الصادق بن مهنّي يكتب من الحافلة التي تفتح النوافذ في العتمة

img
فيما تأخذنا حافلة الادارة العامة للسجون و الاصلاح نحو الجنوب لنوزّع على سجونه كتبا وهبها الناس تفتح نوافذ في العتمة و تبث نورا في الرؤوس و لطفا في الوجدان يراودني سؤال يلحّ و يصرّ :ما الذي ستقوله أمّي لوكانت ما تزال معنا ؟
و أنا صغير يافع كانت أمّي تحكي لي كيف كان النوم يهجر عيني أبي كلّما أوقف بورقيبة . و لما غازلني الشباب هجر النوم عيني أمّي من عسف بورقيبة .
و بعد أن عدت لامّي تعمّدت اكثر من مرة ممازحتها و حتى استثارتها
أذكر أنّني قلت لها مرة أنّ سجني حرّرها و أعطى حياتها أبعادا لم تفلح في أن تهبها إياها حتى مجلة الاحوال الشخصية فهي قد غدت تسافر وحدها… تركب الحافلات وحدها …التذاكر وحدها …تخاصم الحراس وحدها …تجتمع بأهالي رفاقي و رفيقاتي و تخاطبهم لتنسّق معها …تواجه صعاب توفير ما تجلبه الينا من مأكل و ملبس …و تختلس من تعب أخواتي مصروفا يعطيها فرصة أن تراني في العام مرة أو مرتين .
بعد الثورة أخذت أمّي في فسحة و في غفلة منها قدتها الى جبل الناظور لمّا انتبهت ارتسم على محياها خيال ابتسامة و قالت : كم خلت أنّني لن أراك يوما خارج هذه الأسوار الهائلة ..و كم أخشى أن نعود , بعد هذه الفرحة الكبرى , الى ما سلّط علينا قبل …كم أخشى عليك و على لينا
 
و ذات مرة و نحن في قطار الاحواز الجنوبية راتني أمّي أسلّم بحرارة على سجّان قديم كم عانى من لؤمه أهالينا فاصفرّت و شحبت و ابتلعت لسانها حتى بلغنا المحطة فتهاوت على الرصيف و انفجرت فيّ : اتركني هنا …لن اصحبك الى بيتك … اذهب و ائتني بادباشي … ساغادر
في البدء لم أفهم … حسبت فقط أنّ رؤية السجان قد أغرقتها في الذكريات العاصفة … و لما أدركت ما أغضبها انفجرت ضاحكا . و لانّها تدرك أنّني أحترمها و أقدّرها و أحبّها و لا يمكن أن أؤذيها فانّها لم تتمالك نفسها و انفجرت هي أيضا تقهقه . و تصالحنا .
أمّي
ها أنّي في حافلة الادارة العامة للسجون و الاصلاح …حافلة كالحافلات فيها نوافذ بلورية و كراسي وثيرة …حافلة فيها صحافيون و فيها ممثلون للمجتمع المدني الوطني و الدولي و فيها مسؤولون كبار من ادارة السجون نغذّي مكتباتها بالاف المنشورات … و نسهم في فتحها للنور و الهواء و الأمل .
أمّي حيث تكونين ابتسمي فبنتك و أبوها على ما يرام .
 
و ها أنّهما يسيران على خطاك : ياخذان الامل و الكتاب و الكلم الطيّب الى حيث سبق أن أخذت
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: