الصّادق بن مهنّي :إطلالة على كتب قرأتها هذه الأيّام

img
Share Button
 
 
ليست لديّ معطيات دقيقة ومرقّمة ولكنّي أحسب أنّ نشر الكتب في تونس يعرف شيئا من زخم. وضمن ما ينشر يبدو لي أنّ المذكّرات والسّير الذّاتية والشّهادات والرّوايات المستندة إلى معيش تبزّ غيرها من أجناس الكتابة مجتمعة.
وأنا أذهب أحيانا إلى الاعتقاد أنّ بلادنا والنّاس فيها قد انفجرت ذاكراتهم ” شلاّلا من ضوء أسود” وطفقوا يتهافتون على الكلام كما أنّهم يخشون أن يفوتهم أن يعوّضوا دهورا من صوم أخرس ألسنتهم.
ولعلّني لا أجانب الصّواب إذ ألاحظ أنّ عددا كبيرا ممّن نشروا في الفترة الأخيرة هم ممّن تجاوزوا السّتّين عمرا أو شارفوه وأنّ عددا هامّا منهم كتبوا في صلة بتحوّلات تونس منذ السّتّينات وبنضالات شتّى آزرت بطريقة أو بأخرى وخصوصا بالاحتجاج حلم بناء دولة حداثية.
 
ومن الكتب الّتي قرأتها أخيرا يحلو لي أن أذكر هنا ثلاثة وضع جميعها بالفرنسيّة. وهذه مسألة أخرى تستدعي تأمّلا .

 
1. كتاب ” عثمان ببّه ” الصّادر عن “منشورات بدوي ” بتونس العام 2017 تحت عنوان :Chronique” d’un âge de brouillard – Récit autobiographique fictif”
 
الكاتب من مواليد المكنين عام 1947. وهو أستاذ ورسّام .ومن المناضلين الأوائل ضمن منظّمة “آفاق”.
والكتاب يستعرض مسيرة النّضال من أجل الدّراسة في زمن شحّت فيه الموارد على الأصعدة الفرديّة والأسريّة والوطنيّة فيما كبرت فيه الأحلام وتجاوزت الحدود جميعها مادّيها ولامادّيها.
في الكتاب ما يظهر كيف كان التّعليم مصعدا سخّرت للاستفادة منه إمكانيات العائلة موسّعة وإمكانيات البلد ومساعدات جاءت حتّى من المستعمر الّذي غادر بل منه أوّلا .
وفي الكتاب ما يبين عمّا كان النّاس في هذا البلد يولونه من تقديس للعلم والمعرفة والثّقافة .
وفي الكتاب شيء من خيبة الأمل الّتي سرعان ما انتابت شباب البلد محكوما من داخله . وفي الكتاب ما يشهد على مقاومة بهيّة وعلى الإصرار على بناء الذّات والحفاظ على قدرة التّطلّع إلى القمر.

 
2. كتاب ” نفيسة وفاء مرزوقي ” المنشور من قبلها سنة 2017 تحت عنوان :” L’Instituteur de la République – Récit d’une vie”.
ينتصر هذا الكتاب للمعلّمين وبالذّات لرجال التّعليم الّذين عايشوا الهيمنة الفرنسيّة المباشرة ثمّ حلم بناء دولة عصريّة ذات سيادة ويستوي فيها المواطنون. تنهض وفاء لتفي والدها توهامي شيئا من حقّه في التّعريف به “قائدا” اجتماعيا أخلص لمهنته وأعطى نفسه مهامّ إضافيّة شملت أساسا جندوبه بلده لكنّها لم تقف عندها.
يصوّر لنا هذا الكتاب المخاض الثّقافيّ الّذي عاشته بلادنا خلال ستّينات وسبعينات القرن الماضي .ويبيّن بجلاء الدّور الكبير الّذي تحمّله المعلّمون الّذين جمعوا حينها بين العمل في أقسامهم وبين النّشاط كقاطرة لتحديث المجتمع والتّأسيس لإقلاع. المعلّمون الّذين كانوا نخبة لها هيبتها ورغد من العيش وحظّ مساهمة.
وفي المتاب ما يعطي فكرة عن جندوبه وتخومها ’ وعن علاقات مباشرة وكثيفة كانت تتحدّى الحدود إلى الجزائر ومنها. وعن هذا التحوّل العظيم الّذي عاشته المرأة التّونسية.
لمسة وفاء للوالد وحنين لطفولة ومرابع ما زالت تملأ الوجدان.

 
3. كتاب “يوسف الشّاهد “( لا تتعجّلوا : هذا يوسف آخر لا صلة له بذاك الفتى الّذي مكر بنا الزّمن فأعطاه رقابنا .).وهو من منشورات دار “نقوش عربيّة” سنة 2015. أمّا عنوانه فهو :”Feuillets d”Enfance ou la mémoire parlante”.
يقصّ الكاتب المولود سنة 1950 طفولته ويروي حياة عائلته .وخلال ذلك أو معه هو يروي جزيرة جربه : خصوصيّاتها المجتمعيّة والثّقافيّة وتحوّلاتها المتسارعة والشّاملة وشيئا ممّا كان وما يزال بعضه يصنع سحرها…
في الكتاب عمق عاطفيّ حلو . وسعي إلى الغوص في عمق الأشياء . وتعلّق الجزيريّين المعلوم والثّابت بمسقط الرّأس وإن هو قسى وتبدّل…
 
وجدت في هذه الكتب شيئا من متعة واطّلعت بفضلها على معلومات وإن غير مباشرة فيها تأريخ وتاريخ وفيها ما ينفع دارسي الاجتماع…
لكنّي أمانة لا أقدر على كبح جماح نفسي النّقديّة و أجدني مضطرّا لأن أحتجّ على النّاشرين ثلاثتهم …فالكتب الثّلاثة لم تخضع فيما يبدو لتدخّل النّاشر الّذي لابدّ منه لا بالتّصحيح اللّغويّ و الشّكليّ ولا بتنظيم الفصول والفقرات ولا بطلب التوسّع والاختزال هناك وما إلى ذلك من أعمال هي من صميم عمل النّاشر…
Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً