الصادق بن مهني :في الانتخابات وأخيرا استقرّ رأيي على موقف وعلى إشاعته علنا

img
الصادق بن مهني :في الانتخابات وأخيرا استقرّ رأيي على موقف وعلى إشاعته علنا
كتب بتاريخ :10أوت 2019
 
 
منذ أشهر وأنا أتردّد بين الاستجابة لوجداني يناديني إلى الفراغ ذهنيا من مسألة الانتخابات وإعلان ذلك لمن يعنيهم الأمر من صحابي وبين أن أصمت حتّى لا أشوّش دواخل بعض ناس أقدّرهم اختاروا مواصلة السّير مرّة أخرى على الدّرب ذاته أو هم يهمّون باقتحامه والتحرّك ضمن حيّزه وإن بأشكال ومسمّيات أخرى.وحتّى لا أنساق مع السّهولة العاجزة أو المشلّة لم أنفكّ خلال الأشهر الماضية أتابع ،وإن إلى حدّ ، وأفكّر وأتساءل وأسأل و أقارن بل إنّني مضيت حتّى إلزام نفسي ببعض حضور وفعل كانا صعبين على نفسي وإن هما قد يبدوان للغير بسيطين فأغواني مهرجان الإعلان عن مبادرة ” مواطنون ” – الّتي ما تزال في حسباني أجدر المبادرات بالاهتمام – ومارست لأوّل مرّة شيئا من واجبي وحقّي كناخب إذ زكّيت دون تردّد ولا سابق تأمّل ترشّح حمّه…
وطبعا لم تساورني، ولو لحظة أو حتّى في المنام،فكرة أن أكون على قائمة مترشّحين رغم بعض اقتراحات .
ليس ذلك لأنّي لا أِؤمن بالانتخابات.بل لأنّي ،أوّلا،لا أرى في انتخاباتنا هذه نجاعة ولا حلاّ ، ولأنّي ، ثانيا ، أعتقد أنّ مقدّمة ساحة أو ركح الفعل السّياسيّ يجب أن يغشاها الشّباب.
 
انتخاباتنا أراها مهزلة بل احتيالا وإيغالا في الانقلاب على ثورة تآزر لترويضها الفاسدون بمختلف أصنافهم وتاه في لجّها العاتي، تدفّق من غير أن يكونوا حتّى انتظروه،من كان من المفترض أن يكونوا ملاّحيها.
 
بعد ثمان سنوات على الانفجار البهيّ ما الفائدة الّتي حصلت لبلادنا من نظامها السّلطويّ القديم-الجديد؟هل أفادنا التّأسيسيّ حقّا بنصر جديد وانتقلنا بفضله من جمهورية لجمهورية؟ وإذا ما استثنينا تمتّعنا بحقّنا في “النّباح” هل جنينا مكاسب حقّة؟ مكاسب للمرأة؟ مكاسب للشّباب؟ مكاسب لأصحاب الاحتياجات الخصوصيّة والفقراء والمرضى؟ فرص تشغيل غير تلك المزيّفة الّتي أثقل بها فاسدون الإدارة العمومية؟ إبداعات فنّية وفكريّة وثقافية غير تلك الّتي تينع هنا وهنالك رغم أنف السّلطة؟
 
بعد ثمان سنوات مرّت متثاقلة ما هي الأغراض والأهداف الّتي حقّقتها التنظيمات السياسيّة الّتي تنسب نفسها للثّورة أو تحسب عليها؟ مقاعد”للنّباح” في مجلس يصنّف على أنّه السّلطة الأولى وغدا مسرح دمى تحرّكه دمى أعتى؟ هل تغيّرت تشريعاتنا؟ هل ضمنّا الحقوق والحرّيات والإنصاف؟ وحتّى انتصاراتنا أحقّا هي انتصارات؟ هل يصحّ اعتبار الاعتراض على فسخ حقّ قديم من التشريع انتصارا؟وألا نعيش كلّ يوم أفعال تراجع وانثناء على حقوق وحرّيات كنّا نحسبها ثوابت لا تتزعزع بل هي ثوابت في القانون الدّوليّ وفي اعتبار إنسانية الإنسان؟
 
بعد ثماني سنوات على اندلاع الثّورة هل حصل فعليا فصل بين السّلطات وغدا منتخبونا يمثّلون حقيقة الجماهير الواسعة؟ وما هي حصيلة المجلسين عدا إبرام قروض تتلو قروضا وفسخ خطايا وجرائم فاسدين؟
 
بعد ثمان سنوات مرّت على الانفجار الشّبابيّ أليس من الخزي أن نظلّ لا نعلم رسميا أسماء قتلانا وجرحانا؟
وأليس من العار أن لا نكون قد أفلحنا بعد في استرداد ولو شيء يسير ممّا نهب؟
 
بعد كلّ هذه السّنوات الّتي أضنتنا رغم أنّها تبدو قد مرّت عجلى أليس من المخجل أن نظلّ صامتين لا نفصح جهرا عن قتلة شهدائنا؟ وهل يحقّ لنا أن نوغل أزيد في تمتيع قتلة وفاسدين وسرّاق وخونة ومتآمرين وجلاّدين بفرص ووسائل شتّى للإفلات من العقاب بل وللمعاودة بل وليتصدّرونا في انتخابات وعلى كراسي؟
 
يتباكى بعض أصحابي على تذرّر القوى الدّيمقراطيّة وتشرذم اليسار ويأسفون على فرص تبدو لهم تضيع.ما هي الفرص الّتي ضاعت أو هي تضيع؟ هل هي أن يكون لنا عدد مخجل من شاهدي الزّور أو العاجزين المتباهين بجمل رنّانة طنّانة يصرخون بها تحت القبّة من حين لآخروالحال أنّهم جزء من سلطة لا سلطة لهم منها؟
 
أليس من الأجدى والأنجع أن نعمل على القيم والفكر والثّقافة والتوعية العامّة وأن ننتشر في الأرض نبدّل الأدمغة والتصرّفات بدءا بأدمغتنا وتصرّفاتنا؟ أليس من قدرنا أن نختلف ونستشفّ ونعدّ للأبعد وننادي إلى الآفاق الأرحب وألاّ نتعلّق بالمباشر والقريب؟
 
لا يوجعني تفتّت اليسار ولا يؤلمني ما حصل في الجبهة الشّعبيّة…هذا هو منطق الأشياء .وما حصل لم يكن أمرا مفاجئا…ولنتصوّر أنّ اليسار لم ينقسم وأنّ الجبهة الشّعبيّة لم تنشقّ هل كان ذلك سيغني قوى التقدّم شيئا ويهبها غير بعض كراس إضافيّة للصّياح؟بل لعلّ في تفتّت اليسار وتذرّر قوى التقدّم نفعا…لعلّنا نفلح في أن نقلع عن دفن رؤوسنا في المباشر والآنيّ ونتوق إلى الأبعد ونفتح أمام الحلم البهيّ أفقا ونظلّ نعبّد الأرض بفعلنا وكلمتنا وتشبّثنا بالمثل حتّى يهبّ شباب يصنعون لهم ولمن سيأتي بعدهم غدا أروع يجعلهم يصيرون حقيقة مواطنين مواطنين وبشرا بشرا.
 
وفي ظنّي أنّ اليسار وقوى التقدّم لم يفشلوا… فالفكر التقدّميّ ظلّ ينبت ويترعرع تحت العسف…وهو موجود في كلّ دار…وحتّى هجمة المتستّرين بالدّين والمسخّرين إيّاه لتجاراتهم ومصالحهم ، رغم تنويعاتهم،لم يفلحوا سوى في أن أفزعونا. والأيّام تبدي أنّهم لن يبقوا.
 
ثمّ إنّ عشق الحرّية لا يضمحلّ : عشق الحرّية قد تخبو ناره قليلا ولكنّه يظلّ ولا يموت.
 
أليس من الأفضل لنا أن لا نتوه في ديمقراطية لا ديمقراطية فيها وأن ننغرس في أرضنا نشرّش في تربتها ونجترح لبناتنا وبناتنا فرص الفعل المناسب لتوقهم لا نبخسهم ولا نزعم قيادتهم؟
 
أليس من واجبنا أن نحلّل واقعنا لنراه كما هو وأن نحلّل حياتنا ببذل حهد أكبر وبصدق المراجعات والتقييمات والتقييمات الذّاتيّة؟
 
لست ضدّ الانتخابات بصفة مبدئيّة. إنّما أنا أعتقد أنّ الانتخابات لن تكون في المدى القريب وضمن واقعنا الرّاهن انتخابات…
 
ما زال دربنا طويلا وشاقّا حتّى يحصل انتقال حقّ باتّجاه الدّيمقراطيّة فيصبح للانتخابات وزن وتغدو الثّوابت ثوابت لا شعارات زائفة.
 
ما الحلّ أوما البديل؟ لعلّه يكمن في أن نخبر الماضي لنفهمه بعمق وأن نستشفّ منه ما يمكّننا من أن نستقرئ المتحوّل والآتي…و أن نتحلّى بالصّبر والتّأنّي ونكفّ عن الانسياق…
 
 
ثمّ لعلّ الزّمن الماكر دوما يسرّنا مرّة أخرى!
 
من حقّ المواطن وواجبه أن ينتخب…ولكن من حقّي وواجبي أيضا أن أمتنع عن أن أنخرط في انتخابات أرى فيها مهزلة أو مسرحية ( سيّئة الإخراج) أو مأساة -مهزلة ولا أتبيّن منها خلاصا أو تقدّما باتّجاه الخلاص.
 
لا أدعو أحدا لأن يكون على رأيي… ولا أفعل سوى أن أمارس حقّي في التعبير والاختلاف…ولا أروم سوى استثارة النّقاش.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: