الغريق “السيء الحظ “

img
قصّة 0 admin الوسوم:

 

 

الغريق “السيء الحظ “

بقلم :صبري حجاجي 

إلى الذين ابتلع الوطن أحلامهم قبل أن يبتلع البحر أجسادهم ثم يلفظها على سواحل اليأس…

 

كانت ليلة من ليالي الألم واليأس القاتل ، أرض الله الواسعة ضاقت بي فلجأت إلى “المقبرة” هربا من العالم الخارجي،استحضرت عبارة “سارتر” الشهيرة و أنا اجتاز الباب الخارجي : “الجحيم هو الأخر” ، على الأقل هنا لن يزعجني أحد ، فعلا”الأموات هم أفضل أنواع البشر” انهم على الاقل لا يؤذون أحدا.

فجأة رأيته جالسا فوق قبر يدخن لفافة تبغ ، تمعنت مليا ، بدا لي القبر جديدا وكأنه أحدث اليوم ، لم يجف أسمنته بعد ، هممت بالتراجع لكنه قال لي : لا تخف أنا مثلك أو الأصح أني كنت مثلك ، و يوما ما ستصير مثلي و تأتي لتؤنس هؤلاء النائمين… تعال اجلس لا تخف قال ذلك وناولني لفافته قائلا بسخرية : أمسك هذه من النوع الجيد ، هذا ما وعد به الله “المساكين” في العالم الأخر ،كل المحرمات صارت حلالا هنا…

-عفوا أنا لا أدخن ، ولكن قل لي فقط من أنت و كيف وصلت إلى هنا ؟

– غير مهم بتاتا أن تعرف من أنا ، أنا أنت ، أنا أنت و الأخرون و الذين ذهبوا و الذين سيذهبون..

-حسنا أخبرني ما هي حكايتك ؟!

– لك ذلك, إستند بظهره إلى القبر ثم قال : إن أسوا ما قد يصيب المرء هو أن يتسلل السأم والملل واليأس إلى حياته ..فتغدو باهتة بلا روح و لا طعم ..تمر أيامها متشابهة يأكل يشرب إن وجد ما يأكله و ينام تماما مثل بهيمة.. لا شيء جديد ، ولا شيء بإمكانه أن ينفخ فيها بعضا من الروح …

-لماذا لم تحاول أن تغير ذلك؟.. .كيف لي أن أفعل ذلك ؟! فقط أخبرني كيف و أنا العاجز عن إيجاد ثمن الدواء لأمي والرغيف لإخوتي الصغار ؟!!..صرت خجلا من المرور في الشارع لفرط ما تداينت .. “البقال “و “الجزار” و”القهواجي” كلهم يريدون مني أن ادفع لهم .كل صباح أستيقظ قبل أن تبزغ الشمس أجلس في المقهى انتظر أن يأتي من يستإجرني.. ا تدرك معنى أن لا تملك شيئا سوى “قوة عضلاتك”?! ..ا تدرك معنى أن لا يكون هناك فرق بينك وبين “الحمار أو البغل” الذي يجر عربة, و أن شهادتك تلك التي تضعها أمك في “إطار خشبي” في غرفة استقبالكم المتواضعة و التي دفعت ثمنها من عمرها و شقائها و صحتها لا تساوي شيئا و أنها و”ورق التواليت” متشابهان ?!!…

حين أكون جالسا في المقهى قبالة ساحة “الكرارطية” أدخن “أرخص أنواع السجائر” أو حتى “الأعقاب” التي أجدها ملقاة حين أكون مفلسا تماما ،انتظر أن “تنزل رحمة السماء” ،أغبط “البهائم و البغال” على حظها ، هي على الأقل تملك سيدا سيوفر لها المؤونة و المسكن أما أنا فإن لم أعمل فلن آكل وسيجوع أولئك الذين ينتظرون عودتي بفارغ الصبر ..وسيأتي صاحب البيت مهددا ايانا بالطرد إن لم ندفع له ثمن “الإيجار”…

اجتزت “عشرات المناظرات و عشرات محادثات العمل” وفي كل مرة كانت النتيجة نفسها : سنتصل بك قريبا مع ابتسامة صفراء باهتة كبشرة الموتى … طبعا كان ذلك يعني “الرفض الضمني” فعلت ذلك مرارا وتكرار حتى اهترأت “البدلة الوحيدة المحترمة” لدي من كثرة الغسيل و الكي… صارت “محادثات العمل” حصصا للتعذيب النفسي فأقلعت عن فكرة “توظيفي” .. ملامح وجهي لا تؤهلني لذلك على ما يبدو فأنا “أزرڨ” كما يقولون عني و حتى لهجتي مختلفة..

حاولت أن أنجز مشروعا خاصا..ذهبت إلى البنك و قدمت كل الأوراق اللازمة.. هناك سألوني أن كنت أملك منزلا أو عقارا يمكن رهنه ..في الحقيقة لم أكن أملك سوى بعض الأفكار و الأفكار لا يمكن رهنها .. سألني احدهم إن كان بإمكاني أن أوفر 10 بالمائة من قيمة المشروع ولكن “منين يا حسرة” .. مر بي أحد “الموظفين المحترمين” وأخبرني أنه بإمكانه مساعدتي على إنجاز “فكرتي” و أن كل ما علي فعله هو أن ادفع “ثمن قهوة” رئيس لجنة إسناد القروض ..و لكن ثمنها كان مرتفعا بالنسبة لشخص مثلي … حملت أفكاري و عدت خائبا من حيث أتيت ..

عدت إلى ذات المقهى أشاهد “البهائم والبغال” شعرت بألم في معدتي كنت جائعا و مفلسا في الآن ذاته .. تمنيت لوهلة أن أصير “حمارا” بأذنين طويلتين و ذنب سيكون بإمكاني أن آكل ما أشاء من البرسيم ..يوجد على سطح هذه الأرض ما يكفي لجميع “الحيوانات” ..لم يحدث أبدا أن رايت “حمارين” يقتتلان من أجل “البرسيم”..

نهضت من الكرسي لكن قدماي لم تقدرا على حملي..سقطت أرضا مغشيا علي .. و وجدت نفسي محاطا بأناس لا أعرفهم ..شربت بعض الماء المحلى بالسكر و ماء الزهر فعاد إلي وعيي ..أخبرت الجالسين بجانبي أني مرهق بعض الشيء وأني بخير ..كنت خجلا من أن أخبرهم أني لم آكل شيئا منذ أربعة وعشرين ساعة..

سيطرت على ذهني فكرة واحدة : لا بد أن يتغير هذا الوضع و إلى الأبد .. أنا الأن في حكم الميت ولذلك لا ضير في أن أجرب فكرة السفر في “شقف” … كان لا بد أن اتدبر ثمن “الرحلة” ..لا أحد بإمكانه أن يقرض شخصا مثلي.. صاحب المقهى الذي أجلس فيه شغلني اسبوعين ثم أطردني بحجة أني بطيء ثم جاء بأحد أبناء عمومته كي يشتغل بدلا عني.. “الأقرباء أولى بالمعروف” كما يقولون … فكرت في أن استلف من عنده..لكن كبريائي منعني ..خطرت ببالي فكرة جهنمية ..سإستلف من عنده دون أن يعلم وسأعيد له ماله كله حين يفتحها الله .. قصدت منزله ليلا بعد أن تأكدت من أنه خارجه..تسورت الحائط وبقيت أقلب في كل الأماكن حتى عثرت على ضالتي ..أخذت المبلغ الذي احتاجه وتركت له بقية أمواله.. كان بإمكاني أن آخذ كل ما وجدته ..لكني لست “إبن حرام” و لا “سارقا” ..أنا سارق فقط في عرف “المجتمع” ولكنني إعتبرت ذلك “سلفة” التزمت بيني وبين نفسي بإرجاعها بطريقة أو بأخرى لصاحبها.. لكن الحظ كعادته أبى إلا أن يعاندني .. كنا قريبين جدا من بلوغ هدفنا ،بضعة “كلمترات” كانت تفصلنا عن تحقيق جزء من انسانيتنا المهدورة في هذه “الرقعة من الأرض” المسماة وطنا ..فعلا اننا “نموت نموت كي يحيا هذا “الوطن” ومن يمثلونه ..

سمعت صوت همهمة تقترب .. يبدو أنه حارس المقبرة .. إرتبك محدثي وقال مسرعا : فقط أودك أن تخبر “حكام ” هذا البلد أني احتقرهم و أخبر”المتكلمين بإسمنا” أن يتوقفوا عن “المتاجرة بألامنا وعذاباتنا وهم يشربون “المارتينيه ” و يأكلون أجود أنواع اللحوم .. قل لهم أني احتقرهم وأكرههم كلهم على حد السواء… وقل لأمي أن تغفر لي و أني فعلت كل ذلك من أجلها ومن أجل اخوتي الصغار.. قال ذلك ثم عانقني بشدة وعاد إلى قبره ..

كنت مبللا تماما ورائحة العطونة تفوح من ملابسي.. كنت أبدو كأنني خارج من البحر للتو .. إقترب مني “حارس المقبرة” ..بدا لي خائفا..صوب نحوي “مصباحه الكهربائي” ولوح بدبوسه بيد مرتعشة وصاح : ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت ؟! قلت مبتسما : جئت ازور قبر أبي ..

. في طريق الخروج من المقبرة مررت به ..كان نائما نوما هادئا عميقا ..فكرت في أن أروي له ما حدث معي… رأيته يبتسم لي..ويهز رأسه ليخبرني أنه سمع كل ما دار بيني وبين الشاب “الغريق”..كنت متأكدا أن لا أحد سيصدقني سواه…

 

17/7/2018 يتبع…

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.