الصّادق بن مهنّي :كلمات عن رواية “القاضي والبغيّ” للمنّوبي زيّود

img
الصّادق بن مهنّي :كلمات عن رواية “القاضي والبغيّ” للمنّوبي زيّود
 
صدرت هذه الرّواية عن دار “نقوش عربيّة” مطلع 2018.وهي تشغل246صفحة من حجم متوسّط أضيفت إليها صفحة تعريف بالمؤلّف.
 
شدّتني هذه الرّواية حتّى أنّي قرأتها في يوم واحد وإن صبرتين.
شدّتني لغتها الّتي جمعت بين الثّراء والبساطة في آن.
وشدّتني طرافة تناولها للتّراث.كما شدّني أتّساع اطّلاع صاحبها على الأدب العالميّ قديمه وحديثه.
ووجدتني وأنا أقرأ الرّواية أميل عن غير إرادة بيّنة إلى التّأمّل عميقا في شخصيّتها الرّئيسيّة ( عبدالغفّار) وأعيد تركيبها كم مرّة باستجلاب وجوه ناس عرفتهم أو بتوجيهها على دروب عيش أخرى.
قاض سام يكتشف فجأة وهو يتقاعد أنّه لم يعش بعد.ينتفض ويهرب إلى نفسه يعيد رسم ملامحها يتثبّت من أبعادها.تخلخل فيه ثوابتها .يرفض أن يقعد ينتظر حتفه الآتي.ويرتاد مسالك بحث وعيش تقطع مع ما كان.يمضي إلى الماضي لا هربا ولا للتأسّي بل ليستخلص منه عصارة للآتي.يعود إلى الجامعة دارسا.ويعود إلى المدينة ومنعطفاتها حتّى الرّماديّة منها لأنّه يجد شيئا من ذاته العميقة فيها.ويعيد اكتشاف الحبّ متحرّرا متمرّدا حقيقيّا واقعيا ولا قيود تفسده.
رجل يقف على أعتاب الشّيخوخة . لا تجرّه السّلفيّة الزّاحفة لا إلى التمسّح على أعتاب ماضويّين ومستغلّين للدّين ولا إلى أن يستظلّ بالسّائد ولا إلى أن يختبئ خلف هامته الاجتماعية ميّزته وعافها وإن إلى حدّ.
قاض ككثير من القضاة.حكم بالقانون دون أن يعمل فكره.وتميّز في حقله لكن دون أن ينظر في ما يقيّده.
لم يقف لحظة ليتأمّل ولم يعتد المراجعات والنّقد الذّاتيّ حتّى…فاضت كأسه وهو يقبل على الشّيخوخة فتناديه الحياة. الحياة نعيما وشبقا وصدقا ومتعة وتحدّيا ولذّة.لذّة خمر ولذّة جنس ولذّة فكر ولذّة انعتاق.
هذه الرّواية تغويني بأن أعود إلى كتب التّراث أكرع منها .والمنّوبي – وإن هو لم يفكّر في ذلك-صالحني مع الكتب القديمة مع ما خطّه السّلف الصّالح ،الصّالح فعلا والصّالح إن نحن عرفنا كيف نقرأه وكيف لا نغشّ النّاس به وكيف لا نغتصبه لأهوائنا.
وأنا أقرأ الرّواية أحببت الجاحظ وحبّى وأجواء المدينة وتحرّر أسلافنا وإقبالهم على العيش رغيدا حلوا.
وأنا أقرأ الرّواية تبدّى لي المنّوبي يصطفّ مع الطّالبي والصّدّيق طالبا لا يني يرتاد الدّروب الوعرة وصادقا مع نفسه وشجاعا لا يرهب.
وجدت في بعض منعطفات الرّواية علما وفي منعطفات أخرى شعرا.
استمتعت .
لكن لماذا ،أيا المنّوبي ، وضعت “القشّ” في القشّاشين ؟
لقد أفسد عليّ ذلك اتّباع خطى ولد يكتشف الدّنيا وهو ينساب عبر أزقّة المدينة العتيقة.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: