الشاعرة المغربية ليلى ناسيمي : المرأة العطاء

img

الشاعرة المغربية ليلى ناسيمي : المرأة العطاء،

بقلم الشاعرة التونسية سلوى الرابحي

 

 

هل يمكن أن أقدم صديقة شاعرة بموضوعية الناقد وشغف القارئ في آن معا؟

أنا منحازة للشعر، الشعر الذي يمس قلبي وروحي، الشعر الذي أتنفسه حين يغيب أكسيجين الواقع، فأتورد كزهرة برية  في زمن شحبت فيه صورة الإنسان وافتقدنا فيها المعنى.

ليلى ناسيمي عرفني بها الشعر فاكتشفتها  نصا من خلال موقع انانا سنة 2007، ثم افتراضيا وأخيرا جمعنا الواقع بتونس سنة 2018 بالمهرجان الدولي عليسة للمبدعات، شاعرة يفور من عينيها الحب والغضب، جريئة إلى حد أنك ستقول : هذه امرأة لا تفاوض في القول، إما تقول ما تريد وإما تصمت اختيارا لا عجزا،هذه ليلى ناسيمي لا يمكن أن تكون إلا امرأة تمثل نصوصها الشعرية فالشعر بوابة إلى سيرة الحياة، الحياة بأفراحها وآلامها. بشغف الحب وقهر الواقع،  تخط نصوصا رافضة،  ، ليس لديها هوة بين ما تكتب وما تعيش…الشعر بالنسبة إليها ترجمة للواقع وتمثل له، لا تكتب من عليائها ولا تتخذ من الرمز تقية لاخفاء ما نخاف من عريه،  بل وظيفة الرمز  لديها فكرية جمالية ، و الشعر كشف للواقع لا حجب له…

من مؤلفات ليلى ناسيمي

            (هذا المساء)2007 ، (كأس واحدة تك>في…)2011،  (مقامات )،  شلا ؤ م بقاش 2016، فكرتي عن الفكرة 2017 ، ومجموعات شعرية مشتركة منها انفلاتات، لهاث البحر.

عرفت ليلى ناسيمي نفسها  في كتابها حروف الجر قالت:

 

أنا الأيقونةُ
أنا الألمُ الوجعُ
أنا العشقُ و النّدمُ
أنا التّمردُ و الثَوْرة

أنا الثمرة و الجمرة

أنا المرأةُ العَطاء

 

[1]

انطلاقا من هذا المقطع الشعري، سنحاول تقديم الشاعرة ليلى ناسيمي كما عرفت نفسها.

  • *أنا الأيقونة، والأيقونة صورة أو تمثال مُصغَّر لشخصيّة دينيّة يقصد بها التَّبرُّك[2]

فليلى ناسيمي الشاعرة لا تعدو ان تكون سوى الرمز ، إمرأة يحتذى بها شعرا ونضالا وعطاء،  والأيقونة أيضا: صُورَةُ القُدُسِ عِنْدَ الْمَسِيحِيِّينَ أَوْ تِمْثَالٌ لِشَخْصِيَّةٍ دِينِيَّةٍ تَتَمَتَّعُ بِقَدَاسَةٍ[3] .

الشعر دين له متتبعون ومؤمنون برسالته الفنية، الشعر آلهة  تخلق المعنى والصورة والخيال، للشعر سحر المقدس و اغواء الكثافة .

في هذا الإطار كانت الشاعرة ليلى ناسيمي حبيبة الشعر والعصيان، رمزا من رموز الرفض، هي حفيدة ليليث، أو هي ليليث  عينها فمن هي ليليث؟

.وسمها السومريون ب  «ليليتو» أي سيدة الهواء باللغة الأكَّادية ، شيطان يحرك العواصف ويكفر بالهدوء ، حمالة مرض، وهي «ليليث» لدى العبرانيين، خلّد اسمها في الكتاب المقدس ، حبيبة آدم الأولى قبل حواء، هربت إلى الأرض ورفضت الجنة، وارتبط اسمها بالعصيانوالرفض. و ليليث العاصية هي  الليل في اللغة العربية.

صفوة القول هي الليل في صيغة الأنثى، عنوان للظلام  والتمرد للخروج من استكانة الجنة. وهي كيان مرفوض رغم الغواية  والجمال،  ثارت على آدم في حين كانت حواء ضلعا منه ، تابعة له، مطرودة معه إلى الأٍض تطلب الغفران..

فليليث ، ليلى ناسيمي الشاعرة هي المتمردة على الصورة النمطية للمرأة، حواء واختارت أن تكون شيطانا ، تنينا أو افعى لكنها قادرة على التفرد واثبات وجودها الأنثوي ، السياسي، الوجودي، الفكري…. أرادت ليلى ناسيمي من خلال تقمصها لصورة ليليث أن تخرج عن النسل المستكين المطرود من الجنة، المعاقب بالأرض، واختارت أن تترك الجنة طوعا، وتكون عاصفة فاعلة، مغيرة حتى لو كان التغيير يعني الدمار لأن الدمار يحملك إلى إعادة البناء ومحاولة الإعمار… تقول الشاعرة في كتابها فكرتي عن الفكرة:

فالفكرةُ
جَمْعٌ ولمٌّ

فكٌّ وهدْمٌ[4]

في أكثر من نص تؤكد الشاعرة أنها من نسل آخر، من نسل الرفض أتت، من نسل الحلم والفعل، من نسل ليليث حتى وان كانت شيطانا بغيا،  لا من نسل الطاعة والخنوع . تقول في كتابها حروف الجر:

حواء ليست جدتي
جدتي نقيضها  ليليث هي
و أنا المجهض فجرها
لم أنم كان رذاذ الأغنيات اليتيمة
يعطل بزوغ نور من بؤبؤ عيني
فتسقط وصايا الكاهنات

المنسية من أوردتي،[5]

وتؤكد ذلك في كتاب فكرتي عن الفكرة، حين ترفض المسلمات البديهية، والأفكار المسبقة، وتخلخل الثوابت حين تشكك فيما يعتبره المستكينون حقيقة، فكل حقيقة ليست سوى فكرة قابلة للشك، وفي هذا النص هي ليست فقط تنفي أنها حواء فهي أيضا لم تعرف آدم في الجنة بمعنى أنها قد لا تكون ليليث أيضا،  حين تقول:

الفكرة المسْبَقة عنّي

لا تعنيني
أجَلْ.. لا تَعْنيني
فأنا لَسْتُ

حوّاء
لم أعرف

آدم في الجنَّة[6]

 

وتحدثنا في نص   آخر عن آدم وحواء الذي تصور هروبه من نسله، نسل الإنسان الذي خلق الحرب والشر، الإنسان المتوج بالبشاعة الواعية، نسل البشر، أبناء المطرودين من الجنة، يتكاثرون في الأرض، وينشئون الحروب. ذلك هو وجه آدم الذي فرت منه ليليث، فرت من نسل كان يمكن أن تكون أمه الأولى، فرت من نسل كان يمكن أن تحمل بذرته في رحمها لكنها اختارت العصيان، اختارت ألّا تشبه حواء المختصر تعريفها في جمال ملفوف في شراشف الغرف الحمراء فهل هي غرف الغواية أم هي غرف الدم والقتل والمكيدة والإثم؟

لم أَصادِفْهُ إلَّا

في كَوابيسِ الحُروبِ
مُنْسَلّا في فَدَاحَاتِ نَسْلِه
لم أُصَادفْها

هي أَيْضا – حَوَّاءْ-
إلّا في شَراشِفِ

الغُرَفِ الحمراء[7]

 

2-  أنا الألم والوجع قالت الشاعرة،لأن الألم في المعرفة، مرتبط بالسؤال  لأن الألم مرتبط بالفكرة، مرتبط بالكتابة، تقول ليلى ناسيمي

“الفكرةُ
ضَنَى السّؤالِ
لا بَياضَ الإيمان.”[8]

وتضيف في مقطع آخر عن ألم الفطنة والمعرفة ،ألم الإدراك والخروج عن الجهل،

 

“الفكرة
يا صاحبي

أن الصّحوَ جحيم
و السّهوَ نعيم”[9]

الوجع في أن تتألم لألم الآخرين وتشاركهم جراحاتهم، هو ألم الروح، تلك المعذبة في الأرض تهيم بحثا عن الحقيقة وان كانت نارا تتلظى، وان كانت ألما. تألمْ أيها القارئ وارقص على نخب الحقيقة، ارقص ففي الرقص نقر على الجرح، أرقص ففي الرقص رفض لسكينة الألم. هي لم تكن حجرا أملس رطب الملامح سهل التظاريس لقد: ” كانت نتوءات الروح تخز الريح فتعوي ألما”[10] فلك أيها القارئ المحموم بالمعنى ، أيها الشقي، لك أن تقرأ كتاب الوجيعة، وجيعة الإنسان، وجيعة الأوطان، وجيعة الأرض.، ” لكَ أنْ تَتَهَجَّى أَبْجَدِيَةِ الأَلمِ /فوقَ شِفاهِ الوَطَنِ الأْخْرَسِ/ أو أنْ تَتَشَظَّى كمَرايا الهمِّ”[11]

 

.3أنا العشقُ و النّدمُ

ليليث العشق المحرم  الهارب من قداسة الجنة فاحذر خطر الغواية ، خطر الحرية، لا تعشق ليليث أيها القارئ ففي عشقها الألم والبحث والسؤال…الرفض، التحدي، الغواية،الدمار والندم… كل من أغوته ليليث،كان مصيره الخراب وندم على فرط الحب، هي منتهى العشق ومنتهى الندم، فالحب الممنوع مرغوب،  وزر جميل، وعصيان لذيذ وإن  حرمته الشرائع .

تقول الشاعرة:

عند المحراب مقصلة..

عند الباب..

وقفا ينوءان بوزرهما:

نحب بعضنا[12]

4- أنا التمرد والثورة

عرف التمرد لغة في لسان العرب:  المارِدُ العاتي مَرُدَ على الأَمرِ بالضم يَمْرُدُ مُروُداً ومَرادةً فهو ماردٌ ومَريدٌ وتَمَرَّدَ أَقْبَلَ وعَتا وتأْويلُ المُروُد أَن يبلغ الغاية التي تخرج من جملة ما عليه ذلك الصِّنْف والمِرِّيدُ الشديدُ المَرادةِ مثل الخِمِّير والسِّكِّير.[13]

والتمرد اصطلاحا لم يخرج عن مفهومه اللغوي فهو ” الخروج على نواميس المجتمع وقوانين النظام العام وعدم الإعتراف بسلطان أي سلطة” [14]

هي تعرف نفسها بالتمرد وهنا تذكرنا بالكوجيتو الكاموي ” أنا أتمرد إذن أنا موجود” ( ألبير كامي في كتابه الإنسان المتمرد): ،  أو ليست ليليث أول المتمردين باعتبارها كائنا عصى الله وآدم ونزل اختيارا إلى الأرض هي ابليس مؤنثا ، هي التحدي والإمتناع والمقاومة أما مفهوم الثورة فهو مفهوم مجاور للتمرد ويعني” تغيير أساسي في الأوضاع السياسية والاجتماعية يقوم به الشعب في دولةٍ مَّا” [15]

وتمرد الشاعرة وثورتها متجسم على عدة مستويات

تمرد على المجتمع من خلال نصوص تتحدث عن أنات المهمشين من شعراء وغيرهم، العابرين ، الخاسرين، تحدثنا عن المدينة والسكارى والفكرة، تصف الحانة والخمرة، تصف الشارع والأزقة، تصف وحشة الروح، “ما به السّيِدُ المَصلوبُ على جدارِ الحانةِ،(…….) ما به يُشهِرُ على ركْحٍ غيابَهُ، صفاقةَ الوقتِ، أنَّاتِ العابرين،َ زَفراتِ الخاسِرينَ، مِحنةَ الشُّعراءِ،[16]”  و”في الحان كنا وحيدين/ لم تكن تراني /وكنت اراك.”[17]
تمرد سياسي

هي فاعلة جمعوية ضمن حركة 20 فبرايرالمغربية، ، هذا ما صرحت به ليلى ناسيمي في حوار لها مع خديجة  بوتني Khadija Boutni، صحفية  متعاونة مع ” نساء من المغرب”  وتجلى هذا التمرد السياسي في نصوصها حيث تجدها تدافع عن طبقة المهمشين وتحلم بوطن أفضل تقول

ويخضر جرح الذاكرة
أيها الوطن العصي

ستنمو بيننا كالأسوار

أغنيات مدججة بالعصيان

ولن تسعفك ابتسامة مقدمة النشرة الأخيرة

وهي تدعي ان الطقس صحو[18]

5- أنا الثمرة والجمرة هي الثمرة الممنوعة، ولظى السؤال في آن معا، هي ثمرة الفكرة وسارقة النار من الإله، هي ثمرة المحرّم، ثمرة المرفوض، ثمرة ليليث العاصية، الرافضة تقول:

الفكرة
نبتة نمت في حلق شاعر
جمرة سرقت من آنية رب
فكانت لا ولم ولن[19]

تلك التي اختارت جمر الأرض، اختارت الفكر والفلسفة ، تلك المهووسة بالسؤال…كل شيء قابل للشك والبحث عن الحقيقة… والحقيقة عينها متعددة كما زاوية الرؤيا… تقول

الفكرة
أن تقبض على

جمر اللسان
فأحترق أنا

و أتلظى[20]……..


[1] -ليلى ناسيمي، حروف الجر، الدار البيضاء، اصدارات منتدى العشرة، 2016، ص4.

[2] أيقونة، معجم المعاني، / https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%A3%D9%8A%D9%82%D9%88%D9%86%D8%A9

[3] – أيقونة، قاموس المعجم الوسيط / https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%A3%D9%8A%D9%82%D9%88%D9%86%D8%A9

[4] – ليلى ناسيمي، فكرتي عن الفكرة، الدار البيضاء، اصدارات منتدى العشرة،2017، ص10

[5] – ليلى ناسيمي، حروف الجر، مصدر سابق، ص70

[6] – ليلى ناسيمي، فكرتي عن الفكرة،  مصدر سابق،ى ص 25

[7] – ليلى ناسيمي، المصدر نفسه، ص27.

[8] – ليلى ناسيمي، المصدر نفسه، ص12

[9] – ليلى ناسيمي، المصدر نفسه، ص34

[10] – ليلى ناسيمي، كأس واحدة تكفي، الدار البيضاء، منتدى العشرة، 2011، مصدر سابق، ص 4

[11] ليلى ناسيمي، المصدر نفسه ص 12

[12] – ليلى ناسيمي، المصدر نفسه، ص 80

[13] – لسان العرب، ابن منظور، http://wiki.dorar-aliraq.net/lisan-alarab/%D9%85%D8%B1%D8%AF

[14] – مجدي وهبة وكامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، بيروت، 1984، ص120.

[15] – الثورة، معجم المعاني، https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9/

[16] – ليلى ناسيمي، كـأس واحدة تكفي، مصدر سابق، ص 22

[17] – ليلى ناسيمي، حروف الجر، مصدر سابق ، ص13.

[18] – ليلى ناسيمي، المصدر نفسه، ص 68.

– [19] ليلى ناسيمي، فكرتي عن الفكرة، مصدر سابق، ص 42.

[20] – ليلى ناسيمي، المصدر نفس، ص 40.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: