الطبيعة الحسنة عند أرسطو من خلال علاقة الأخلاق بالسياسة

img

حيدر اليوسفي باحث تونسي مختص في الفلسفة

 

الطبيعة الحسنة عند أرسطو من خلال علاقة الأخلاق بالسياسة

مقدمة

“إننا لا نناقش موضوعا هينا، إننا نناقش كيف ينبغي أن يعيش الإنسانذلك ما أدلى به أفلاطون في كتاب الجمهورية”، فمنذ بداية الفلسفة إنشغل الفلاسفةولايزال العديد من المفكرين والدارسين ومعهم الممارسون للشأن السياسي،على مر العصور، بالبحث والتحليل حول ثنائية الأخلاق والسياسة محاولين فهم وتفسيرالظاهرة المجتمعية في مختلف أبعادها النظرية، والمؤسسية والعملية من جهة، ومجتهدين في تفكيك السياقات التاريخيةوالشروط السوسيوثقافية والسيكولوجية المتحكمة في فكر وممارسات الفاعلين السياسيين أنفسهم سعيا منهم لرصد حدود التداخل والتباعد بين الحقلين السياسي والأخلاقي ولتقديم المسوغات النظرية القائلة بالتكامل والإتصال بين هذين المجالين، أو تلك المبررة لفرضيةالتنافر والأنفصال بينهما من جهة أخرى ذلك ما كان جليا في أعمال أرسطو خاصة مؤلف السياسات والأخلاقيات بفروعها الثلاث الأخلاق الكبرى وكل من علم الأخلاق إلى أديموس Ethique à Eudèmeوعلم الأخلاق إلى نيقوماخوسEthique à Nicomaque الذي سنشتغل عليه في بحثنا هذا المتعلق بالنظر في طبيعة الفضائل الخلقية التي تحكم الطبيعة الحسنة من حيث هي تجلي لأخلاق السعادةذاك المبحث القديم في الفلسفة والعريق في تشكله المفهومي وما لها من مقدمات نظرية وعملية تعتني بالنظر في الكيفية التي يصبو بها الإنسان لتحقق الخير الأسمى وذلك بالنظر في سبل وآليات بلوغها ضمن علاقة الأخلاق بالسياسة بإعتبار الإنسان كائن سياسي حسب عبارة أرسطو وبمأن الانسان بطبعه كائن اجتماعي ميال إلى اقامة التجمعات السياسية ، أي الدولة ، لتحقيق رغباتهوأنهدف الدولة يجب أن يكون تحقيق السعادة لشعبها وجب علينا النظر في قيمة الدولة من خلال تحقيقها لتلك الغاية التي أتت لأجلها وهي تحقيق السعادة للجميع

هذا المفهوم جعلنا أمام جملة من الإستشكالات والتي تتمثل في الأتي:

كيف تتحدد أخلاق السعادة في الفلسفة الأرسطية بماهي شرط من شروط المجتمع الفاضل ؟

وكيف تساهم السعادة من حيث هي فضل الفضائل في بلورة سلوك الفرد ؟

وهل يسعنا الحديث عن تواجد للفرد خارج إطار المجموعة أم أن طبيعته تحتم عليه التواجد ضمن الجماعة ؟ وإذا أقررنا أن الفضيلة تتطلب العيش ضمن مجموعات ألا يعني ذلك أن الإجتماع السياسي ضروري لكل مشروع أخلاقي؟ وبالتالي كيف تتحدد طبيعة العلاقة بين الأخلاق والسياسة؟

I-            أخلاق السعادة ودورها في صياغة سلوك الفرد

من الثابت أنه مهما تعددت صورة الأخلاق في الفلسفة اليونانية فإنه لاتخرج عن كونها أخلاق السعادة مثلما ينظر إلى ذلك الكثير من المؤرخين للفلسفة ذلك أنه إذا كان في الفترة الحديثة وأبرز روادها كانط يقال إفعل هذا لأنه واجبك فإنه في الفلسة القديمة يقال لك إفعل هذا لأنه يؤدي إلى سعادتك ,وعلى هذا الأساس فإن الأخلاق الأرسطية لا تخرج عن هذا الهيكل الواضح الذي إنبنت عليه الأخلاق اليونانية بصفة عامة مثلما يعد أرسطو المعلم الأول واحدا من أبرز فلاسفة الحضارة اليونانية وضوحا في تبيان الغاية من الأخلاق ولكن لا تقتصر في حقيقة الأمر هذه الميزة على هذا المجال فحسب وإنما نجدها في شتى إبداعاته الفلسفية الأخرى ولعله لهذا السبب حضي فكره بإهتمام كبير من المفكرين والفلاسفة خاصة إبن رشد الذي قال عنه من شدة إعجابه وتأثره به “إنه الإنسان الأكمل والمفكر الأعظم الذي وصل إلى الحق”([1])

إن الخير والسعادة كتعبير عن الطبيعة الحسنة كلها ألفاظ متعددة تهدف إلى غاية واحدة في الأخلاق لذلك يقول أرسطو “إن فعل الخير والنجاح وتحصيل السعادة كلها ألفاظ متعددة تدل على معنى واحد”([2]).

إن فكرة السعادة هي الجزء المشترك بين عظماء اليونان باعتبارها الغاية القصوى للحياة كم أنه تطلب لذاتها أي أنه غاية في حد ذاتها، لكن قبل أن إدراك طبيعةالسعادة باعتباره مطمح إنساني وغاية ينشدها كل فرد لا بد لنا من معرفة النفس الإنسانية التي من خلالها نتعرف على سيكولوجية الذات.

إن السعادة في النهاية لاتعدو عن كونها حالة من حالات النفس, فالنفس عند أرسطو لا تختلف عن أراء كل من سقراط و أفلاطون حيث يؤكد أن الإنسان قائم على نفس وبدن. على هذا الأساس يؤكد أرسطو على هذه الثنائية التي تتضح تمام الوضوح في قوله “النفس كمال أول لجسم طبيعي ألي ذي حياة بالقوة “([3]).

هذا يعني أن النفس والبدن يوجدان في الأن نفسه وهذا ما ينسجم مع فلسفته التي تفصل بين المادة أي الهيولى والصورة ,فالصورة ملازمة للمادة والفصل هنا هو فقط للتوضيح وهو ما يختلف فيه أرسطو عن وجهة النظر الأفلاطونية القائلة بأن النفس جوهر روحاني مفارق كان موجودا قبل البدن، كما يشير أرسطو إلى أن النفس مراتب فهي لا تخص الإنسان وحده وإنما تتعلق ببقية الكائنات الأخرى حيث يقول أرسطو في الكتاب الثاني من النفس “إن النفس كائن مركب وبمأن النفس لا تتماهى مع الجسد مؤكد أن الإنسان أكثر الكائنات تطورا حيث يمتلك الإحساس والعقل وعلى هذا نستطيع أن نميز بين أجزاء النفس فنقول الغاذية والحاسة والعاقلة ويمكن تعريفها بصفة عامة بكونها صورة لجسد طبيعي يمتلك الحياة بالقوة وهي افعل أو تمام الفعل وكماله”([4]).

من هذا المنطلق فإن النفس تمثل وظيفة الكائن الإنساني الحي لأن الوظيفة هي التي تحدد بنية الشيء وماهيته وعليه تصبح النفس تمام لمجموع الوظائف الجسدية هذا وتقوم النفس على ثلاثة مراتب حيث تمثل النفس النباتية أبسط النفوس لأنها موجودة في كل الكائنات الحية وتتمثل وظيفتها في توفير وظائف التغذية مما يساعد على تحقيق النمو في حين أن النفس الحيوانية تنحصر مهمتها في الإتصال بالعالم الخارجي المحسوس عن طريق الحواس مثل الشم والإبصار، أما النفس الثالثة هي النفس الإنسانية التي يختص بها الأنسان وحده في كل زمان ومكان لأنه يتميز عن غيره من الكائنات بالنطق أو العقل.

كل هذه الوظائف أي التغذية والإحساس والفكر هي منشأ الحركة الدافعة إلى السلوك التي تصدر عن النفس كلها لا عن جزء بعينه، وبالعودة إلى الهدف الذي يسعى إليه كل كائن بصفة عامة والإنسان بصفة خاصة هو أن أي كائن لا يبلغ غايته ولا يسعه تحقيق غايته إلا بأدائه لوظيفته الخاصة على أكمل وجه فذلك هو الشرط الأساسي لحصولها.

إن سعادة الإنسان من حيث هو كائن عاقل ليست بالإكتفاء بالحياة الغاذية لأن هذه الأخيرة صفة نشترك فيها مع كل الكائنات الحية لكن أرسطو يؤكد على مزية العقل بماهي الصفة التي يمتاز بها الإنسان في إنسانيته عن سائر الموجودات الأخرى فالسعادة إذن تقف على عمل النفس الناطقة وعمل النفس الإنسانية بحسب فضيلتها هو مصدراللذة الحقيقية والسعادة بما للذة من بعد روحي وبالرغم من قرابتها من الخير الأفلاطوني من حيث هي لذة نظرية مجردة فإن نظرته للسعادة كانت نظرة لا تخلو من الطابع المادي التي تؤكد في حقيقة الأمر على النجاح المادي في الحياة لبلوغ السعادة وهنا تتميز النظرة الأرسطية للأخلاق في كونها نظرة واقعية تبتعد تمام البعد عن الأفلاطونية التي تبشر بمثل عليا فوق مستوى البشر وفي هذا الإطار يقول أرسطو “ليس هدف الحياة الخير في حد ذاته، بل السعادة، لأننا نختار السعادة لذاتها لا لشيء أخر ونحن نختار الشرف والسرور والإدراك لأننا نصل عن طريقها إلى السعادة”([5]).

هنا لا أحد يمكنه أن ينكر الجانب المادي في بلوغ هذا الهدف لأنه من الصعب جدا أن نفعل الخير تجاه شخص أخر دون دوفر الشروط التي تساعد في تحقيقه كالصحة والسلطة والمال لأنها ضرورية لتحقيق السعادة هذا ويؤكد أرسطو أن حياة التأمل والتفكير هي السعادة الحقيقية وعلى هذا النحو يصبح فعل التعقل مرتبطا إرتباطا وثيقا بالفضيلة الخلقية ذلك أن ميادين التعقل تنبع من الفضائل الخلقية لأنه لا يمكن حصر السعادة في جانب حسي محدد بإعتبار أن الهدف الذي ينشده الفرد لا يمكن أن ينتزع أي لا يمكن أن يكون مرتبطا بأنية زمنية فمن الخطأ أن نجعل من السعادة رهنا للثراء أو القوة لأنه لو ننظر إلى التاريخ السياسي مثلا سنجد أنه كم من الحكماء الذين رفعهم شعبهم ثم في فترة من الفترات ثاروا ضدهم.

ما يميز السعادة عند أرسطو هي سمة الثبات وما يحملة هذا المعنى من صفة الديمومة وفي ذات الوقت هي سعادة ذاتية من حيث أنها تهتم بالجزئي أي بالذات لا بالكلي لكن ترى كيف نصل إلى السعادة ؟ أو ماهي الشروط التي يجب أن تتوفر لدينا حتى نكون جديرين بالسعادة ؟

II-       سبل تحقيق السعادة

  يبين أرسطو على أن الفضائل نوعين حيث نجد فضائل عقلية خاصة بالإنسان من حيث هو قوة ناطقة كالعلم والفن والحكمة بنوعيها النظري والعملي وهي تكتسب بالتعلم غير أن إكتسابها يتطلب وقتا، يقول أرسطو في هذا الصدد “بلوغها يتطلب وقتا طويلا وخبرة عظيمة والحكمة النظرية هي أم الفضائل جميعها لأن الفضيلة الوحيدة التي يتشارك فيها الإنسان مع الإله، فالإله عقل وتأمل وتفكير”([6]).

هنا نتبين أن الإنسان مهما أوغل في التأمل والنظر إستمتع بهذه السعادة هنا تكمن عظمة التأمل والتفكير إما الفضائل الأخلاقية كالشجاعة والكرم فهي فضائل نكتسبها عن طريق التعود والممارسة أي عن طريق التعلم ذلك أن كل فرد مهيأ لإكتسابها فهي موجودة في طبعه أو إستعداداته أو بحسب عبارة أرسطو فهي موجودة بالقوة لتصبح فيم بعد موجودة بالفعل عن طريق العمل، هذا ويؤكد أرسطو على أن الطريق الموصل إلى الفضائل الأخلاقية هو الطريق الوسط الذي يسميه أرسطو بنظرية الوسط الذهبي، بحيث يصبح الوسط فضل بين طرفين كالشجاعة من حيث هي وسط بين التهور والجبن أو فضيلة الكرم من بماهي وسط بين البخل والإسراف.

من هذا المنطلق إن الفضيلة حسب المفهوم الأرسطي تتحدد كملكة خلقية إرادية متجذرة في النفس تجعل الإنسان قادرا على تخطي الإفراط والتفريط واقعا إختياره على الوسط  لكن ما يؤكد عليه أرسطو هو وجود بعض الأفعال التي لا أوساط لها كالحسد والحقد والسرقة وهو ما يتطلب حكمة ودراية في إختيار الوسط . وبما أن لكل موجود وظيفة يؤديها فإن خير الإنسان وكمال وجوده يكمن في ممارسة حياة الحكمة لذلك يقول أرسطو في هذا الصدد واصفا السعادة “السعادة الحقة إنما تكون في ممارسة حياة الحكمة والتأمل”([7])، ذلك لأن الحياة الأخلاقية مراتب ففي حياة اللذة غالبية الناس يفضلون حياة اللذة أي حياة العبيد مطابقين بين للذة والخير الأسمى وهو ما يعكس إنغماسهم في حياة اللهو والمرح لكن لا يمكن لهذه اللذة أن تكون الخير الأسمى لأن الإنغماس فيها يجلب للذات سوى الضرر وبالتالي لا تتحقق سعادته أما حياة السياسي فهي مطلب علّية القوم وخيرهم الأقصى لكن حياة الحكمة هي أرقى درجات الحيوات لأنها ممارس لفعل التأمل على أحسن وجه من حيث أن الإنسان كائن ناطق فسعادة الإنسان تعود إلى إستمرار الفعل الأكثر إلتصاقا بطبيعته الناطقة يقول أرسطو “إذا كانت السعادة هي الفعل المطابق للفضيلة فمن غير المعقول أن تكون مطابقة لأسمى فضيلة فينا التي هي أحسن شيء فينا سواء كان هذا الشيء بما هو مرشدنا عقلا أو أي شيء أخر “([8])، وبالتالي فإن فعل هذا الشيء من وجهة نظر أرسطو بإعتباره النفس العاقلة فهو فعل تأمل .

إن خير الإنسان هو فعل النفس الناطقة المطابقة للفضيلة فإذا كانت هناك أكثر من فضيلة واحدة فإن هذا الفعل لابد أن يكون متصلا بأسماها لأن السعادة ليست فعل يوم واحد أو زمن قصير بل تتواصل مدى الحياة والتأمل من حيث هو فعل النفس الناطقة بحسب طبيعتها إنما يتفق مع الحق لما يلي من الأسباب والتي تتمثل أساسا في كون فعل التأمل ليس من أفضل الأفعال بإعبار العقل أفضل شيء لدينا فحسب بل كذلك لأن موضوعات العقل هي أفضل موضوعات المعرفة كما أن التأمل أكثر إستمرار من الإفعال الأخرى لأننا نستطع تأمل الحق بدرجة أكثر إستمرار من إستطاعتنا فعل أي شيء أخر ونحن نظن دائما أن السعادة تنطوي على اللذة في حين أن الحكمة الفلسفية بماهي تأمل هو أكثر الأفعال الفاضلة ومن هذا المنطلق نستنتج أن فعل التأمل هو أرقى وأسمى فعل للنفس الناطقة الذي لا يستهدف غاية غير ذاته.

لكن إذا كانت حياة الحكمة هي خير الإنسان وبها تكتمل سعادته لأنه من الخيرات الجوهرية المتعلقة بالنفس فإن هناك من الخيرات الخارجية العرضية مايدخل في نحت معالم السعادة وذلك كالأبناء وجمال الخلقة والصداقة لأن كل هذه الأمور إذا لم تتوفر إنعدمت السعادة وإنتفت هذا بالإضافة لكون بعض العوامل المادية كالفقر والمرض والكوارث الطبيعية تمثل حاجزا منيعا أمام تحقق السعادة وبذلك تجرد الفعل الفاضل بما تزوده به الثروة والسلطة.

إن السعادة لا تكمن فقط في تحقيق معادلة بين الأشياء وإنما كذلك للخيرات الخارجية قدرها في نحت معالمها بإعتبارها غاية يرنو إليها كل إنسان ولعل تأكيد أرسطو على قيمة الصداقة في قوله “إن أنبل الأمور التي تساعد في الوصول إلى السعادة هي الصداقة”([9]).ليس إلا دليلا على الدور الذي تلعبه العلاقات بين الأفراد في ضمان التعايش وتحقيق الاستقرار.

III-  ضرورة الاجتماع  السياسي كشرط للفضيلة

إن تناول مسألة الاجتماع له بعد كبير في الأنتروبولوجيا الأرسطية حيث يبدو ذلك جليا لنا حين نقرأ بداية مؤلفه السياسات ثم النيقوماخيات التي تؤكد على الحاجة الفيزيولوجية والفطرية ثم النفسية للإجتماع بما للإجتماع من طبيعة تربوية وإجتماعية يلخصها أرسطو في تأكيده على أن “الإنسان حيوان سياسي” ليس إلا تأكيدا على وجود معقولية مشتركة للغايات الإنسانية الطبيعي منها والثقافي وعلى هذا النحو فإن تأسيس فضاء جديد للفكر والعمل السياسي ليس إلا تأسيسا لفلسفة جديدة تبحث في القيمة من جهة مثلما هو الحال في كتب الأخلاق أعني الكتب الثلاثة (الأخلاق إلى أديموس، الأخلاق إلى نيقوماخوس والأخلاق الكبرى) لتنتهي بالسياسة تشريعا وتقنينا لأن وظيفة السياسي حسب أرسطو مساوية لوظيفة رجل الخير من حيث هي تحقيق للغاية المثالية وبالتالي غاية الدولة تصبح في تماهي مع خير أعضائها بإعتباره غاية كل اجتماع سياسي مستند في تشريعاته على ظروف كل جماعة مع مراعاة السياسي في تعييره للخير الأسمى هذا ويرى أرسطو أن كل غاية تكون غايتها غير ذاتها بإعتبارها تتعلق بغاية أسمى منها ، لذلك يحدد أرسطو المدينة بماهي وسط لكفاية الحاجات الضرورية للحياة ذلك أنه بمجرد اجتماع الإنسان بمماثليه تحدث لذة روحية فضلا عن توفير ما ينفع الإنسان من حاجات مثل التكاثر من جهة وما يضمنه النزوع نحو الاجتماع من تحقيق الخير والفضيلة ولهذا السبب يعتبر أرسطو السياسة مثلة للخير الأسمى لكونها العلم التنضيدي للعلوم النافعة للإنسان كالإقتصاد وفنون الحرب والإدارة.

إن الدولة هي التي تتكفل بالتشريع لما يجب فعله وما يجب تجنبه فهي التي تحدد الخير الأسمى للفرد والمدينة حيث يقول أرسطو في هذا الإطار “إن غاية السياسة تكوّن الخير الإنساني الأتم ذلك أن الخير هو بالتأكيد م يرغب فيه حتى الإنسان المنعزل لكونه يكون أكثر إجلالا عندما يطبق في جماعة أو مدينة “، فالتناغم يحدث عن طريق تظافر وتكافل وظائف أعضاء المدينة حيث يصفها أرسطو في كتابه السياسات “بالسمفونية” تعبيرا عن تناغم وظائف أعضائها وتعاونهم على تحقيق ماهية الإنسان بممارسة الفضائل لاكم ححدها سقراط برهنها لما هو معرفة فقط وإنما في ممارستها وهو ما يعني أن الفضيلة ترتبط إرتباطا وثيقا بالخيرات الخارجية كالصحة مثلا وحسن التدبير والثروة ذلك أن الإقتصار على بعد واحد دون غيره فيه إخلال بوظيفة الإنسان وفي هذا الإتجاه يقول المعلم الأول “خطافا واحدا لا يصنع الربيع”.

إذا كان علم الأخلاق يهتم بالأراء والعادات والأمزجة والأهواء فإن المدينة يقع على عاتقها كفاية الحاجات الضرورية للحياة كالإقتصاد ثم الحاجات الروحية كالصداقة وتضامن الأفراد فيما بينهم ليكونون معا العلم المدني وموضوعية السياسة والأخلاق فالمدينة بماهي منزل المنازل وكلي الإجتماعات الصغرى فهي ملتقى اجتماع القيم ومجال تحقق الغايات لذلك لا يفصل بين نظرية تكون المدينة ونظرية تحصيل السعادة، يقول أرسطو “المدينة هي المجال الأكثر إجلالا وألوهية لكونها الفضاء الأرحب لتحقق الغايات”([10]).

مهما تنوعت الأنظمة وإختلفت فإنها تشترك جميعها في كونها ذات نسق قيمي تحدد به أهدافها وغاياتها مثلما تسعى كل النظم الديمقراطية لتحصيل الحرية كغاية لها، من هذا المنطلق عن لا تنفصل القيمة الخلقية عن الأدوات والفنون السياسية بماهي سلوك تجد أساسها في العلاقات الطبيعية للممارسات الإنسانية الأبسط مثلما أن الأب يكون رب العائلة من ناحية تربية أولاده يماثل الحاكم من حيث الأدوار التي أتيحت له ذلك ما أتت به العبارة الأرسطية “المدينة من الأمور الطبيعية وأن الإنسان مدني بالطبع”، فطبع المنية هو الصفة الجوهرية التي خص بها الإنسان وهي المرتبة الوسطى بين الحيوانية والألوهية فالإنسان يتميز عن بقية الكائنات بتوفره على صفة النطق وما تتيحه له من تعبير عن اللذة والألم وبالتالي عن الخير والشر ، لذلك لا بد من تنظيم إجتماعي يحمل في أفقه توافقية القوانين وتلاؤمها مع الفضائل حيث يؤكد أرسطو على إستحالة حصول الفضيلة دون قانون مدني،

IV-                    في علاقة الأخلاق والسياسة

لقد بقي إندماج الأخلاقي بالسياسي واضحا تمتم الوضوح في فلسفة أرسطو من خلال ثلاث أفكار رئيسية تعكس ذلك التوافق بين الأخلاق والسياسة أولها فكرة الغائية إذ يذهب أرسطو إلى أن سلوك الإنسان هو سلوك غائي أي أنه يهدف لتحقيق غاية ما وبالتالي فإن كل سلوك بشري فهو سلوك غائي حيث يقول في المقالة الأولى من كتاب علم الأخلاق إلى نيقوماخوس “كل فن وكل بحث وكل نشاط بشري يرمي إلى غاية ما، أو إلى خير ما “[11]، وبالتالي فإن كل سلوك بشري لابد أن يستهدف غاية معينة  التي تعتبر خيرا في حد ذاتها  وبمأن الأنشطة التي يقوك بها الإنسان تتسم بالتنوع مثل الطب الذي يهدف إلى تحقيق الصحة أو علم الملاحة الذي يهدف إلى بناء السفن فما نلاحظه هو أن جميع هذه الحالات تكون الغاية خيرا لكن غايات العلوم الرئيسية تفضل العلوم الثانوية لأن الأولى تخدم الثانية، وعلى هذا الأساس نجد أمامنا جملة من الغايات تختلف بإختلاف أنماط السلوك غير أن هذه الغايات يمكن ترتيبها حسب الأفضلية بحيث كل غاية يمكن أن تندرج تحت غاية أخرى حتى تقف عند الغاية التي تقبع تحتها كل الغايات وهي الخير الأسمى.

تلك هي الغاية الت تطلب لذاتها ألا وهي الخير الأسمى وماله من قيمة كبرى في حياة الإنسان ، كيف لا وأن علم السياسة بإعتباره العلم الذي يحدد ماهي العلوم التي ينبغي أن توجد في الدولة والتي ينبغي على كل فئة من المواطنين تعلمها. ومن هذا المنطلق فإن علم السياسة يعمل على تحقيق السعادة والسعادة هي أن نعيش الحياة الفاضلة وأن تكون أفعالنا أفعالا فاضلة، لما كان الفرد جزء من المدينة فإن علم الأخلاق جزء من علم السياسة، لأنه إذا كان علم الأخلاق يهدف أل خير الفرد فإن علم السياسة يسعى لتحقيق خير الدولة ذلك أن علم السياسة حسب تعبير أرسطو “أسمى هدف للسلوك البشري”.

سيكون من واجب هذا العلم أي علم السياسة أن يضع نظرية عن سلوك الإنسان توضح ماهي الأشياء الأحسن أو الأفضل والأكثر كمالا من غيرها، هذا ويربط أرسطو بين الأخلاق والسياسة برباط وثيق جاعلا الهدف من قيام الدولة هدفا أخلاقيا في المقام الأول فالدولة في نظره عبارة عن جماعة تتفاعل أجزاءها مع بعضها البعض بروح التعاون لتحقيق ما يسميه “دولة الصداقة” وهي دولة الخير العام يقول في هذا الصدد “كل دولة تتألف من جماعة وكل جماعة تقوم لتحقيق خير ما”[12].

إن الأخلاق التي تهدف لتحقيق الخير ليست سوى فرع لعلم السياسة، فإذا كان كتاب الأخلاق يعالج الأمور الخيرة للإنسان بوصفها هدفا للسلوك البشري فإن مؤلفه في السياسات يتناول شروط المجتمع الخير والمدينة بوصفها جماعة منظمة وبالتالي يصبح السلوك الأخلاقي صفة لسلوك الفرد والدولة ، فالأخلاق لا تنفصل عن السياسة وإنما تتحد معها، فالأخلاق والسياسة مدمجان في هوية واحدة.

خاتمة

لقد رفض أرسطو إعتبار الخير والقيمة شأن متعالي على الواقع الإنساني مؤكدا من خلال تعريفه الأنثروبولوجي للإنسان على إرتباط الأخلاق بالسياسة مؤكدا في السياق نفسه على أن الجزئيات الجوهرية أو القيم الجزئية على الرغم من أهميتها تحتاج إلى جوهر يقومها وهو في الأن نفسه معيار تقويمها تلك هي حاجة اللوغوس للبصيرة كما بينا في بحثنا المتواضع المتعلق بالطبيعة الحسنة ضمن أفق علاقة الأخلاق بالسياسة أن رصد المطلق تعاليه ليس في حقيقة الأمر تخلصا من الواقع وإنما هو مطلب فمن دونه لا يمكن أن نقيس نقائص الواقع الذي يريد السياسي معالجته بحسب ظروفه ووسائله وبذلك تتطابق القيمة الخلقية مع أهداف لعلم السياسي لتحصيل خير العائلة والفرد في تلك الوحدة التي تسمى بالمدينة وعليه فإن الهدف الأسمى من حياة الإنسان ليس الحياة وحدها ، وإنما ما يصاحبها من أفعالحسنة تساعد الانسان على العيش الكريم ، وأن البحث عن السعادة هو البحث عنالحياة الكريمة التيتسودها الفضائل والأفعال الحميدةوإن الاجتهاد لأداء الفضائل يخلق الرغبة لفعل كل ما هو صواب في حد ذاته ، ويخلق الرغبةلجني الحكمة العملية ، وإن أرقى مراتب الوجود العقلي هو التأمل ، وهو الممارسة الفعلية للحكمة النظريةولأن الانسان كائن غير كامل العقلانية ، فإن عليه أن يمارس الفضائل العقلية والأخلاقية بشكل متزنلتحقيق الحياة الكريمة السعيدة.

قائمة المصادر والمراجع

  • علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، تأليف أرسطوطاليس، الجزء الثاني، ترجمة أحمد لطفي السيد
  • علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، تأليف أرسطوطاليس، الجزء الأول، ترجمة أحمد لطفي السيد
  • كتاب النفس، لأرسطوطاليس، ترجمة أحمد فؤاد الأهواني، مراجعة الأب جورج شحاتة قنواتى، تصدير ودراسة مصطفى النشار، المركز القومي للترجمة، الطبعة الثانية
  • أرسطو، عبد الرحمان بدوي، بيروت، دار المعلم
  • أرسطو، السياسات، ترجمة الأب بربار البولسي، بيروت، طبعة 1970
  • Ethique a Nicomaque, Paris, vrin 1972
  • إبن رشد، فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من الإتصال، إشراف محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1997
  • ول ديورنت، قصة الحضارة، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف بيروت، طبعة 5

[1]– عبد الرحمان بدوي ,موسوعة الفلسفة,الجزء الأول, المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت, طبعة 1984, صفحة 122

[2]-إبن رشد،فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من الإتصال، إشراف محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1997

[3]-الكتاب الثاني، من مؤلف النفس، لأرسطوطاليس، ترجمة أحمد فؤاد الأهواني، مراجعة الأب جورج شحاتة قنواتى، تصدير ودراسة مصطفى النشار، المركز القومي للترجمة، الطبعة الثانية، 2015

[4]– مرجع نفسه، الصفحة 412

[5]– ول ديورنت، قصة الحضارة، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف بيروت، طبعة 5، ص86

[6]-ول ديورنت، قصة الفلسفة، صفحة 87

[7]– كتاب علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، تأليف أرسطوطاليس، الجزء الثاني،  ترجمه من اليونانية إلى الفرنسية بارتلمي سانتهلير، نقله إلى العربية أحمد لطفي السيد، مطبعة الكتب المصرية بالقاهرة 1343ه-1924م، الكتاب العاشر المتعلق بالسعادة

[8]– مرجع سابق، الكتاب العاشر

[9]-المرجع نفسه، الكتاب الأول، نظرية الخير والسعادة، الصفحة 9

[10]-أرسطوطاليس، السياسات، ترجمة الأب أوغسطين البولسي، الطبعة الثانية

[11]– مرجع سابق، الكتاب الأول

[12]– الأخلاق والسياسة دراسة في فلسفة الحكم، الأمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: