الغريب ، أميرة موسى – تونس

img

أربعُ سنواتٍ و سبعُ أشهر مرَّت… و هيَ تَحْفرُ التّجَاعيد على بَقايَا الشّبَاب… تجاعيدٌ لا تُخفيها أرقَى مساحيق التّجميل… أجمل سنوات العُمر قضّتها في سِجنٍ ظنّته “مُؤقّتا”… تُعانق الخيبة و تفترِش النّدم وتحدِّث في وحدتها الذّكريات عن شبابها وجمالها الذين ضاعا و فيما ضاعا… وتنزفُ الثّلث الأخير من العمْر في بُكاء جريمتها التي اقترفت و التي صَنّفها مُجتمعها الذُّكوريّ بأنّها شَنعَاء…
لم تكُن تُريدُ أن تقتُلَه… لكنّه اختار أن يَخُون الوَطن… و الخَائنُون عقابُهم المَنفَى أوْ المَوت… ثمّ يُدفن بعيدا عن التّي كانت له الوَطن… عمرٌ أُنْفقتْ سنواته في محاولاتٍ فاشلةٍ للهروب … و كلّ الزائرين الذين تطفّلوا عليها في سِجْنها لم يزُورُوها إلّا في محاولاتٍ اغتيال ما بقي فيها من أمل في الحرية لا أكثَر… لكن بلطفٍ من الله كانت تنْجو منهم كلّ مرّةٍ بأعجوبة…لتعُود إلى زنزانتِها الانفرَاديّة بخَيبة الرّجاء و مزيد من الإحْباط…
لم تعد تتُوقُ إلى الحُريّة… فوراء القُضبان ذئاب بشريّة ينتظرُون القصَاص… المهم الان… أنْ يظل ذلك الفَجر مُنبثقا من بين القُضبان بعد كل ليلٍ طويل … نورٌ يباركها…يؤانسها في سجنها الذي أصبحت تعتقد أنّه “أبديّ”…
كلّ ليلة تجلسُ لتجترّ الحنين والأنين… يُسامرُها الدّمع و الخيال و ألم لا يهدأ بالرّأس…تنظرُ إلى تلك الجُدران الرّمادية التي تُحيطها و لتك القضبانِ الصّدأة التي تمتدّ إلى ما لانهاية… تَعُدُّ سنينَ العُمْر السّبعة والثلاثين و تُعِيد, على أملٍ أنّها أخطأت العدّ فتجِدُها أقلّ بقليل…حتّى يأخذها النّعاس رأفةً بها إلى عالم من الكوابيس…
استفاقت ذات صباح بعد رحلة من الأرَق و التّعَب…لتجِد عشر رسائل تنتظرُها… كُتبت بتوقيع “غريب”
أخذتها بيد مرتعشة لتُقلّبها في دهشة…و قلبها مُنقبضٌ و فكرها يتقلّبُ على جمرَاتِ الحَيرة “ما عساهُ كُتب فيها!!”
قرأتها بنظراتٍ مستعجلة متفحّصة قليلة التّرْكيز… بحبٍّها القديم للرّسائل و بلهفة الظمآن للقراءة…
كانتْ عَشرُ رسائلَ غرِيبة… قرأتْها مَرّات و مرّات دُون أن تفْهم مَعناها… تقرأ ثم تُعيد مُضطَربة و متسائلة أيّها الأُولى و أيّها الأخيرة… تتبعثرُ الرّوح في تبعثُرها…و لعلّها إنْ علمت ترتيبَها أنْ تجد بين السُّطورِ ما يجبُ أن يُفهم و تهدأ… كم أعياها التّفكير و حاصرتها الحَيرة كفرَاشةٍ مُضطَربَة حَاصَرتْها النّارُ من كلّ صَوب دُون مَنفَذ…
“يا الله” صرخت كغريق في ذلك الحِبر الجَريء… أحَسَّته يسقُطُ قَطرة قَطرَةفي دَمِها كلَحْنِ عَذابٍ لسَجين سياسيّ….
رسائل عشر غريبة… أتُراها كُتبت بيدٍ آثمة… أم بيدِ مُنصفة…
لم تستطع أن تُحْسِن الظنّ فتعتقِد أنّها رحمة… و لم تستطع أنْ تُسيء الظّنَ فتؤمنُ أنّها مكيدة…
كانت تقرأ سطورها و هي تتأرجحُ بين العقل و القلب… و ذاكرتُها تُعيدُها إلى دُروسٍ قاسية تلقّتْها من خَبيرٍ قال لها يوما “المَكائِد و الحِيلُ كثيرة إذا أراد صيّاد ما أن يُوقع فريسة”…
يبدُو أنّ هذا الزّائر خطير… لم يترك لهُ أثرًا… و بقدر ما زرع في نَفسِها من خَوفٍ وحيرةٍ و شكّ…بقدْر ما نثرَ عليها من الراحةٍ و السّلام… ورغم كلّ ما في الأمر من غرابة إلّا أنّ أغرب شيء أرجفّ صدرها و شتّتّ تفكيرها ما جاءت به إحدى الرّسائل كُتب فيها: ” بينَنا بوادِرٌ للسّلام… لكن بينَنا عَشرُ بُحُور رُبّما لنْ تجْعلُنا نبلغُه”…
جثتْ هذه الكلماتُ بأثقالِها على صَدْرها تُفتّتُ الأضْلُع…عشُر بُحورٍ ثائرة قدْ تتلاعبُ بها كغريقٍ لا ينْجو حتى يعُودَ لصِراع المَوج… كفيلةٌ بتغييرِ ملامحٍ خطّ الملحُ أسطرهُ فيها…عشر بُحور ذكّرتها برَصِيدِها من الحُزن و الألم و الضَّياع…و قادرة على أنْ تجْعلَ من بُنْيانها الشّاهقِ المُرَمَّم أنقَاضًا مُحَطّمة…وأنْ تَجعلَ منْ حُطامِها المُتماسِك أكوامَ أشلاءٍ مُبعثرَة…
كانت تودّ أن تَردّ عليه برسالة لتقولَ له: “السّلام يُمكِن لهُ أن يَحِلّ بيننَا إذا كَسَرنا قيدَ الحَديد الصَّدأ و غيّرناهُ بقيدٍ حريريّ ناعم و البحور العشرُ إنّما شُهود على المُعاهدة أو جندٌ مُسخّرةٌ لحمايتها”
“ربّاه!” مالي و تلك الرّسَائل ؟؟؟” صرختْ بحُرقةِ المُنهك من التَعبْ… أصْبحتْ تُدركُ أنّ زِنزَانَتها ضَاقت بها فكيف لا تضيقُ برسائلِ لا تحملُ عنوانا… ليس لها هويّة!!!…

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.