الشرف أوالعرض و حتمية الإهتزاز  في رواية “الكرسيّ الهزّاز “

img

الشرف أوالعرض و حتمية الإهتزاز 
في رواية “الكرسيّ الهزّاز “

قراءة في رواية المبدعة أمال مختار 
بقلم عمر دغرير

تسعى الرواية العربية و التونسية بصيغها المتعددة و المنفتحة على عوالم جمالية وتخييلية إلى تمثل السلوك الحياتي بالتباساته وتعقيداته الظاهرة والخفية حدّ الإهتزاز و الإضطراب النفسي . و لعل حضور موضوع الشرف و العرض في عشرات النماذج الروائية يثير الخوض في أسئلة أكثر تغلغلا في وجدان الأفراد في صلتهم بالمحيط الجماعي و خاصة الأسري . و قد يصبح هذا الموضوع آلية درامية للنفاذ إلى فضاءات ومواقف وعوالم شخصية تعكس الوعي الفردي في محيط عربي مكتنف بعوامل التقاليد و العادات .
و الأكيد أن موضوع “الشرف” يستحوذ على اهتمام الكثير من الكتاب ويشكل محوراً للقصص و الروايات التي تعكس واقع المجتمعات الشرقية وطرق تفكيرها في قضية فيها الكثير من الأوهام والخرافات. حتى أنها تتسبب في العديد من الأمراض النفسية و قد تصل الى الجسدية كما هو الحال في رواية ( الكرسي الهزاز ) للكاتبة أمال مختار .
فماذا عن هذه الرواية و كيف للشرف أو العرض أن يحول كرسيّ العظمة الى كرسيّ هزاز ؟
منى عبد السلام البطلة الرئيسية . دكتورة بالجامعة مثقفة دون أن تتورط في الإنتماء الى المثقفين . لها كتاب في النقد حول بعض التجارب الشعرية التونسية و هي ابنة المربي الفاضل حامد عبد السلام الذي كان حريصا على تربية ابنته و الوصول بها الى بر الأمان بنوع من القسوة .” …تسبق القسوة كلماته فتفتح لها الطريق مباشرة الى أرضية روحي الطفلة الهشة …”
حامد عبد السلام تسببت له ابنته في صدمة نفسية جعلته نصف جثة ممدة على السرير أو جالسة على كرسي خاص بالمعوقين بعد أن كان يجلس على كرسي العظمة في مملكته الصغيرة .
مجدي السعدي رسام موهوب . تجربته مميزة يعمل في صمت يكره الشهرة و الأضواء و يحب النساء . تعشقه البطلة حد الإمتلاك .
محمد بالحاج شاعر موهوب و من أقرب الأصدقاء الى منى عبد السلام و علاقتها به اقوى و أكثر صمودا في وجه الهزات من العشق و الحب و الزواج و هي اعمق و أصدق من كل العلاقات الأخرى التي تؤسّس على منطق المداراة و الكتمان .
منجي عزوز دكتور بالجامعة و زميل منى عبد السلام و رغبته ملحة في الإرتباط بها و الزواج حسب العادات و التقاليد .
يوسف صديق منى عبد السلام منذ أيام المعهد وهو أستاذ جامعي موهوب في الشعر لكنه غير محظوظ و ظل صعلوكا أكثر منه شاعرا .
لطفي كمون من أشهر رجال الأعمال في تونس و صاحب مطعم دار الجلد .
ألفة التركي محامية و صديقة الرسام مجدي السعدي .
مراد الطالب الذي عشقته أستاذته الدكتورة منى عبد السلام .
كل هذه الشخصيات الرئيسية و أطراف أخرى ثانوية تتفاعل مع بعضها البعض لتشكل رواية نفسية بالأساس. و قد بانت فيها الأحداث مسجَّلةً على نحو ذاتيّ في ذهن الأغلبية من شخصياتها. وفيها نلاحظ تقدَّم الأحداث لا وفقاً لتسلسلها الزمنيّ ولكنْ كما تتداعى في ذهن البطلة أو غيرها من الشخصيات .
منى عبد السلام الراوية و البطلة في آن قد تكون بوعي المثقفة امراة تاخذ متعتها على طريقتها و تمضي شامخة بكبرياء و تنظر أمامها عاليا . هذه المراة التي حاولت أن تتحدى كل القيم . و أن تعيش خارج السرب . تعرضت في طفولتها الى التحرش الجنسي من أقرب الناس اليها عمها في مرحلة أولى ثم ابن المدرّسة المراهق و آخرين .و قد مرت بظروف نفسية صعبة خوفا من الفضيحة و العار حتى أصيبت بازدواج في الشخصية .
و بالرغم من تحصلها على شهادة الدكتوراء و التحاقها بالجامعة للتدريس .تبقى تطيل النظر في ماض له تأثير بها وعلى محور حياتها. ولعل هذا قد جعل تفكيرها بالماضي يتحكم في تصرفاتها وأسلوبها في الحياة وعدم مقدرتها على المواجهة .
فجأة يكتشفها والدها وهي تمارس الجنس مع أحد طلبتها لينتهي المشهد بالمربي الفاضل فوق كرسي هزاز .
و تتعدد الشخصيات في ذات منى عبد السلام حتى أننا في صفحة 28 نجدها تقول :”…فجأة طلعت مني امرأة لا أعرفها …امرأة سوقية شرسة ابنة حارة اندفعت مني و تركتني في الممر فاغرة فمي …”
و في صفحة 59 نقرأ: “…كنت أخفي عني حقيقتي … ترى من أين نبعت الأنثى الأخرى في ؟ كيف نشأت و كيف تسللت اليّ لتهدم صرح أفكاري …”
و في صفحة 85 “…أيقنت أن المجنونة التي أحبسها في قاع نفسي قد فكت سجنها و انطلقت الى العبث…”
منى عبد السلام شخصية غريبة غرابة هذا الزمن . فمنذ طفولتها لم يكن الزواج من أحلامها و حتى اغراء الفستان الأبيض لا يؤجج رغبتها في التجريب . و يوم قررت الزواج من زميلها الثري منجي عزوز تركته ليلة العرس لتسافر مع صديقه لطفي الى اسبانيا .
و منى عبد السلام عشقت الرسام مجدي السعدي حد التملك . حتى أنها لما فاجاته مع صديقته ألفة التركي المحامية في فراشها انهالت عليها ضربا مبرحا و شتيمة و هي تصرخ في وجه مجدي المذهول : “… هل هي أفضل مني .أجمل مني .تمتعك أكثر مني . فقط قل لي …” صفحة 28 .
منى عبد السلام تحب المغامرات و تفعل المستحيل لتحقق رغباتها و لكنها سرعان ما تعود الى حقيقتها و تنهار . “…أحسست بالعجز .ثم بالقهر فلم أملك الا أن أبكي لأتطهر بملح دموعي .بينما يطلع نواحي من قعر روحي المحترقة فيملأ الفضاء حزنا ثم عدما …”
و الكاتبة أمال مختار عبر سرد الأحداث تسلط الضوء على قضية الشرف و التباساتها ثم انعكاساتها على نفسية المتضرر منها و هي بذلك تؤكد بأنها على إطلاع كبير في الطب النفسي وعلم النفس و أنها بامكانها التعمق في النفس البشرية و كتابة رواية نفسية بمعرفة عميقة تحمل الكثير من الدلالات و المعاني .
الكرسي الهزاز رواية تشدك الى النهاية دفعة واحدة و هي تستحق المتابعة من أهل الإختصاص .

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.