الصادق بن مهني :كلمات عجلى في ثلاثة كتب ممّا قرأته مؤخّرا

img
الصادق بن مهني :كلمات عجلى في ثلاثة كتب ممّا قرأته مؤخّرا
 
بمحض صدفة قرأت هذه الكتب الثّلاثة. وبمحض صدفة كان جميعها من تأليف
أطبّاء،وإن هم قد اختلفوا اجتماعيا وسياسيا ومن حيث الفكر والممارسة والموقع.
وصاحبا الكتابين الأوّلين كما بعض غير هيّن من أحداثهما من “سوسة.”
 
+أوّل الكتب الثّلاثة رواية كتبها الدّكتور” حكيم بشر” بالفرنسية ونشرتها “دار سراس”السّنة الماضية 2019 تحت عنوان : “L’avant -centre de l’Etoile”:
كتابة سلسة وثريّة لغويا. تحليل للمجتمع بعلاّته وانتظاراته وأحلامه.القصّ الرّوائيّ مهيمن غير أنّه من البيّن أنّه يستند إلى ملاحظة دقيقة وخصوصا إلى دراية راسخة بما يعتمل داخل مختلف فئات المجتمع وخصوصا الفئات المرفّهة منها. الأحلام والخيبات .السّخاء والطّمع.الثّورة يدّعيها الجميع ويغدرها كثيرون. المال هو الحاكم الأوّل. القيم والمبادئ تصبح وصما وينعت أصحابها بالبنان.عالم الصّحّة والمستشفيات والأدوية في البلد وعالميا تحكمه مصلحة الأقوياء ويخلو التّعامل فيه من مقوّمات الإنسانيّة…
وأنت تقرأ الكتاب ستفكّر في وجوه عرفتها. وستجرح سمعك خطابات مخادعة نسمعها كلّ يوم . سيأتيك الكوفيد ولقاح الكوفيد. وستغلب روائح العفن والعطانة شذى العطور الفرنسيّة تحاول أن تتخفّى وراءها شخصيات المجتمع…
كلّ شيء بمقابل … كلّ شيء محسوب … ويظلّ الحلم. ويظلّ الفاسدون يخرّبون كلّ حلم.
رواية فيها الكثير ممّا نعيشه ويقتلنا ، ما نعلمه وما نستشفّه وما يخفى عنّا.
رواية تقرأ بيسر . تريحنا قليلا بأسلوبها السّينمائيّ من بؤس يومنا المزري وإن هي لم تهرب منه بل أوغلت فيه .
 
+ الكتاب الثّاني نشرته هو أيضا “دار سراس” العام الجاري 2020 وأمّن تقديمه وترجمته “عبد الجليل القروي” . وهو شيء كالسّيرة الذّاتيّة حبّرها أو أملاها الدّكتور “حامد القروي” رجل “بورقيبه” و”بن علي” في أكثر من مجال ومقام… عنوان الكتاب :”Une vie en politique”:
لم أجد في الكتاب ولو حدثا أو خبرا غير معلوم. فما بالك أن نجد فيه اعترافا أو مراجعة أو نقدا ذاتيا…أو واقعة ظلّت مسكوتا عنها.وأنا أقرأ الكتاب لم تغادر بالي قولة :”إن لم تستح فافعل ما شئت.” رجل ظلّ سنوات عديدة ضمن قلّة القلّة الّتي تحتلّ قمّة هرم المجتمع لا يرى نفسه مسؤولا “ولو شويّه” عمّا عانته البلاد من حيف اجتماعيّ واستنزاف اقتصاديّ وقهر سياسيّ وعسف من كلّ لون وفساد استشرى في كلّ مفاصل الدّولة … رجل لا بدّ أنّه كان وظلّ يحتقر ذاته : يتصرّف دوما كمجرّد مأمور أو “عون تنفيذ” لا حول له ولا قوّة … أمّا عن الاختلاف والاستنكار ولو بمجرّد استقالة بل ابتعاد متستّر بشهادة مرض يمنحها لنفسه فحدّث بما تريد …
أنصح القارئ بهذا الكتاب.ففيه ما يمكن أن يساعد على فهم حالنا الرّاهن … وفيه ما يضيء لنا- بقراءة ما تحت الأسطر وما بينها- بعضا من أحداث عشناها لم تكن لتكون لولا جبن السّاسة واستكانتهم وخنوعهم وعجز قوى التّقدّم عن فهم حقيقة النّظام…وفيه ما يؤكّد أنّنا خضعنا لحكم مستبدّ وغاشم وبليد الفكر عاطل عن التطلّع إلى الأجدى وعنيف حدّ خوفه على نفسه من نفسه …
وإلى استصغار نفسه ورغم أنّ هبّة الشّباب أطاحت بسيّده لم يعرف صاحب الكتاب كيف ينسحب على أطراف أقدامه بل ادّعى الخبرة والكفاءة وانتصب يشير وينصح وابتغى زعامة من غمام بل وتذلّل لسلطة جديدة غاشمة هي أيضا كان من جلاّديها.
وثمّة من ينادي بالعودة إلى الأمس!
وثمّة من يسمعه!
 
 
ثالث الكتب سيرة ذاتية صاحبها هو أيضا طبيب هو الدّكتور “عبد الكريم بالطّيّب” أصيل” بن قردان” ورائد جراحة الأعصاب في بلادنا.نشر الكتاب من قبل صاحبه في 2013 تحت عنوان:”سيرة ذاتية أعاق الطّاغية مجراها.”:
 
كثير من الممارسات والتّلاعب والضّيم والفساد المسيطر على الدّولة وبصفة خاصّة على قطاع الصّحّة وبالمستشفيات ممّا ورد في هذا الكتاب يؤكّد ويثبت ما حكته رواية “حكيم بشر”.
ولد “عبد الكريم بالطّيّب”بريف “بن قردان” الّتي بدأ بها دراسته الابتدائيّة عام1933.ومارس مهنته بالقطاع العموميّ حيث أنشأ اوّل قسم لطبّ الجهاز العصبيّ وللجراحة العصبيّة إثر معركة بنزرت سنة 1961.
يروي الكتاب سيرة الدّكتور أيّام الدّراسة ببلدته ثمّ بالعاصمة وبعدها بفرنسا.
وأنا أنوّه هنا إلى أنّ في الكتاب ما من شأنه أن يفيد المؤرّخين وعلماء الاجتماع والتّلاميذ والفضوليين أمثالي بخصوص أجيال المجتمع التّونسيّ الّتي عايشها الكاتب الّذي ركب البهيم ليذهب إلى المدرسة ورعى الغنم ثمّ كان من مؤسّسي كلّية الطّبّ… وما إلى ذلك .
ويبدو من قصّة الدّكتور أنّ السّياسة لم تستهوه وأنّ الانتماء إلى الحزب الحاكم (والوحيد) لم يكن همّه فهو قد سلّط شغفه كلّه على مهنته وكان يحسب أنّ الكفاءة والجدّية وخدمة العموم ديدن أهل الصّحّة والسّلطات. وهو يروي كيف حمله “إدراكه الجامعيّ واهتمامه بجودة التّدريس والممارسة الطبّية على العمل بصرامة جلبت له العداوة” وكيف ” أغاضت فاعليته المهنيّة وسلوكه كمثقّف جامعيّ مستقلّ سياسيّا من كان يلجأ إلى سلطة الحزب الواحد لفرض نفسه وعرقلة نشاط غيره.”
وأنا أقرأ الكتاب أحسست بوجع كبير. وفهمت أكثر واقع قطاع الصّحّة منه بل عرفت أوجها أخرى غير تلك الّتي عرّتها لينا بن مهنّي (في تدوينات وفيديووات وتدخّلات عديدة في وسائل الإعلام) أو كشفتها لي مرافقتي لها طوال 25 عاما.
وأنا أقرأ الكتاب تجرّعت غبنا أحسست الدّكتور ولينا لم يكفّا يوما عن تجرّعه ورشح في اعتقادي أنّ الفساد الّذي استشرى في قطاع الصّحّة يجد أسّه في الفساد السّياسيّ وفي غياب اختيارات تخدم الصّالح العامّ وتغلغل شبكات مصلحيّة متنفّذة.
ما نجده في رواية “حكيم بشر” نجد جذوره وبداياته في سيرة ” عبد الكريم بالطّيّب” وخرابنا سيظلّ يستشري طالما لم نقتلع الفساد من جذوره ولم نعد بثورتنا إلى المدّ.
الدّكتور “عبد الكريم بالطّيّب” يستأهل أن يفتح تحقيق حول كلّ ما رواه ومن المصلحة العامّة أن نسمعه في وسائل الإعلام وأن نعطيه فرصا كثيرة لمكافحة من عطّلوا مسيرته وليشرح لنا ممارسات وميكانيزمات خبرها ولا بدّ أنّ منها ما هو مستمرّ بل وقد عظم أمره.
لا أقول إنّ على السّلطات أن تردّ للدّكتور اعتباره فلا شيء يمكنه أن يمسح إحساسه بالغبن وأن يردّ لنا ما خسرناه بوقف نشاطه ثمّ إنّه لم يعد ثمّة من خير يصحّ أن ننتظره ممّن يحكموننا.
على فكرة: لماذا لا توفّر الهيئات الطّبّية فرصة للدّكتور ليروي سيرته ويدافع عن دعاواه أمام العموم؟
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: