الشاعر في مواجهة الفيلسوف: قراءة في مسرحية السحب لأريستوفان

img

قيس عمائرة: باحث ماجيستير في المسرح والعلوم الثقافية

 

الشاعر في مواجهة الفيلسوف: قراءة في مسرحية السحب لأريستوفان

 

هل بوسع الشعر أن يواجه الفلسفة؟  أي سلاح يمكن أن تمتلكه الحواس لمنافسة المنطق. كيف تظهر تلك المساحة اللانهائية لمملكة الخيال أمام عدد المفاهيم التي ينتجها العقل. هنا يشغل الفيلسوف كانط معركة طريفة بين الشاعر مشرع المخيلة المبدعة والفيلسوف مشرع العقل المحض، صراع الخيال ضد المنطق، التفكير لكن بلا مفهوم، اللعب بالخيال في الظاهر من الأشكال، ضد مغامرة العقل ضمن حدود التجربة. ولكن ماذا إن كانت الفلسفة تنتمي لطبيعة الشعر فيصبح هذا الأخير كلام يتكلم، أي كلام يفكر وقد قال هيدغير “الشعر هو تأسيس للوجود بواسطة الكلام” والتأسيس إنبجاس وقيام، إظهار وإنكشاف، بقاء ضد الفناء. لا وجود لذات عاقلة متعالية مازال بإمكانها ممارسة التأمل الهادئ للجمال أمام ولادة ذات جديدة للفيلسوف الشاعر زرادشت : ” أية سعادة ستكون لك أيها الكوكب العظيم لو لم يكن لديك هؤلاء الذين تنيرهم. وكأن نيتشه هنا يعتذر لهذا العالم المحسوس الذي رفضه كل من سقراط وأفلاطون بحجة الدفاع عن مدينة المعقول، هو إعتذار فلسفي طريف من براءة الشعر وشاعرية الأرض والعالم، هناك حيث يختفي توتر الفن الحقيقي الذي مارسه الشعر الكوميدي بشكل إحتفالي ساخر، في عمل مسرحي طريف بعنوان السحب يظهر ويكشف بشكل خفي طبيعة النقاش الفكري بين الفلسفة والشعر في إطار إبتكار خيالي ممتع ومباشر، جدي وساخر بين شخصية سقرط الحكيم الذي يتأمل السحب وشخصية ستربسياديس الراغب في تعلم فن الخطابة .

السحب هي مسرحية كوميدية قدمت في أعياد ديونيزوس المدنية سنة 423ق.م يتحدث فيها أريستوفان عن شخصية سقراط من منظور كوميدي بصورة طريفة تختلف عن شخص سقراط في الواقع وذلك من خلال نقاش فكري متخيل بينه وبين ستربسياديس يعكس حقيقة الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية لمدينة أثينا في تلك الفترة.

أريستوفان يكتب مع سقرط  ضد سقراط

يبدو أن أريستوفان يفكر بالأشياء فيحولها إلى كلام وذاك هو الشعر. فإقامة الشاعر داخل اللغة تكمن في قدرته على تحويل ما يفكر فيه من أشياء إلى لوحات كلامية، لكن ما نلاحظه في النص المسرحي الذي أبدعه أريستوفان هو كيفية إشتغال الحوار في كتابته الدرامية.

سقراط: لماذا تناديني أيها المخلوق؟

ستربسياديس: قل لي أولا ماذا تفعل عندك؟ اشرح لي ذلك بربك

سقراط: أمشي في الهواء ومن عليائي ألقي نظرة تأمل على الشمس

ستربسياديس: إذن فمن  هذه السلة لا من الأرض تلقي نظرة فوقية على الألهة وتتأملهم فماذا لو…؟

سقراط: ما كنت لاكتشف شيئا عن الأجرام السماوية قط ان لم ابحثها وقد ارتفعت بعقلي إلى اعلى ومزجت تفكيري الذهني الرفيع بمثيله من الهواء الاثيري الساطع ولو كان علي ان ابحث في مثل هذه المسائل العلوية وانا قابع في الارض الدنيا ما كنت لاكتشف شيئا منها قط.

ينبغي هنا أن نشيد بأسلوب الكتابة الدرامية الذي يكتب به أريستوفانيس، فبغض النظر عن تقنية الكتابة المسرحية المألوفة فإن الأسلوب الحواري الذي يجعلها تكون موجودة كأثر فني نادر وفريد  مبني بطريقة أو بأخرى على “التوليد السقراطي” فستربسياديس الشيخ المراوغ الغارق في الديون  يذهب إلى سقراط الرجل الحكيم الذي يتأمل السحب لغاية تعلم فن الخطابة. هنا يستغل أريستوفان حضور سقراط الشخص الحقيقي في مدينة أثينا الذي عرف عنه مصاحبة كل من “بروتاغوراس” و”جورجياس” بائعا المعرفة اللذان ينحدران من مدرسة السفسطائية، ويجز به في معركة حوارية خيالية ذات طابع طريف في نموذج أخر مختلف أي سقرط كشخصية كوميدية.

 أريستوفان يكتب مع سقراط

يبدو ذلك واضحا وجليا من خلال طرح شخصية سقراط لأسئلة تحقيق متواترة في مسائل فكرية مختلفة ” السحب التي تزود الانسان بفن الجدل، السحب التي تمنح الديثرامب هالة الشعر، كيفية تملك المنطق، مناضرة تشكل السحب..” وبذلك يدفع الخصم إلى الإستنتاج ومن خلال ردة فعله يولد سقراط السؤال من الإجابة وهكذا إلى أن يقنع المجادل ويصل به إلى الحل الفلسفي المناسب.

وبطبيعة الحال يجب أن نشير إلى أن أريستوفان يعرف سقراط الشخص معرفة جيدة فقد عاصره وعاش معه مرحلة إنتقال مدينة أثينا من الحكم الديمقراطي بعد حكم “بيركليس” إلى الحكم الأوليغارشي الذي فرضته إسبرطة خلال الحروب التي شنتها على عاصمة أثينا. فتعليم فضيلة المعرفة عبر فن الجدل طريقة جديدة تخرج من دائرة النقاش الفلسفي بشكل شفوي لتنخرط في أسلوب الحوار المسرحي بشكل كتابي، والحوار الفكري مع الناس في الواقع  ينتقل إلى مرحلة التفكير بالحوار داخل النص الكوميدي المتخيل، كذلك منطق التوليد السقراطي سؤال/ جواب الذي إنتشر في ساحات أثينا يفرض نفسه بأسلوب مسرحي ذكي داخل حقل كتابة أريستوفان.

ومن الطبيعي جدا أن يحدث هذا الإنتقال من الفلسفة إلى الشعر من جدل الكلام الفلسفي في الواقع اليومي إلى جدل الكلام الفلسفي الشعري في النص المسرحي الكوميدي. أو إن صح التعبير من الضروري أن نشهد ولادة الفلسفة السقراطبية في الشعر الكوميدي الأريستوفاني، فالعمل المسرحي يظل دائما على إرتباط بالأثر الإجتماعي الذي يسبقه وينتجه. ويخبرنا لوسيان غولدمان في كتابه  الإله الخفي أن ”  كل عمل أدبي أو فني كبير تعبير عن رؤية العالم .وهذه ظاهرة وعي جمعي يبلغ الحد الأقصى من الوضوح التصوري والحسي في وعي المفكر أو الشاعر” إذا لا يمكن أن نفصل النسق اللغوي الشعري الذي كتب به أريستوفان مسرحية “السحب” عن السياق الفلسفي العام الذي ظهر فيه جدل سقراط الشخص.

ما يمكن قوله أن المواجهة بين الشاعر والفيلسوف إنتهت بمصالحة من النوع الخطير بين الشعر والفلسفة، فالفيلسوف سقراط الظاهرة نجح في أن يلعب دور المفكر المؤثر في لاوعي أريستوفان الشاب، وربما أراد أريستوفان أن يستعمل وعي سقراط في الكتابة لمهاجمة أفكاره في النهاية، نحن إزاء شاعر كوميدي  يسخر من الفلسفة عبر المسرح، هو الشاعر  المنتقم من الفكر عبر فن كتابة المضحك، المؤلف الذي إستعمل أسلوب سقراط ضد سقراط. نحن نقرأ نصا كوميديا لكاتب مسرحي كبير إستطاع بأسلوبه الفكاهي أن يحول براءة فلسفة سقراط إلى خطر فكري حقيقي يهدد نظام المدينة.

أريستوفان يكتب ضد سقراط

هناك لحظة نعتبرها مفصلية في فكر سقراط وذلك بانتقاله من مرحلة فن الخطابة إلى فن الجدل، أي المرور من سؤال كيف خلق الإنسان؟ إلى سؤال لماذا خلق الإنسان، حيث تبدو مهمة هذا الأخير البحث عن المعرفة من خلال الإعتراف بالجهل، وهنا تنطلق الفضيلة في الإشتغال. لكن قبل ذلك من يهاجم أريستوفان، سقراط السفسطائي أم سقراط المتسائل؟ يبدو أن الشاعر تغاضى عن التجديد الفلسفي في فكر سقراط واستغل بذكاء منهجه التوليدي لكتابة مسرحيته “السحب” . وقد تجلى ذلك على مستوى الشكل والمضمون، من حيث الكتابة بأسلوب سقراط والسخرية في الأن نفسه من سقراط السفسطائي الذي كان، وبتفسير اخر يمارس أريستوفان تحدي وقح وساخر في مواجهة التفكير الفلسفي فيخفي شخصية سقراط عن الحوار بين منطق الحق ومنطق الباطل ويترك الشاب فيديبيديس ابن ستربسياديس ليتعلم من خلال النقاش الذي سيحصل

سقراط: سوف أترك المنطقين ليعلماه  بنفسيهما….أما أنا فسأنصرف

ستربسياديس : لا تنس …وتذكر دائما أن تجعله قادرا على نقض كل قضية عادلة ودحضها

مرة أخرى يهاجم أريستوفان شخصية سقراط  ويتعمق في ممارسة فن الجدل لحظة الكتابة لكن هذه المرة يكتب عبر التناقض المركب الكامن داخل سقراط، فمنطق الحق ومنطق الباطل هما الوجهان الخفيان اللذان يتصارعان داخل ذات سقراط، ومن خلالهما سيتطور التناقض إلى حده الأقصى وستظهر عندئذ الحقيقة الخالصة. يبدأ الحوار إذن بين المنطقين من أجل الحكمة فيهاجم الحق الباطل منتصرا للتفكير والعدالة ويتم توريط الألهة في النقاش بين المدافع عنها والساخر منها، إلى أن ينتهي الأمر بخسارة منطق الحق بعد أن إتهم الجماهير بانصرافها للهو والثرثرة على حساب إستعدادها للدفاع عن الحق والعدالة والانتصار للفكر والتفكير.

منطق الحق: لقد هزمنا …(يخاطب الجمهور) أيها المعربدون استحلفكم بالألهة أن تأخذوا عباءتي فها أنا أنضم إلى قطيعكم (يرمي عباءته على الجمهور ويتخذ لنفسه مكانا بين المشاهدين)

سقراط: (يدخل ويخاطب ستربسياديس ) وانت ماذا ترى الأن ؟ أترغب في أن تأخذ ابنك هذا بعيدا عني ؟ أم تتركه لأعلمه فن الخطابة ؟

ستربسياديس: خذه معك

مع إنتهاء صراع المنطقين ينتصر وجه الشر في شخصية سقراط الذي يوافق على تعليم الإبن فن الخطابة لمحاربة قانون العدالة، وكأن المعرفة قد أصبحت طريقة لإفساد عقول الشباب، فهي تفتقد لمنطق الحق وترتكز على منطق الباطل، وهنا يلعب الفن دور المتنبئ بما سيحصل في المستقبل. فبمسرحية كوميدية طريفة يعجل أريستوفان بمحاكمة سقراط في الخيال قبل أن يتم إعدامه في الواقع، حيث سيكون ذلك بعد ربع قرن تقريبا أي في حدود سنة 399ق.م وكأن أريستوفان قد إستشعر أهمية خطورة التلاعب بفن الحكمة وطرق إستخدام الفكر والمعرفة، فسجل ذلك في نص كوميدي مسرحي.

في أخر المسرحية ينتصر ستربسياديس وابنه على المرابي المنتفخ البطن “هيبياس” بفضل دروس وتعاليم سقراط، لكن المفاجأة تقع كما يقول برغسون في ” الإرتداد” الذي سيوظفه أريستوفان لإضافة عنصر الطرافة داخل مسرحيته الهزلية، إذ تنقلب الأدوار بين الأب والإبن فيدعي هذا الأخير أنه من الضروري أن يسد الدين لوالده وذلك بضربه

فيديبيديس: أما الأن وبعد أن امرني أستاذي بالتخلي عن الفروسية وجعلني أعايش الأفكار الدقيقة ومناهج التأمل المضني..بوسعي الأن ان أثبت لكم بكل برهان أن لي الحق في أن أعاقب أبي بالضرب ”

هنا تنتهي مسرحية “السحب” بكارثة خطيرة لكنها مضحكة في نفس الوقت. إذ يقوم ستربسياديس رفقة ابنه  بتدمير وإحراق مدرسة سقراط، وبذلك يخسر العقل الفلسفي معركة مهمة أمام جهل الناس وإيمانهم المفرط بالألهة. ربما كانت المواجهة بين الشاعر أريستوفان والفيلسوف سقراط ترتكز بالأساس حول سؤال خفي، من هو الذي يستطيع ترويض الحقيقة الشاعر أم الفيلسوف ؟ وهذا السجال سيستأنف لاحقا في محاورات أفلاطون، فلن يكون لمضمار المحسوس أية معنى أمام سحب الفيلسوف التي ستشيد بطريقة حرة ونرجسية عالم المثل أو بتعبير أخر المدينة الفاضلة.

في خطورة الشعر الكوميدي الساخر

في رواية إسم الوردة لامبرتو ايكو يقول الأخ غوليالمو:” لن تلغي الضحك بإلغائك الكتاب” فيجيبه الأب جورج:” الضحك هو الضعف، هو الإنحلال ومسخ طبيعتنا الإنسانية. الضحك يحرر العامي من الخوف من الشيطان..والقانون يفرض من خلال الخوف، واسمه الحقيقي هو الخوف من الله ” . نفهم من خلال هذا التصريح خطورة الكوميديا ومدى تأثيرها على السلطة الدينية أيام حكم الكنيسة في القرون الوسطى، فالضحك كنشاط إنساني يحرر المؤمن المسيحي من الخوف، و”الخوف أساس الدين”  كما يقول برتراند راسل، ينبغي إضعاف طاقة الحياة في العالم وتشغيل تقنية الرجاء في الأخرة. بهكذا أفكار يصبح من السهل على الكنيسة تدجين الإنسان وتحريكه. فأن تسخر من شيئ ما بإستعمال عقلك الطريف لغاية التصريح بخطر موجود يعني أنك تستولي على مساحة من الحقيقة، ولهذا ينبغي ترهيبك وإسكاتك، ولما لا يقع إستفزازك أنت البشري السائر نحو الفناء، يجب ان تختار إما الموت أو الحياة، فالخلاص، المحبة، الشفقة، الفوز، كلها قيم أخلاقية تنتمي لثقافة الموت، أما الضحك، الرقص، الغناء، إرادة الفعل، كلها قيم خلاقة تنتصر لثقافة الحياة.

إن الشعر الكوميدي يحتفل بالحياة حد التطرف، هو بلا شك يحمل طاقة الشيطان في ممارسة فعل التمرد ضد كل سلطة موجودة إلاهية كانت أو بشرية . ولذلك كان من الضروري إخفاء أو حرق الجزء الثاني من كتاب فن الشعر لأرسطو: الكوميديا. وفن الإضحاك بجل تقنياته قادر بشكل أو بأخر على إيقاظ ملكة النقد في جسد الشاعر الساخر، وبمثل هذا الأسلوب الإبداعي سيعود المسرح الكوميدي إلى الحياة وينظم الفوضى التي أنتجتها الكنيسة، وهنا تتم تعرية الواقع بتناقضاته المختلفة ويكشف ماهو مستور ومخفي داخل المجتمع، فيصحو المتفرج من سباته العقلي والوجداني ويتفطن إلى ضرورة معالجة ضميره المعذب بلغة نيتشه. هنا وفي هذا التوتر الخلاق يولد الشاعر النبي، هذا الكائن الراقص القادر على منافسة سلطة الكاهن في مستوى كيفية تحرير السعادة الروحية في جسد الإنسانية.

يقول الشاعر هولدرلين

غني بالمزايا، الإنسان، لكنه

يحيا شعريا على هذه الأرض

 

 

 

 

ثمة نقاش طريف لم يحسم بعد بين الشاعر المسرحي والفيلسوف المفكر،  ومن حسن حظ الفن أن الفلسفة توصلت مع الان باديو إلى ضرورة منحه الحق في إنتاج الحقيقة، وذلك في إطار مصالحة طريفة، الغاية منها تحرير الفن والفلسفة معا لخدمة الإنسان

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: