الصادق بن مهني : ترجمة من الفرنسيّة لكلمتي في تقديم رواية ” بضعة أيّام من حياة زوجين” لرابعة بن عاشور

img
ترجمة من الفرنسيّة لكلمتي في تقديم رواية ” بضعة أيّام من حياة زوجين” لرابعة بن عاشور – عبد الكافي الصّادرة عن دار الجنوب للنّشر – تونس ،2019.
بقلم : الصادق بن مهني
 
 
يا لها من ورطة ! أنا القادم من أقصى تخوم البلاد الجنوبيّة، أنا الأفاقيّ ، الرّيفيّ ، ” الغاباجيّ” أتقدّم السّاعة لأتكلّم عن كتاب …كتاب من؟ كتاب رابعة .رابعة : الإسم  في حدّ ذاته مدوّنة وبحر ! إسم طلع من أعماق التّاريخ والشّعر. رابعة بن عاشورالمدينيّة العريقة ، بنت “قاع الخابية” المتأصّلة ( عن قصد قلت : المدينيّة ولم أقل: الحضريّة أو البورجوازيّة)،رابعة المتربّعة غصنا نضرا بين الأغصان الفيحاء  لشجرة نسب في وسع جذورها أن تقودنا حتّى الرّسول ذاته. ليس إلاّ.  وأين لي أن ألقي كلمتي؟! في المرفإ . عفوا: المرسى قصدت أيا أصدقائي وصديقاتي !
معكم حقّ : يكفينا فراهة ! أبدأ كلمتي.
لكن ألا انتبهت ،رابعة، إلى أنّني قد طفقت بعد أختلس كلمات من كلماتك؟ أفليس للفراهة فسحة على صفحة الغلاف الرّابعة من غلاف كتابك كما في الإرسالية الّتي وصلتني منك قبل يومين؟ 
هل حقّا يلزمني أن أشرع في كلامي عن ” بضعة أيّام من حياة زوجين ” بأن أذكر أنّ الأمر يتعلّق برواية مجمل صفحاتها 232  صفحة من الحجم المتوسّط  نشرتها “دار الجنوب” بتونس مطلع عامنا هذا 2019؟
لم تكن بي أيّة رغبة لأفعل هذا. فأنا لست على هذا المنهج. ولكن ها أنّني ،رغم ذلك، قد فعلت.

رابعة بن عاشور – عبد الكافي – كم يطيب لي أن أذكر إسمك! – أعتقد أنّني لاقيت رابعة أوّل ما لاقيتها على الأسوار،أعني مسيرات وسط المدينة و مظاهراته و بعضها لمّا تزل حقّا حمّالة أخطار. وأذكر أنّ رابعة كانت غالب الأحيان وزوجها وأنّها كانت على الدّوام تبسم للأمل.

غير أنّ لقائي الفعليّ والّذي لا يمكن أن ينسى مع رابعة تمّ ب”برج الوزير”. “برج الوزير” ، روايتها الّتي صدرت في 2011 والّتي عرّفتني بالحياة الحميميّة لعائلة بورجوازية أو حضريّة مشرّشة الجذور في السّلطان ولا تنفكّ تخدمه وتفعل فيه وإن مع شيء من احتراز يطال أمرا بعينه أواتّخاذ مسافة بين من حين لآخر.
وأهمّ ما فعله فيّ “برج الوزير” أنّه أعاد إلى ذهني حقيقة أنّ الطّفل يظلّ طفلا على الدّوام وأيّا كان محيطه أو نمط عيشه وشواغله ، وأنّ  أطفال العالم جميعهم يتقاسمون فيما بينهم أشياء عديدة.
رسّخت رابعة في وجداني ببرجها ، “برج الوزير”، قناعتي بأنّ طفولةنا لا تذوي أبدا  بل إنّها ،على العكس،تظلّ كامنة فينا تسكننا وتنبثق من أعماق أعماقنا كلّما شاءت أو هيّئ لها.
بعدها تلاقيت ورابعة حول حلم ، حلم ما يزال ولم ينفكّ لكن يجهده عنت يمنعه من أن يتجسّد حتّى لا أقول يكاد أن يجتثّه : حلم أن نسهم مع آخرين ليسوا قلّة ، بل هم كثر، يغلب بينهم النّساء والشّباب،في بعث توجّه ،أو درب، أو منهج يعيد للثّورة تعريفها ومفهومها ويبتدع تونس أخرى .
ضمن هذا المخاض سعدت بشرف تحريرالصّياغة النّهائيّة ل “أرضية دستورنا” – العمل الجماعيّ – وفزت بالشّرف الأثيل : أن بادرت رابعة ذاتها بترجمة ما صغته من العربيّة إلى الفرنسيّة.
ثمّ جاء ” كان غاندي على حقّ ” (Ghandi avait raison). رابعة في عنفوان شبابها. تونس وباريس السّنوات المجيدة . نعم ؟ أليس هكذا تنعتون تلكم الأزمان أنتم يا صديقاتي وأصدقائي من جماعات 68؟
في الأثناء حصل بيننا بعض تحاور وحدث أن تبادلنا الرّأي في أمر أو غيره . غير أنّ تأثّرا استثنائيّا قد غمرني وأنا أرى رابعة تصل مدنين لتساند لينا بن مهنّي وأعلم أنّها جاءت ، وستعود، بالحافلة .
 
آتي الآن إلى وليدنا الجديد ،أردت أن أقول: وليد رابعة  حتّى وأنا أعلم أنّه كان لعبّاس شيء من إسهام فيه.
هذه الرّواية رأيتها ، أو بالأحرى أحسستها ، تينع ،
 وإن إلى حدّ.
ذلك أنّي حظيت بمزيّة أن عملت مع رابعة على وثائق معرض ” أربعطاش غير درج،أوان تونس ” . وكم مرّة سمعتها ، ونحن منهمكون في شغلنا وهي لاتنفكّ تبدع، تتساءل بينها و بين نفسها في همس رقيق لكن فيه جزع :” وروايتي ؟ متى سأجد وقتا لأستكملها؟ “
وإلى ذلك كنت ، كلّما اقتطعنا برهة استراحة ، أصغي لرابعة وهي تخلّص ” حياة الزّوجين ” من ” غاندي ” ومن “برج الوزير “.
وحقيقة أنا أتساءل : ألا يتعلّق الأمر هنا ، بصفة أو بأخرى، بضرب من ثلاثيّة فعليّة تحكي مجازفات فيها مغامرات حلوة وفيها إخفاقات وبؤس ،وفيها سعد و فيها شقاء، وفيها الحبّ متحرّرا وفيها إخفاق الحبّ أو نضوبه، وفيها الأمانة وفيها خلاف الاستقامة… ما رأيكم ، أصدقائي وصديقاتي ،لو عكسنا القول ليغدو : مجازفات فيها إخفاقات وبؤس وفيها مغامرات حلوة ،وفيها شقاء وفيها سعد ، وفيها إخفاق الحبّ أو نضوبه أو الحبّ متحرّرا ،وفيها خلاف الاستقامة وفيها الأمانة ؟ ألا يكون الأمر أفضل هكذا؟
أسمع رابعة تهمس في أذني :” وجزر الثّورة ومدّها؟ ” ذلك أنّنا ، رابعة وأنا ،ما نزال نؤمن أنّ تونس تعيش ثورة حقيقيّة لم تنكفئ ولم تخمد. أليس الأمر على هذه الحال يا رابعة ؟
ثلاثيّة . أو أثر فيه أزمان ثلاثة ،غير أنّه لا يقتصر على ذلك…أثر يحكينا جميعا ،جميعنا :نساء ورجالا ، يحكي رابعة ، يحكيكم أنتم  ،يحكيني، يحكينا كلّنا… أنا أرى هذا في الرّواية بل وفي الرّوايات الثّلاث .
 
قبل أن أحيل الكلمة إلى اللّطيفة مؤلّفتنا ،وبعد الاعتذار لكم عن شططي في الاستيلاء على وقتكم،اسمحوا لي فقط بأن أقول لكم إنّ ” الأيّام ” الّتي في الرّواية هي ، فعلا،أيّامنا نحن جميعا ، وإنّ حياة زوجي الرّواية هي حقيقة حياتي وحياة رابعة وحياتكم وحياة الجميع. أتراحا وأفراحا.
لن أقول أكثر.
اقرؤوا الرّواية. ولتحي الثّورة! الثّورة الّتي جمعت بيننا وتجمّعنا.
وفي النّهاية أبلغ رابعة رسالة شخصيّة . مينه الّتي تعذّر عليها أن تكون بيننا هذا المساء تبلغك تحيّاتها وترجو منك أن تنيرينا: كيف تجدين سبيلا لتفعلي كلّ ما تفعلينه جميعه؟

*قدّمت هذه الكلمة يوم 20 أفريل 2019 بمكتبة ” ألف ورقة ” بالمرسى.
 
 

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: