الشاة السوداء – إيتالوكالفينو

img

الشاة السوداء

إيتالوكالفينو

ترجمة ناصر الحلواني

nasserhilawni@gmail.com

ــــــــــــــــــ

كانت هناك قرية كل أهلها لصوص.

في الليل، يغادر كل منهم بيته، ومعه مفاتيح زائفة، وقنديل خافت، ويذهب للسطو على منزل جاره. ويعودون عند انبلاج الفجر، محملون بالغنائم، ليجدوا أن بيوتهم قد تم نهبها.

وعلى هذا الحال، عاش الجميع في سعادة، فليس هناك خاسر، حيث يسرق كل واحد من الآخر، والآخر من آخر مجددا، وهكذا، باضطراد، حتى نصل إلى الشخص الأخير، الذي يسرق من الأول. وحتما، فإن الغش، في التجارة الدائرة في القرية،قائم بين الأطراف، البائع والمشتري على السواء. وكانت الحكومة منظمة إجرامية تسرق مواطنيها، والمواطنون بدورهم لم ينشغلوا بغير الاحتيال على الحكومة.

هكذا كانت الحياة تمضي في سلاسة، لا أحد غني ولا أحد فقير.

ذات يوم، كيف، لا ندري، ولكن ما حدث أن رجلا أمينا أتى للعيش في هذا المكان. في الليل، بدلا من الخروج بجراب الغنائم وقنديله، بقي في بيته ليدخن، ويقرأ الروايات.

أتى اللصوص، ورأوا الضوء، فلم يدخلوا.

استمر الأمر على هذا الحال لفترة، ثم تحتم عليهم أن يوضحوا له أنه إذا رغب في العيش دون فعل شيء، فلا مبرر لمنع الآخرين من القيام بعملهم؛ فكل ليلة يبقى فيها في بيته تعني أن أسرة لن يكون لديها ما تأكله في اليوم التالي.

ما كان الرجل الأمين ليعترض على مثل هذا الأمر، فعمد إلى الخروج في المساء، والعودة في الصباح التالي، مثلما يفعلون، لكنه لم يسرق. كان أمينا، لا حيلة في ذلك. كان يبتعد حتى يصل إلى الجسر، ويتأمل المياه الجارية من تحته. عندما يعود إلى بيته، يجده منهوبا.

قبل أقل من أسبوع، وجد الرجل الأمين نفسه مفلسا، لم يكن لديه ما يأكله، وبيته خال، ولكن ذلك لم يكن بالمشكلة الكبرى، إذ يقع الخطأ على عاتقه: إنما المشكلة أن سلوكه أفسد كل شيء آخر؛ لأنه ترك الآخرين يسرقون كل شيء يملكه، بدون أن يسرق هو شيئا من أي أحد، لذا، كان هناك، دائما شخص ما، يعود إلى بيته عند الفجر، ليجده كما هو، لم يتم نهبه: وهو المنزل الذي كان على الرجل الأمين أن يسرقه. على أية حال، بعد فترة، وجد الأشخاص الذين لم يتم السطو على منازلهم أنفسهم أغنى من الآخرين، ولم يعد لديهم الرغبة في السرقة بعد ذلك. مما زاد الأمر سوءا، أن من كانوا يأتون لسرقة منزل الرجل الأمين، كانوا يجدونه خاليا، وبذلك، أصبحوا فقراء.

في الوقت ذاته، بدأ من صاروا أغنياء في سلوك عادة الرجل الأمين، بالذهاب إلى الجسر مساء، لتأمل الماء الجاري من تحتهم.

بذلك، زاد اختلال الأمر، لأنه كان يعني أن كثيرا من الآخرين أصبحوا أغنياء، وكثيرا أصبحوا فقراء.

الآن، رأى الأغنياء أنهم إذا ذهبوا إلى الجسر كل ليلة فسرعان ما سيصبحوا فقراء، وفكروا: “لندفع لبعض الفقراء، ليسرقوا لحسابنا”. أبرموا عقودا، بأجور ثابتة، ونسب مئوية؛ فهم مازالوا لصوصا بطبيعتهم، ومازالوا يحتالون على بعضهم البعض. لكن ما حدث أن الأغنياء أصبحوا أغنى وأغنى، والفقراء أمسوا أفقر وأفقر.

صار بعض الأغنياء ثريا إلى درجة لم يعودا معها في حاجة إلى السرقة، أو استخدام الآخرين للسرقة من أجلهم ليظلوا على ثرائهم. لكنهم إذا توقفوا عن السرقة فسيصيبهم الفقر؛ لأن الفقراء يسرقونهم. لذلك، دفعوا لأكثر الفقراء فقرا، لحراسة ممتلكاتهم، حتى لا يقوم الفقراء الآخرون بسرقتهم، وكان ذلك يعني إنشاء قوة بوليسية، وبناء سجون.

هكذا، ما إن مرت بضع سنوات، بعد ظهور الرجل الأمين، لم يعد الناس يتحدثون عن السطو، أو عن أنه قد تم نهب منازلهم، ولكن يتحدثون فقط عن الغِنَى والفقر، وإن ظلوا جميعهم لصوص.

الرجل الأمين الوحيد، كان هو ذلك الرجل منذ البداية، وما لبث، بعد فترة وجيزة، أن مات، من الجوع.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.