الصادق بن مهني :تساؤلات أثارها لقاء “نشاز” : ثورة جزائرية ثانية

img
الصادق بن مهني :تساؤلات أثارها لقاء “نشاز” : ثورة جزائرية ثانية
السّبت الماضي هرعت إلى اللّقاء الّذي دعت إليه ” نشاز ” وكلّي قناعة بأنّني ،على الأقلّ ، سأبلّ عطشي.
وترسّخ الأمل فيّ إذ قرأت الورقة محكمة الصّياغة حلوتها الّتي قدّم بها اللّقاء والّتي طرحت بسلاسة أسئلة أساسية منها :
– ” هل أصبحت العلاقة مع هذا الجار الكبير أكثر حميمية أم أكثر غربة؟ ففي الوقت الّذي تعمّ فيه الانتفاضة الكبرى سائر المدن الجزائرية معلنة عن قيام ثورة ثانية يبدو قادتنا في تونس وكأنّهم أصيبوا بالذّهول أو بالشّلل وابتلعت المعارضة لسانها وطال المجتمع المدنيّ فتور غير مفهوم بعد أن كان مستعدّا لاحتلال الشّارع في أيّ لحظة…”
– ” ثمّ ماذا عن أحوالنا نحن من جهة اليسار؟ ومن جهة العائلة الدّيمقراطية المتنوّعة المشارب والّتي دائما ما حملت الجزائر في القلب وتمنّت من أعماقها تغييرا ديمقراطيا في هذا البلد الشّقيق وحلمت بأنّ في ديمقراطية جارتنا ضمان ديمومة لديمقراطيتنا نحن؟
هنا أيضا يخيّم على المشهد ما يشبه صمت القبور.فهل هو الخوف من فرح متسرّع قد ندفع فاتورته لاحقا؟ أم هو التحفّظ على تشييد أحلام وتوقّعات وربّما مشاريع على معطيات يغلب عليها الغموض ونحن ما زلنا هنا نجترّ انتكاساتنا ومشاعر الإحباط الّتي خلّفتها ثورتنا؟ “
ولمّا رأيت القاعة تضيق بالحضور استبشرت أكثر وأيقنت أنّي غانم.
وكانت عروض المصطبة وكانت تدخّلات القاعة .
ووجدتني أعيد قراءة ورقة التّقديم مجدّدا وأبحث عمّا هو ليس فيها تصريحا أو تلميحا وعن أيّة إجابات قد تكون تقدّمت بأسئلتها وإن نسبيا.
في القاعة رانت مخاتلة النّفس فالكلّ يريد أن يبدي مساندة ولكنّه يخشى نفسه فيحرص على إظهار تردّده …
وفي القاعة شلّ النّاس القصور والخمول : هذا حراك لم نتوقّعه ولا يتماهى مع الأنماط الّتي عهدناها لذلك نحن نحرص على التّعامل معه بحيطة وحذر…
لا أحد مضى قدما بالسّؤال : لعلّها فعلا ثورة وإن من صنف لم نقرأ عنه بعد في الكتب؟
وإذ تكلّم متكلّمون عن مظاهر التنظيم أو العفوية وانعدام التنظيم فإنّهم لم ينتبهوا كفاية إلى أنّ للتنظيم شعبيا و ثوريا في أيّامنا هذه أحكام ووسائط غير تلك الّتي ألفناها…
ومثلما سارع البعض في تونس لإبطاء عجلة الثّورة بالتّركيز على عناصر التّوافق فيها، وإن مائلة وغير مستوية ولا منصفة، وبجرّها إلى مربّع الانتقالات وتحويلها إلى كتلة من الإشكالات القانونية والنظرية ، وبسحبها ممّن اجترحوها وأسرها في أيدي “ذوي الاختصاص” المحلّيين والدّوليين وأرهاط ممّن لم تكن لهم بها صلة اللهمّ معاداتهم لها أو خنوعهم ها أنّنا وقد فشلنا( أو هلعنا )في أن نشدّ على أيادي الثّوّاروندعمهم متواضعين ننحو إلى الزّعم بأنّهم لا يدركون حقائق الواقع و لا يعرفون إلى أين يسعون…
لم تفلح النّقاشات ( هل كانت فعلا نقاشات؟) في إظهار مظاهر الثّورة في هذه الثّورة ولم تعمّق النّظر في دواخلها ولم تقدّم ما يمكن أن يفيد المحتجّين حقّا ليمضوا قدما وبثبات.
ولم ننظر إلى ثورة الجزائر في صلة بثورة تونس و أخطائنا.
ولم نقارن بين ما يجدّ بالجزائر وما يجدّ بالسّودان…والسّودان حالة أخرى تؤكّد هزالنا.
لم نستشرف الممكنات والمحتملات … ولم نفكّر سويّة في التّهيئة لردود فعل تتناسب مع مختلفها.
لم أخرج من اللّقاء بما كنت انتظرته . ولم أعد إلى منزلي فرحا مسرورا .بل مهموما أكثر.
لماذا كان ممارسو السياسة والشّأن العامّ قلّة في هذا اللقاء؟ولماذا غاب “الخبراء”؟ وأين غادر المعنيون من الشّباب؟ ولماذا لم نهبّ للوقوف إلى جانب المحتجّين مثلما فعلنا من قبل؟
هل يفرض علينا قدرنا أن نتمترس منتظرين مآل الأحداث؟ هل رصدنا الزّمن لننتقل من إحباط لإحباط أكبر منه ومن فشل لفشل؟ هل ضيّعنا نهائيا لقاءاتنا مع التّاريخ ومع الفعل؟
وأنا أخطّ هذا لا أجد ما يخفّف عليّ كآبتي سوى أمرين هما :
-أنّ الجمعيّة التّونسيّة للنّساء الديمقراطيات (نساؤنا رائدات دوما) قد بادرت بالتعبئة للتظاهر تأييدا للجزائر وسعت إلى فهم أفضل ونسج خيوط للحوار والتبادل،
-و أنّ ” نشاز ” قد بادرت بطرح الأسئلة الحارقة وسعت إلى استثارة الهمم .
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: