الشيطان والمرأة في ” بنات الخائبات ” للقاص العربي علي السباعي

img

الشيطان والمرأة في ” بنات الخائبات ”

للقاص العربي علي السباعي 

الناقد الفلسطيني / رائد محمد الحواري

” الفرح ِ بثياب ُفـرائس ” في هذه القصة وجدت قدرة مميزة عند القاص العراقي ( علي السباعي ) على السرد وإدخال القارئ في عالم المعرفة الأدبية والفنية من خلال سرد أسماء كتب وكتاب وأسماء فنانين إن كان في مجال الرسم أو الموسيقى، فهناك تلاقي مع شكل السرد الموجود في “ألف ليلة وليلة” وكأن الراوي أرادنا أن نتقدم من تراثنا الأدبي من خلال هذا الشكل من القصص، فالدخول إلى أكثر من حدث قصصي، والحديث عن الماضي والحاضر والانا/نحن والأخر ثم ربط كل هؤلاء بالحدث الرئيس يعد عملاً إبداعياً مميزا.فمثل هذا الشكل من الكتابة يحتاج إلى قدرة استثنائية عند الكاتب لكي يقنع الكاتب المتلقي بما يكتبه، و”علي السباعي” استطاع أن يقنعنا بهذه القصص، ويجعلنا نستمتع بها، وذلك، أولا لشكل وطريقة تقديمها، وثانيا للمضمون الفكري والأخلاقي الذي تحمله، وثالثا لارتباطها بالتراث القصص العربي، ورابعا لوجود دعوة ـ غير مباشرة ـ لمعرفة كتاب وكتب وفنانين واحدث تاريخية أو معاصرة في هذه القصص.

في قصة
“سيوف خشبية”
تجد للقاص ” علي السباعي ” أسلوبه الخاص في كتابة القصة، فهو يستحضر أسلوب ألف ليلة وليلة، التي تجعل قصة داخل قصة، أو قصة ترتبط بقصة أخرى، هذا الشكل يذكرنا ـ في العقل الباطن ـ بوجود فكرة، حكمة من وراء هذه القصة، ودائما ما تكون فكرة نبيلة، تمثل تجربة الراوي في الحياة.
الراوي في هذه القصة يتقمص دور “إبليس” وبدأ قصته بما قام به من “وسوسات” قلبت حياة الأفراد والمجتمعات إلى جحيم، فإبليس يعمل على نزع السعادة من الإنسان، وجعله بلا ضمير، بلا أخلاق، من هنا اختار هذا الإبليس موضوع مثير/يهيج الغرائز/ يجذب الكبير والصغير، والمرأة والرجل، فهذا الموضوع ما أن يفتح حتى يتلقفه الكائن البشري بقلب مفتوح وشهية لا تشبع، الموضوع هو الجنس، القصة تدور حول علاقة بينه وبين بغي، وكيف يستخدم “سيفه” القوي والعابر والخارق، “سيفي بيدي أخذ يتطاول، يتطاول على أنغام موسيقى هادئة كان سيفي يبثها المذياع الموضوع فوق السرير” يتعمد “إبليس” أن يجعل خيال المتلقي يتوغل بعيدا نحو عالم “السيف” الذي يلاعبه بيده، فهو لا يقول ما يريده بصراحة، بل يستخدم الرمز، يوحي إيحاءً لكي يثير المتقي أكثر، ولكي ولا يجعل يشبع/يمل، فأختار طريقة التورية والرمز والإيحاء ليحدثنا بما دار بينه وبين البغي.
فهذه طريقة تثير الشهوة والغريزة الجنسية: “لساني الطري يلعق مرتفعاتها الشهية، فتفجرت أوجاعها وازداد ألمي، ضمتني بقوة، بقوة، بقوة بين ذراعيها هصرتني. الحياة بين ذراعيها محاولة، حياتنا مع حواء ليست نتيجة، ليست نتيجة والسعاة في حضنها كانت في انتماء، قلت لها بمكٍر وشفتاي تمصان شفتيها السفلى:–
ـ خذي هذه الطعنة النجلاء.” بهذه المشهد يعمل إبليس على أسر المتلقي وجعله رهن حديثه، فهو يريده أن يكون تحت سيطرة/تأثير الشهوة الجنسية، لما يعرفه من تأثرها الفاعل والقوي في المستمع، فالجنس سيد الموقف عندما يكون الحديث عنه.
إبليس يحدثنا عن المومس التي لا تشبع، المرأة المجربة، التي خاضت العديد من التجارب الجنسية، ولم تعد تثار بالممارسة العادية، فتقول:
“ـ طعنوني بسيوفهم وهم عرا ة، توحدت بهم وهم يطعنون” تحويل السرد للبغي يثير المتلقي أكثر من حديث إبليس، فهو يبقى يحمل صفة “ذكر” بينما البغي تحمل صفة الأنثى وهذا وحده كافيا ليثير الشهوة عند المتلقي.
الحوار يطول بينهما، وكأن إبليس أردنا أن نسمع الصوت الآخر، حتى لا نقول بأنه قمع/حجب/منع الطرف الآخر من الحديث من إبداء ما يفكر فيه، وبهذا يقنعنا أكثر بما يريد طرحه.
يعمل الشيطان على جعل البغي تكفر بالواقع الذي تعيشه، من خلال حديثه معها عن مهنتها القذرة فيقول لها:
” – كانوا يضاجعونك بسيوفهم. لا بأرواحهم”. بهذا القول أرادها أن تكفر/تقنط من الحياة ومن الناس.
ويضف عن أهمية “السيف بالنسبة لها وللرجل “صحت بغطرسٍة كي أشجعها
ـ سُيف الرجل هو الأساس”
.وعندما يأخذها بالقوة قائلا لها بعنجهية ووقاحة: “ـ سيفي قوي منتصب، هاك ” فما كان منها إلا أن ردت عليه بهذه الفعل “قذفتني بعيدا عنها” وهنا أخذت العلاقة تتجه نحو اتجاه آخر، فهذا إبليس والكرة/الشر/البغض سيري فيه، من هنا نجده يستميلها مرة ثانية لكي يقتص منها ويكن وقت/ظرف/حالة القصاص مؤلمة وموجعة للبغي حيث جاء الغدر إثناء فعل الجماع “ضممتها إلي بشهوة عنيفة، سافر لساني في بهو فمها الشهي” أثناء هذا الفعل يقلب إبليس مشهد الجنس والحب إلى مشهد قتل وخراب ودم، يستخدم حالة الخراب في فلسطين، متخذا منها حجة لكي يتحول من شخص غارق في الشهوة إلى شخص مبدئي يثار بالحدث الوطني والقومي، “لا داعرات بعد الألفية الجديدة سندخل الألفية الجديدة بعالم خال من الداعرات” بهذا التحول التراجيدي يكون إبليس هو السيد، القائم بوضع أسس العادلة وتطهير المجتمع من ظاهرة الدعارة، “تحية لإبليس ضارب أعناق العاهرات”
الراوي لم يرد أن تكون نهاية القصة وأحداثها لصالح إبليس، بل أراد أن يقدم لنا مشهد يجعل من هذه المومس امرأة تستحق الاحترام والتقدير لما تمتلكه من شجاعة، فنجدها تقدم على الموت بهذا الشكل، “ـ اقطع رأسي بسرعة فحياتنا قصيرة”.
فكانت نهاية القصة تصور انتصار الإنسان (المحتقر) في المجتمع على الموت، على إبليس على الخوف، على الموت، فشجاعة المومس كانت تعد حدثا غير عادي بالنسبة للإنسان الطبيعي، فما بالنا بهذه (الشاذة) تقدم على الموت بهذا الشكل؟
هناك تضمين لقصة بنت حاتم الطائي، عندما تحدثت عن الجنس، وبيت شعر لنزار قباني، والعديد من الأحداث المعاصرة والتاريخية التي تجعل المتلقي ينشد إليها، ومن ثم البحث فيها وعنها، كل هذا يجعل قصة “السيوف الخشبية” قصة مميزة تحمل أفكاراً وشكل غير مألوف لنا، فالمتعة حاضرة من خلال الحديث الشيق عن الجنس، والفكرة أيضا كانت ايجابية عندما قدمت لنا كيف يمكن أن ينتصر الإنسان على الموت، على الشهوة.

الناقد الفلسطيني / رائد محمد الحواري

فلسطين – نابلس

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: