الشّاعرة فضيلــة الشابي : الْحُلُمُ الذي يعبُرُ التاريخ

img

الشّاعرة فضيلــة الشابي :

الْحُلُمُ الذي يعبُرُ التاريخ

 

Untitled-3فاخر بن سعيد

صحفي

Fekher.19a@gmail.com

 

 

Untitled-1توطئة : فضيلة الشابي… شاعرة وكاتبة، مبدعة، عاشقة للقلم تكتب الشعر بأنواعه، والرواية والقصة وأدب الأطفال قصة وشعرا، أصدرت ما يزيد عن 25 مجوعة شعرية وأربع روايات وثماني مجموعات قصصية وشعرية للأطفال. تؤمن بالحرية، وبالعدالة، والإنسانية، شخصيتها قوية، بقدر ما فيها من رقة وليونة، فهي شخصية متوازنة، تتصف بالبساطة والتواضع جدا، أكدت حضورها الشعري بجدارة وتميز، من خلال تعابيرها، وصورها وخيالها الخصب المتجسد في دلالات ومعان عميقة، إلى جانب امتلاكها رؤية معرفية وفكرية ناضجة وسعة اطلاعها، شغلها سحرُ الكلمات فتفرّدة في حاضرها الضيّق، ورفعت أحرفَ التنوير للأحقاب فكانت بحق درة مكنونة أنارت سماء الإبداع الأدبي وأضاءت أغراض الشعر بكل غالٍ ونفيس، ولا غرور في قولنا إن  فضيلة الشابي واحدة من أهم شعراء تونس اليوم ومن أكثر الشعراء وعيا بالحداثة الشعرية وبالنص المؤسّس، ومن أغزرهم إنتاجا «شاركت في عدة ملتقيات أدبية عالمية: مهرجان المربد بالعراق، معهد العالم العربي بباريس، ملتقى تكريم الشاعرات بإيطاليا، كما شاركت في ملتقى بألمانيا وأحرزت على جائزة المعهد الإسباني العربي بمدريد 1984 عن «الليالي ذات الأجراس الثقيلة» ولقد اختارت مدينة أربيناس وهي مدينة (سيسيرون الخطيب الإيطالي الشهير) قصيدة لفضيلة الشابي «معلقة» نقشت على المرمر في ساحة من ساحات هذه المدينة وهي مكتوبة بالعربية ومترجمة إلى الإيطالية.. كان لنا معها هذا الحوار فتوجهنا إليها بالأسئلة التالية:

 

1) الشاعرة فضيلة الشابي بعيدا عن التقديم المقتضب ماذا تقول لنا عن نفسها؟

– أولا هل يمكن للإنسان أنّ يعرف نفسهُ؟ أشعر أنني كينونةٌ شعرية وهذه العبارة يبدو لي أنها أقوى من كلمة شاعرة، أحسُ أنني خلقت لكي أتنفس شعرًا والشعرُ هو النفس القويٌّ للإنسان ولا أتفق مع بعض النقاد اللذين يرون أن هذا الزمن هو زمنُ الرواية وأنّ الشعر يعيش أزمة متواصلة، وأعتبره رأيا خاطئا لأن الشعر كما هو معروفٌ هو الفن الأول في  ثقافتنا العربية ولهُ مكانتهُ أيضا في ثقافاتٍ أخرى ومن ثمة سيظل الشعر اللغة القصوى للإنسان، فأنا خلقت لأتنفس شعرًا ولأكتب شعرًا ولأتواصل مع البشر شعرًا. ولعلني أقول: أكتبُ العالمَ شعرًا.

 

2) متى بدأتِ كتابة القصيدة ؟ وماذا عن أول قصيدة سطرتها أناملك؟

Untitled-22– من الغريب أنني حينما بدأت الكتابة الأدبية كان عمري تقريبًا 13 أو 14 سنة كتبت قصة قصيرة ولم أكتب شعرا وبعثت بهذه الأقصوصة إلى حصة «هُوَاةُ الأدب» الإذاعية الذي كان يشرف عليها الشاعر الكبير «مصطفى خريف» والناقد الكبير «محمد فريد غازي» وقد أحرزت هذه الأقصوصة آنذاك جائزة من حصة «هُوَاةُ الأدب» تلك إذن بدأت بكتابة القصة لكن هذا السؤال يخفي في طياتهِ سؤالا أخر قبل أن أبدأ الكتابة قرأتُ كتابةَ العالَمِ كتابةَ الكونِ وأنا طفلة في توزر لقد كتبَ الكونُ على الماء.. حينما كنتُ أسبح في الجداول، قرأتُ ما كتبه الكونُ وأنا أتمرغ على الرمال وكانت آنذاك نقية لقد قرأتُ ما كتبه الكونُ في كتابه العظيم ماخطَّتهُ الغيوم فأنزلتهُ مطرا، هذه القراءة المبكرة لكتاب الكون كأنّها تحمل في طياتها رسالة بعث بها الكونُ إليّ أني سأكتب العالَمَ بدوري ولقد فهمتُ تلك الرسالة وبدأتُ الكتابة ومازلتُ أكتب إلى لآخر لحظة في عمري.. كَتَبَنَا الكونُ فها نحن بدورنا نحن الشعراء والفلاسفة والعلماء نكتُبُ العالَمَ لأن الكتابة سوى كانت أدبية أو فلسفية أوعلمية هي بالأساس فعلُ الوجودِ وفعلٌ في الوجود هذا الفعل الأقصى هو الذي أقوم به مدة أكثر من 45 سنة وسيظل هذا الفعل ماظلت حياتي على هذه الأرض.

 

3) أغلب كتبك كانت على حسابك الخاص، كيف نجحت فيها؟

– هي تجربة مريرة، لما أشاحت دور النشر بوجْههَا عن كتاباتي ورفضت أن تنشر أدبي وأتذكر كتاب «الليالي ذات الأجراس الثقيلة» الذي بعثته إلى إسبانيا آملة أن ينشر هنالك الكتاب ثم لما أحرز هذا الكتاب جائزة «ابن زيدون» من «المعهد الإسباني العربي للثقافة بمدريد» سنة 1984 ووُوجه هذا الكتاب بالطمس في تونس قررت حينها نشرَ أعمالي الأدبية على نفقتي الخاصة. كنت أستاذة تعليم ثانوي، إمكانياتي المادية محدودة جدا كنت أخذ  قروضا بسيطة من البنك وأتجه للمطابع ولما تشتري مني وزارة الثقافة 100 أو 200 نسخة وفي أقصى التقدير مرة 300 نسخة كنت آنذك أدفع أجر المطبعة ومدة 20 سنة نشرتُ أغلب أعمالي الأدبية على حسابي الخاص، أسهر على الكتاب من تأليفهِ إلى أن يصبح الكتاب شيئا مادياًّ بين يدي القارئ، كانت عملية شاقة ولم أنقطع عن النشر على النفقة الخاصة إلا سنة 2010. كنتُ أعرفُ أن هذا الموقف سيسبب لي عدم المقروئية، فالإعلام لا يظهر ولا يعطي قيمة إلا للكتب التي تنشرها دور النشر الكبيرة سواء في تونس أو أية دولة أخرى لكن رغم ذلك قررت أن أنشر أعمالي الأدبية كاملة وكان هذا تحدّيا لمؤسسة النشر وللمؤسسة الإعلامية في تونس فرهاني كان أن أنطلق كأديبة من بلادي، ثم أعلنتُ استقلاليتي مثقفةً عن السلطة السياسية لأنني أبغض وأمجّ الانتهازية الفكرية والسياسية. وكل هذه الظروف الصعبة أحاطت بهذا الأثر.

 

4) يقول أحدُ الشعراء «لولا الشعر لأُصبنا جميعًا… بالسكتة القلبية» أَ ليس العالم خراب وخواء دون شعر؟

– إن الشعر أبو الفلسفة، تأمُلُ الإنسان البدائي للكون وتفسيرهُ السحريُّ لهُ ألم يكن ذلك شعرا؟ تعاقبت أزمنةُ الإنسان وفي كل هذه الأزمنة أنتج الإنسان شعرًا، فشعرُ هو رؤية الكون وتدبر فيه. كلماتي كالفيَلِ المتوحشة.

 

5) ألا تشعرينَ بأن هناك تباينا بين الشعر المعاصر والشعر في الأزمنة الغابرة؟

Untitled-21– شيء طبيعي.. أن يحصل مثل ذلك التباين لأنّ الشعر فنّ نبيل يتطور عبر العصور مثل الفنون الأخرى فلا شيء يبقى على حاله حتى الإنتاج الفكري يتغير والقصيدة العربية عرفت هزات في تاريخها الطويل في العهد الجاهلي وفي العهود الإسلامية عرفت القصيدة تلك المعارك بين المحدثين والقدامى كذلك تجدد الشعرُ في الأندلس ثم ذلك النفس التجديدي في الشعر على يدي شاعر تونس الكبير أبي القاسم الشابي في الثلاثينات من القرن العشرين تلتهُ حركة الشعر الحرّ في المشرق العربي وقصيدة النثر كنتُ شخصيا خرجت على القصيدة العمودية خروجا تامّا وأوجدتُ لنفسي مصطلحا يخصّني أي رفضت مصطلح قصيدة النثر وأسميت الكتابة الشعرية التي أكتب بالنصّ الشعري. والنصّ في اللغة هو حدّ الشيء يعني أزعم أنني أكتب كتابة التخوم ولكن الإيقاعات تتغير وتتبدل وما يسمّى بالعروض هذه البحور الشعرية ما هي إلاّ إيقاعات أوجدها الشاعر الجاهلي وستتغير كذلك الأنماط في هذا الفن الذي هو فن الشّعر.

 

6) لمن تقرئين من الشعراء، وبمن تأثرتِ؟

– طبعا أتقن اللغة الفرنسية ككلّ التونسيين والتونسيات، واطلعتُ على جزء كبير من آدابها كما قرأتُ نماذج من الأدب الأمريكي الّلاتيني مثل أشعار «نيرودا» و«أكتافْيُو باث» مترجمة إلى اللغة الفرنسية وبعض الشعراء الأفارقة ك«سنُغور» ، و«لوركا» في إسبانيا وشعراء حركة الزنوجة، أرفض مسألة التأثر فمساري كشاعرة غريب جدا اخترت لنفسي أن أكون في عراء معرفي خرجت على المدارس الأدبية كلها، فليس لي من شيخ فأنا لم أقلد أبا القاسم الشابي وهو من عائلتي لأنني أمقت كلمة تقليد وأعتقد أنّ لكل إنسان فرادة في هذا الكون نحن كأوراق الشجر ورقة لا تشبه أخرى طاقتي أستمدها ليس من شاعر ما، بل من هذا الدماغ الذي مكَّنني من التفكُّر والتأمل في هذا الكون الرائع والجميل.

 

7) يقول أحد النقاد: «القصيدة سرّ، وعلى القارئ أن يبحث عن مفتاحها». هل للقصيدة أسرارها؟

– الكتابة الشعرية الخارجةُ على الأنماط السائدة وُلُوجٌ في عاَلَمٍ مجهُولٍ.. لا أكتبُ السهل الممتنع مثل «نزار القباني» ومثل «أبو القاسم الشابي» وهو منحى فني مهمّ جدا توخيتُ منحى مغايرا ليس هو بالسهل لكنّهُ المُمْتنعُ المُتمنِعُ فيه نوع من الغموض لأنني أنطلق من ملاحظة أن لا شيء واضح في هذا الكون إنما الوضوح وَهْمٌ كبيرٌ، فالشعر القوي هو الذي يمتلك القدرة على إدخال القارئ في لذة مستمرة متأتية من افتتان مستمرّ وفي دُوَارٍ ذي مدَارَاتٍ.

 

8) عملية اختيار عناوين الدواوين والقصائد صعبة، وأحيانًا كثيرة تؤرّق الشاعر، كيف تختارين عناوين قصائدك، وهل من طقوس معينة في الاختيار؟

Untitled-2– عناوين كتبي ليْست مُجرد جزْءٍ أو مفتاح تُفتحُ به مغالقُ الكتاب بل عنوان أي كتاب من كتبي هو الكلُّ الذي يحتوي الأجزاء المختلفة فالكتاب هو البُؤْرةُ التي تحتضِنُ كلّ البؤر ليس العنوان بالنسبة إليّ اعتباطيّا بالمرّة.

 

9) في رصيدك عديد الكتابات فأيها تجسد شخصيتك؟

– وكأنك تسألني باعتباري أمًّا: أي أبنائك أحبّ إليك؟ كل كتاب من كتبي يطرح إشكالية جديدة ومن ثمَّ من خلال هذه الكتب كان حلمي بلورة رؤية شعرية للعالم هذا حلمي ومازال.

 

10) يقول أحد المهتمّين بالأدب العربي والكلامُ له طبعا «لو كانت فضيلة الشابي مصرية لتُرجمت أعمالها إلى لغات العالم»؟

– بارك الله في هذا القائل لتْقديرِ أدبي.. نحن نعلم أن أهلَ مصر يهتمّون بأدبهم ويعلون من شأنهِ حبذا لو أننا في تونس نهتم بأدبنا ولا نجعله أدبا يتيما بين الآداب العربية لا يخرج الأدب التونسي من يُتْمه هذا إلا التونسيين والتونسيات إنّ النص الأدبي المؤسِّس في تونس موجودٌ على كافة التونسيين أن يثقوا بما ينتجه الفكر التونسي.

 

11) يلاحظ أنك لم تلجِي العالم الافتراضي كما فعل عديد الشعراء والكتاب؟

Untitled-21– صحيح… أنا لست ضدّ وسائل الاتصال الحديثة فأنا مع كل إنتاج ومع كل تقدم تكنولوجي للبشرية أنا امرأة قلمٍ والقلمُ كان رفيقي طوال عمري إذا كان الانبهار العربي إزاء تطور وسائل الاتصال الحديثة مفهوماً فإنّ تخلّي الكثير من شعوبنا العربية عن الكتاب الورقي يحزنني جدّا. فالشعوب التي لا تقرأ شعوب ميتة.

 

12) هل انعكست الثورة على أقلام الشعراء والأدباء والكتاب في تونس؟

أكيد، فالثورات تفرزُ أدبهَا فثورة الشعب التونسي كتبَ عنها الكثير والنصّ المؤسس حول الثورة يتطلب الكثير من الصبر والأناة كي يوجد.

 

13) ما رأيك في استسهال الكتابة الشعرية؟

– الذي يستسهل الكتابة الشعرية لا يستحق أن يكون شاعرا إنّ النص الشعريّ لشبيهٌ بالمادة بالمفهوم الفيزيائي للكلمة لنتأمل قطرة الماء إنها لكونٌ.. أقولُ في أحدِ كتبي : «هلْ قَطرَةُ ماءٍ تَكفِي لإثارةِ البحر››. «ارفعوا أيديكُم عن محَاولةِ اغتيالِ الشاعِرة ثقافيًّا».

 

14) تتميزين بتنوع في إنتاجاتك الأدبية فأنت تجيدين كتابة الشعر بأنواعه والقصة والرواية، فما سرّ هذا الإلمام بمختلف الأدوات المنتجة لهذه الأجناس الأدبية؟ هل الأمر يتعلق بشكل من أشكال التجريب الإبداعي؟

– كتاباتي تظل كتابة شعرية بالأساس والشعر والرواية والقصة والشعر باللغة العامية، والشعر والقصة للأطفال لأن الطفل مبدع بالأساس قبل أن تٌبَلدهُ المناهجُ التربوية البائسة. فنحن فى سياستنا التعليمية نخلقُ جيوشا من العاطلين يجبُ علينا إعادة النظر في مثل تلك السياسات حتى يوجد الإنسان التونسي المنتج للمعرف وليس مجرّد كائن مستهلك للرّداءات أمّا هذه الأجناس الأدبية التي خُضْتُ غمارهَا فهي روافدْ تصبُ في نهر الشعر البعيدة أغوارهُ.

 

15) كيف وصل نصّك إلى بولونيا لتختاره باحثة بولونية؟

– هما أستاذتان من بولونيا قدمتا إلى تونس لدراسة الشعر التونسي الأستاذة الأولى السيدة «كريستينَا» قدمت بحثا في الشعر التونسي وكنت من الشعراء الذين شملتهم تلك الدراسة أما الباحثة الثانية وهي من جيل آخر من الباحثين كانت قد مت إلى تونس وأعلمتني أنها اختارت شعري موضوعَ رسالة ماجستير في جامعة من جامعات بولونيا.

 

16) هل تمكنت فضيلة الشابي من بلورة رؤية شعرية للعالم من خلال 25 كتاب شعر؟

– عليك أنّ تلقي مثل هذا السؤال على ناقدٍ.. لكن أستطيعُ أن أقول لك إن كل كتاب من آثاري هو بمثابة ألبنة التي تُضافُ إلى لبناتٍ أُخْريات في هذا المعمار الهائل الذي يسمي الأثر الشعري وإليك بعض الأمثلة: في كتاب «الحدائق الهندسية» وطرحُهُ للإشكال الهندسي أو المطلق والنسبي في كتاب آخر أيضا التاريخ والمكان ومفهوم العدل وفي كتب الشعر الصوفي التي ألفتُ تُفتحُ الكلمات على الما- وراء..

 

17) بلغت مصنّفاتك إلى حدّ الآن ما يزيد عن أربعين كتابا في الشّعر؛ الفصيح منه والشعبي، والرواية والقصة وفي مجال أدب الطفل أنتجت الشعر والقصة وواقع تكريمك من قِبَلِ وزارة الثقافة التونسية وطبعت أعمالك الكاملة في حياتك وهذه سابق في بلدنا فهل أنصفتك الساحة الثقافية؟

– أعتقدُ أنها لم تكن سابقة.. إنها لسنةٌ حميدة دأبت عليها وزارة الثقافة في نشر الأعمال الكاملة لبعض الكتاب التونسيين وتزويد المكتبة الوطنية بما يُنْتجهُ الذكاء التونسي في شتى مجالات المعرفة وإنهُ لمن دواعي الشرف أن أنتمي إلى أدباء تونس وإلى أدباء اللغة العربية رجالِهم ونسائِهم الذين ساهَمُوا ويساهمُون في جعلِ الثقافة العربية المعاصرة رافدا يصبّ في النهر الحضاري.

 

18) روايتك «العدل»، رواية طبعت عام 2005 وظلت مصادرة لمدة ثلاثة سنوات. لماذا حدث هذا لهذه الرواية ؟

– من 2005 إلى 2008 صُودِرَتْ هذه الرواية.. لم أنخرط ومازلْت في أي حزبٍ سياسي لكن تظل السياسة والشأن العام في بلدي من اهتماماتي. لذا تجد السياسة حاضرة في كتاباتي سواءً الشعرية منها أو النثرية فرواية العدل موضوعها الأسَاسيُّ هو العدل، والعدل كما هو معروف أساس العمران وفي هذه الرواية شخصيتان تاريخيتان: شخصيةُ الفاروق عمر بن الخطاب «عَدِلْتَ فأَمنتَ فَنمْتَ في الطريق يا عُمر» وشخصية الرئيس بورقيبة صانع تونس الحديثة لكن كان حكمهُ مستبدًّا، الاستبدادُ عنفٌ يسلطُ على الشعوب فيذلّهَا ويخنقُ طاقاتهَا لم يتقبل الرّقِيبُ أن يُتَنَاول التاريخ السياسي المعاصر لتونس من زاوية السخرية السوداء وأن تسقط تماثيل المستبّدين على عُروشها فصُودرت هذه الرواية.

 

19)  ما سرّ هذا العطاء الذي لم ينضب معينه منذ أكثر من أربعين سنة خلت؟

– سرّ هذا العطاء أنني أومنُ بما تنتجهُ الشعوب من معرفة في شتى مجالاتهَا وأن الإنسان خلق ليتفكر وينتج فهذه هي وظيفتهُ على الأرض، نحن البشر كائنات ذكيَّة علينا أن نُفَعّلَ هذا الذكاء لإسعادِ الإنسان.

 

20) يقولون وراء كل شاعر معاناة ماذا تقولين في ذلك ؟

– نعم حين يتخِذُ الأديبُ الكتابةَ رحلة عمرٍ.. الكتابة عملٌ شاقٌ يتطلبُ الصبر والتضحية وتوخّي الصدق في النظر إلى الذات والأشيـاء لأن الكتابة حمالةٌ لِهَمٍّ معرفيّ فهي ليستْ كتابة مناسباتية ولن تكون.

 

21) هل من جدوى للشعر في عصرنا هذا ؟

– الشعرُ نظرٌ في الوجودِ فهو ضروريّ للإنسان لأنهُ يهذّبُ ذائَقَتَهُ ويرفعهُ من درجةٍ دنيا إلى درجة عليا في التحضر ويجعلهُ يرتقي ويلمس جوهر إنسانيتهِ، هذه الإنسانية المُفكرةُ المُتَفَكرةُ الشعرُ يجعلنا نَمُسُ الذكاء الإنساني في أروع تجلياتهِ. «عاهدت نفسي أن أكمل رسالة أبو القاسم الشابي لكن في الاختلاف».

 

22) لو كان الشاعر أبو القاسم الشابي على قيد الحياة هل تراهُ سيلتحقُ بركب الحداثة  الشعرية؟

– أكيد.. يعتبرُ بعض النقاد إن أبا القاسم الشابي مؤسس الحركة التجديدية في الشعر العربي منذ بداية الثلاثينات، فلو عاش أبو القاسم الشابي لأوجدَ الحدَاثة الشعرية لأنهُ ليس مجرد شاعر بل هو كينونة شعرية قادرة على الرؤى الشعرية، لا ننسى أبا العتاهية منذ قرون حين قال «أنا أكبر من العروض» لأن الإيقاع ليس فقط موسيقى وإنما هو إيقاع فكري، كل شاعر هو ابن عصرهِ وتجربة الشعراء الأفذاذ هي أنهم قد يخترقون عصرهم فالاختراق سمةُ النص المؤسس.

 

23) هل القصيدة قلعة الشاعر الدائمة التي يحتمي فيها من عواصف الحزن والاغتراب؟

القصيدة ليست ملجأ بالنسبة إليّ وإنما هي بوابة تفتحُ على رحابة الكون فهي فضاء الخُروج ليست فضاء دخولِ، فضاء الخروج إلى الكون هي النابعة من باطن الشاعر وهذا ما يمنحها ويكسبها المقدرة على الرؤيَا، الشعر الذي أكتب هو شعر كوني بالمعني الفلكي للكلمة إذْ مفهوم الخروج هو مفهوم إطلالة الذكاء الإنساني المبدع.

 

24) هل تفهمين أن يتوقف بعض الكتاب عن الكتابة؟

– الكتـابة رحلةُ وجودٍ لكن قد يحصل وأفهمُ جيدا أنّ بعض الكتاب قد يتوقّفون عن الكتابة والتوقف عن الكتابة إما أنّ يكون توقفا مؤقّتا لأنّ الكاتب في فترة من الفترات يحتاج إلى وقفات تأمل في ما كتب وفي ما سيكتب هذا التوقف إيجابي في ما أرى وثمة توقفٌ نهائي وأنا أتفهم كذلك هذا التوقف لأنّ الكتابة رحلةُ عمرٍ شاقة ومضنية والكتاب الذين يرحلون في صلب هذا الفعل: فعلُ الوجودُ فهي رحلة شاقة قد لا تنتهي إلا بانتهاء حياة ذلك الكاتب ويبدو لي أنني من ضمن هؤلاء الكتاب لا تنتهي رحلتهم في صلب المعنى إلا بانتهاء حياتهم وأنا أقول إنّ حياة واحدة لاتكفي لإنتاج أدب يطرحُ رؤية للوجود.

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: