقل المجتمع يستهدفها هذا التغيير التي يتعلق بالتطبيقات المادية و الفكرية و الروحية للمجتمع فهو يشمل هاته البنى التي تؤسس للمشترك بين الطاقات الموحدة للجموع و التي يشملها هذا التغيير من خلال الإرادة المستمرة للتعبيرات الجماعية في خضم الفعل الجماعي و هويته الاجتماعية في بوتقة رصد المتغير في الراهن الاجتماعي في إطار الصراع من خلال الإدراك الحسي النقدي للواقع و من هذا فإن :” التغيير هو العملية التي يتغير بواسطتها نظام المجتمع الحالي في نواحيه الاجتماعية الحالية و السياسية و المادية من شكل إلى آخر” و لعل التغيير من جهة اخرى يحيل إلى التكشف على الخبايا الكامنة في بواطن الشيء من خلال الولوج داخل زواية نظر اخرى لم نعتد على النظر من خلالها , و هو ما يتجلى بوضوح في نظرية المسرح الملحمي الذي يقدم التناقضات التي تشمل عمق الكيان البشري من خلال التفكير في المخفي وراء الخطاب المسرحي حين ينفتح على المفاهيم الأصلية في الممارسة وأصلها

الاجتماعي عبر إدراك التحول و التطور الذي يشمل الانساق الحية التي يعالجها المسرح , كما ان هذا الاخير يضعنا امام حتمية رؤية المختلف يستبطن الوجود الإنساني على أساس انه محور الطرح و المعالجة في علاقة بالواقع الذي من خلاله نرى المختلف الذي ينعكس عبره من خلال الية تواصلية التي تعطي صبغة التكشف على عملية التلقي وهذا ما يجعل من برنار دورت يصف التغيير في المسرح الملحمي على انه :” جدل بين المنصة و الصالة لا ينغلق على نفسه , يكشف عن حقيقة و يولدها في آن .”
فمن خلال تلك النظرة إلى المخفي في جوانب الأنساق المسرحية يرد الانفتاح على المسائل الرئيسية التي تطرحها الممارسة المسرحية كحقل تفاعلي يفتح أفق التفاعل بين الانا والغير الممثل في حيز زمني يتمثل في العرض المسرحي و الذي فتح مع بريشت أفق التجريب و زاوج بينه و بين مفهوم التغيير الذي يمثل الهدف الأساسي لعملية التكشف على الدلالي في عمق العرض الملحمي و هو موقف جوهري من الفن الذي تتحول مهمته من مجرد تحليل العالم و محاكاته إلى الكشف عن طبيعة العلاقات التي تنشأ في الواقع و تقديم التناقضات التي تشوبها و علاقتها بالإختلاف و المختلف في الطبيعة التي تنشأ هاذين المفهومين , إنه إرساء للمساهمة الفعالة في إنتاج المعنى من عملية التلقي التي تجعل من التجربة المسرحية مجالا للتعرية و الكشف عن هذا المخفي وراء الانساق المرئية و اللامرئية للعرض المسرحي و من هذا فإن :” المسرح هو المكان الذي نستطيع فيه إستخلاص الظروف اللازمة لنتمكن من ان نكتشف فيما بعد حقيقتنا للجميع نتيجة تفكير مشترك .” فالذات تلتحم بالموضوع عبر الإنفتاح على المفاهيم الأصلية للممارسة لتؤدي وظيفة تقديم المختلف كنموذج للهدف من الممارسة المسرحية , فمع المسرح الملحمي أصبحنا نبحث في تجليات زوايا النظر للعمق المسرحي و سبل التوصل إلى إدراك المعنى الذي يشكل مفهوم التغيير , فهذا المفهوم لا يتوجه نحو الإجتماعي الإديولوجي فحسب و إنما هو مفهوم بمثابة المقاربة التي تتوجه نحو المخفي الذي لا نراه في الواقع كتجل بسيط و إنما يخلقه الفعل المسرحي عبر مسار التفكير و إنشاء المعنى داخله التي تأخذ علاقة الأنا بالغير كمحور أساسي لمعالجة المشترك الحياتي للإنسانية من خلال نوع من الصيرورة التي ترافق منطق الأحداث في العرض الملحمي عبر سعي إلى تحقيق وعي مختلف جديد عند المتفرج لا عن حقيقته فحسب و إنما عبر تلاحمه التاريخي و الآني مع الآخر .
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: