الغرابة بين كافكا وجيزلاف بيكشينسكي والمرضنة السعيد عبدالغني

img

 

الغرابة بين كافكا وجيزلاف بيكشينسكي والمرضنة

السعيد عبدالغني

*

من المعروف عن كافكا أنه روائي مفزِع وسوداوي وغريب وكذلك جيزلاف بيكشينسكي فنان مسرف الكابوسية ، مخيف ، وحشي ، مولع بالموت والأفول .

Painting to : Frank Kortan – THE METAMORPHOSiS

 

الغرابة هى معنى أو مرئي مذموم من انساق الثقافة المكونة له وهى الدين ، السياسة ، المجتمع وعاداته وتقاليده وهى مذمومة ومقززة بالنسبة للناس بشكل غالب ومثيرة للنفور والدهشة .

الغرابة لها علاقة بوعي الشخص وبديهياته ، الغريب عليه ما لا يعترف ببديهياته ، ما يناقض ما يعتقد أنها فطرات الانسان ، من يقيس هذا الذى يطلق عليه غريب  بشعوره المحدود وعقله المحدود ولا يعترف باختلاف البواطن وان هناك من هو اكثر شساعة تخييليا منه أو من هو مختلف باطنيا عنه .

وأسبابها أدرج منها : أن الوحدة لغير المتأملين الطوباويين ، تأخذ دربا دوما إلى الرعب والمشهديات والمرئيات والانسلاخات العنيفة . وهذا يأتى من نازع وجداني لأن الوجدان هو الدافع الاول للوحيد الذى يعبر عن ذاته للخلق ، صراع بين الكابوس والرمادى التخيلي وبين الزفافي والابيض الواقعي الموهوم . الذعر لديه يتحول إلى خيالات تبدو له حقيقية ويغذى ذلك رهافته فى التكوين التخليقي للمشهديات ورهافته تجاه المعانى ، فهو يستطيع تدوير أى شىء إلى كابوس ، إنها لذة الوحيد ، إسدال المأساة الداخلية الواسعة على خلقه . ولم بالذات الكابوس ؟ لأن الكابوس به جمالية عميقة عنيفة تعبر عن جوهر الوجود كله ، فالوحدة هى الحياة مع الذات مباشرة بحقيقتها وجوهرها العاري بشكل مطلق ، لذته فى التخيل ونشوته فى التخيل المرعب ولن تثار مخيلته سوى بما يعبر عن صور لرؤيته للوجود ورؤيته لذاته. عمل المخيلة دوما يعتمد على تعميق الشعور الاساسي الاعظم فى الوجدان وتدعم هذه الفكرة مقولة أرسطو ” أن الخيال هو حركة معينة تنتج بواسطة الإحساس حينما يكون متحركا ” . التعميق يأتى لإزالته أو لمعرفة كنهه والشعور الأساسي عند كافكا هو الذعر لذلك تعمق مخيلته الرعب . ويظهر ذلك عند كافكا جليا فى رواية ” الانمساخ “حيث يتحول إلى حشرة  ومنشأ الغرائبية هى الوحدة والابتعاد عن السائد والانغماس فى الباطن فيحمل الوحيد معانى مختلفة لما هو سائد ومرئيات مختلفة لما هو سائد وعلى العكس كان جيزلاف بيكشينسكي. فلم يكن وحيدا ولم يكن سوداويا بل كان شخصا مرحا ولكن الأمر عنده أقصد الغرابة كانت من نزوع فكري كونه سريالي حيث يعتمد على فيض الحلم ودفقاته كمادة للخلق .

التخييلي لا تغريه الواقعية لأنها محكومة بأبعاد وحدود فيزيائية وإنسانية والامتداد فى التخييل يزود الذعر والاضطراب لأنه يٌدخل إليه مدركات كثيرة نفسية فى وقت واحد فلا يحيا حياة واحدة فى اللحظة بمدركات واحدة إنه يحيا دوما فى اللحظة. ويظهر ذلك جليا أيضا عند جيزلاف بيكشينسكي نهج السريالية الكابوسية فلوحاته عبارة عن هياكل عظمية وألوان قاسية وأناس ممزقة وجماجم وكائنات مرعبة وحتى التشكيل اللاكائني لديه يكون مدمر أو متفجر ، إنه كائن يحيا فى الابوكاليبس ومفرداته الكونية .

الخالق دوما مرهف وهذه الرهافة تنقل تحركات أخرى للاشياء والوحدة تزود الرهافة فتزود القدرة على إنتاج عالم جديد أبعاده هى ما بوجدان هذا الذى يخيل .

الخالق التخييلي الواقع بالنسبة له كيان عارض ، المخيلة هى الاساسي لأنه لا يتحقق إلا بها ولا يشعر بأنه وجد خيطا له إلا بها مهما كانت نافية له من كل فم حوله ،مستنكَرة ، مهانة ، الواقع له مادة لمخيلته .

من أسباب هذه الظاهرة أيضا هى عيش الإنسان فى سجن أو فى لانهائية نفسية وهى مرتبطة بشكل كبير بالشخص المتطرف المدمن على الوجود في عزلة ووحدة وغير المتصل والمتحد والمندمج اجتماعيا ، الخيالي بمعنى اصح والمريد شيئا واحدا فقط وهو خلق الغرابة بدون قصد منه حتى .

الغرابة في الإبداع هى الخروج عن البديهيات الرمزية والروتينية التعبيرية الشكلية الإدراكية والثورة على ثبات السريان فى العملية الابداعية والتعبير عن المكبوت بكل أنواعه وكسر التابوهات ليس باللغة فقط بل بالتجسيد لأن التجسيد يكون أكثر تأثيرا لأن الإنسان يتأثر بما يستخدمه هو نفسه طوال اليوم من الصورة ليست اللغة ، الصورة اللغة الأكثر تأثيرا أبدا والخروج من حدود الشائع فى التناول النفسي .

 

وضد هذه الغرابة ألفاظ ثابتة عند الجمعي منها غريب ، مريض نفسي ، مجنون ، سوداوي إلخ ، عندما يقول هذه الالفاظ  فهو ما أن ما يطلقها  حتى يستبعد كل حقيقية العمل الابداعي للمريض النفسي هذا أو الغريب أو المجنون .. أو أيا كان ما يطلق عليه .والتصنيف دوما يحجب القابلية والامكانية للفهم وهذه طريقة منتشرة فى كل الثقافات ، الكلمات التى تنهى التعليل والرؤية والتأمل. وهنا بسبب شمول النفس الإنسانية وما يبدعه أحدا فى الإطلاق هو لم يأتي به من كيان آخر غير النفس الإنسانية ، وهنا الخوف من مجرد احتمال ان يكون الجمعي يحوي ذلك بدون أن يدرك ذلك، وأن الاحتمال الكلي يجعل هذا الجمعي خائف من أن يكون به هذا .والدليل أن هناك من ينجذب لذلك الإبداع للمريض النفسي أو السوداوي .. وينجذب لشخصيته لأنه رأي المحرَر من مكبوته وكان هذا المجنون محرِره ومحررَه.

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب السعيد عبد الغني

السعيد عبد الغني

شاعر مصري وقاص فقط لا شىء آخر

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: