السوسنة البرية -لويز غلوك

img
السوسنة البرية –لويز غلوك
الترجمة و المقاربة  لـــ: العربي بن ثاير
عندَ منتهى ألمي
كان هناك بابٌ.
أرهفْ ليَ السمعَ: ما تسميه موتاً
أتذكَّرُ
في الأعلى، ضوضاء، حفيف أغصان الصنوبر.
ثم لا شيء. الشمس شاحبة
تومض على السطح الجاف.
يا لرهبةَ أن تبقى على قيد الحياة
كَوَعْيٍ
مدفون في ظلمة التُّراب.
ثم ينتهى الأمر: ما تخشاه هو أن تكون
روحا، لا حول لك
أن تتكلم، وينتهي الكلام فجأة، الأرض القاسية تنحني قليلاً.
وما خلته طيوراً، تنطلق خلال الشجيرات الخفيضة.
أنتَ، يا من لا تتذكر
مروراً من العالم الآخر،
أبوح لك إنني أستطيع الكلام مرة أخرى: كل من انثنى من عوائد النسيان، يؤوب
للظفر بصوتٍ:
من بؤرة حياتي ينبثق
ينبوع عظيم أزرق غامق
الظلال، على مياه البحر اللازوردية.

بين يدي القصيدة …
عند قراءة قصيدة “السوسنة البرية” تداعت في خاطري للتو وتداخلت بسرعة عجيبة أقوالٌ من ينابيع متعددة، قد تكون -ظاهريا- متناقضة ولكن يتخللها روحٌ واحدٌ يسري في أوصالها فيحيلها نسيجَ ألفةٍ.. أسمعُ همساً يقول: فإن شئتم حقاً أن ترفعوا الحجابَ عن كُنْه الموت، فافتحوا قلوبكم على مَصاريعها لكيان الحياة (جبران، في النبي) وآخر يذكرني قائلا :”سمعت صوتا هاتفا في السحر نادى من الغيب رفاة البشر، هبوا املأوا كأس المنى قبل أن تملأ كأس العمر كف القدر(عمر الخيام، في رباعياته) وثالثا في حنو يناديني و”دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريفْ، والموت، والميلاد، والظلام، والضياءْ؛ فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاءْ ” (السياب، في أنشودة المطر) وإذا بي أشهد مصرع شهيد العشق الإلهي وهو يتغنى:”أُقْتُلُوني يا ثقاتـــي إنّ في قتـْلي حياتــــي… تجدوا سـرّ حبيبــي في طوايا الباقيــات “(الحلاج، في شهادته على الحق)…وسرعان ما ” أفقت وخلف أجفاني صورة زورق جميل يمخر عباب نهرٍ عظيم، ويجري ضد مجراه (ميخائيل نعيمة، في اليوم الأخير)
وهكذا رغم بعد المسافات واختلاف الثقافة والذوق، بدا لي صوت غلوك ذا صلة بهذه التداعيات؛ لذلك كان حميمياً أليفاً.. ثم إني وجدت فيها بصمة خاصة : إنها هادئة الصوت، صاخبة الفكر في آن. فإذا اتفق لك أن قابلتها (حتى لو افتراضيا أقصد أو من خلال منشوراتها …إلخ) و ألِفْتَها لأوّل وهلة – كما يحصل لك مع بعض الناس في حياتك، وتساءلت لماذا؟ ثم ذهبت لا تلوي على شيء.. هم قد يبقون في ذاكرتك، وقد يمّحون، إلا لويز غلوك، فهي تتسلل إلى شرايينك دون أن تستشير عقلك أو قلبك، كروح من نوع غير معهود، تبعث فيك الحيرة، ثم سريعا ما تستوطنك بردا وسلاما أنيقيْن وعميقيْن …
“لقائي”بها كان كلقاء كثير ممن يتابعون أخبار الفن والأدب. لست ممن تهزهم أخبار الشهرة، فأنا لا أوالي الجوائز ولا أعاديها، ولا أحكم لمجرد نيل مبدع جائزة رغم مكانة نوبل للآداب…ولكن ما شدني إلى الاطلاع على شِعرها شداً عميقاً – بشكل غير مسبوق، وبحماس وشوق فياض، كأنه الحنين إلى شخص ما، أعرفه منذ زمن بعيد – أنّ تصريح لجنة الجائزة قال: “كوفئت على صوتها الشاعري المميز الذي يضفي بجماله المجرد طابعاً عالمياَ على الوجود الفردي”.. هذا ما جعلني أخمن فعلا بإمكانية أن يكون صوتي – وصوتك أنت أيضاً – منطوياً في مكان ما من صوتها!
ومن عجائب الأمور مع هذه الشاعرة أنه اتفق أن قيل لي يوم نشرتُ خبرَ نيْلها الجائزة: “هلا ترجمتَ قصيدة لكي نقرأها؟ فرددت: “من المؤكد أن كثيرين سيشرعون في الترجمة … هذا لا يمنع أن أحاول أن أختار من شِعرها ما يعبر عني في صوتها…”
وبمجرد اطلاعي على “السوسنة البرية” وجدت ذلك الصوت كأجلى ما يكون ! فعبْرَ السطور القليلة لهذه القصيدة، أَسَرَني الصوت – المتحدث في النص – بما يعنيه أن نعيش، ونموت، ونولد من جديد. هذا هو الصوت الجديد الذي يهز كياني بين الفينة والفينة فأنتبه إليه حينا لأغفل عنه حيناً آخر… ولعل لويز غلوك أفلحت أكثر من غيرها أن تبعث بصوتها ذاك، في كياني، ذلك الصوت كأجلى ما يكون!

العنوان أو عتبة القصيدة
جاء عنوان القصيدة، نعتا (السوسنة) ومنعوتا (البرية). والسوسنة باللغة الأنجليزية والفرنسية (Iris) فهي تشترك في التسمية مع “قزحية العين” والاسم مستوجى من قوس قزح لتنوع ألوان هذه الزهرة، إذ أن هنالك أكثر من 260 إلى 300 فصيلة من نوع زهرة السوسنة مختلفة الألوان والأشكال. تعد السوسنة الزرقاء الغامقة، هي النوع الأكثر تعبيرا عن البرية البكر، فما مغزى اختياره؟ قد يكون في اللون الذي يحيلنا أيضا في آخر القصيدة على مياه النبع العظيم ذي الظلال الزرقاء الغامقة ما ينير ردهات المعنى.

استبطان الحالة الإيقاعية والشعورية الطافحة تحت جسد القصيدة الناعم.
تنطلق القصيدة بحنوٍّ وتنتهي بلينٍ، لتتوسطَها لحظةُ غموض ومفترق طريقين: تتراوح بين الرَّوْع (الرهبة والخوف) والروعة ( الجمال الفاتن) رهبة ، روعة… قصيدة غلوك مريعة في فتنتها، حين قالت: “إنه لأمر رهيب أن تبقى على قيد الحياة كوعي مدفون في ظلمة التراب. ثم ينتهى الأمر: ما تخشاه هو أن تكون روحا، لا حول لك”. يا للمعنى المراوغ ! فعلا من العسير أن تظفر بسكينة المعنى في مطاوي القصيدة… لنقل: إن كنت في حال من الروع؛ فهو ثاو هناك قد طال ثواؤه وقد أنى للمفاصل أن تستبد بضمها صحراؤها كما قال أبو العلاء يوماً، وإن كنت لامستَ الروعة؛ فهي في أبهى تجلياتها…
أول ما تنتبه إليه العين الفاحصة -من جهة البناء الفني- أن في القصيدة ثلاثة مقاطع وفي كل مقطع مجازات أبواب، فلنجزْ إليها.
نرى لويز غلوك تستخدم العديد من التقنيات الشعرية وتشمل، على سبيل المثال لا الحصر ، الاستعارة والتشخيص والامتداد السطري الذي يسمى بالأنقليزية Enjambment) وهو نفس المصطلح النقدي بالفرنسية- (Enjambement ويظهر هذا الامتداد السطري في كثير من ردهات القصيدة، فيحدث عندما ينقطع الخط قبل نقطة توقفه الطبيعية، ليجبر القارئ على النزول إلى السطر التالي، ثم السطر الذي يليه بسرعة. مثلا في المقطع الأول:” أرهفْ ليَ السمعَ: ما تسميه موتاً”، ثم تأتي لفظة “أتذكَّرُ” في السطر الموالي. وهذا مثال آخر جاء في المقطع الأخير حيث تبدو كلمة “الظلال” كما لو كانت تابعة للعبارة الأخيرة في المياه اللازوردية”، في حين أنها مضاف إليه لكلمة “غامق” في السطر الذي يسبق الأخير. فقد تحدث للوهلة الأولى مفاجأة قد لا تكون سارة ومخيبة للانتظار لدى المتلقي أو بالأحرى باعثة على القلق الفني؛ إذ يجب على المرء أن يمضي قدمًا من أجل حل سر العبارة أو الجملة، وبمجرد أن يحدث ذلك يجد المتلقي نفسه مشدوها أمام عذوبة الانبهار بعد حدوث المفاجأة الجميلة لإدراك سر المبنى الملتوي العويص والمعنى المفلت إلى نقطة التجمع فالانكشاف. وهنا لذة الفهم والتذوق معا. متعة لا تظاهيها متعة ما يمكن تسميته “خيبة الانتظار الساحرة” Attente déçue émerveillée

محاولة مقاربة القصيدة
المقطع الشعري الأول: من 1 إلى 7
عند منتهى ألمي
كان هناك باب.
(…)
ثم لا شيء. الشامس الشاحبة
تومض على السطح الجاف.
في المجاز الأول من هذا المقطع الأول، يبدأ المتحدث ببيانٍ أو إعلانٍ بسيط ينتشر على سطرين، باستخدام تقنية تعرف باسم الامتداد السطري Enjambment ؛ فيشير السطر إلى كل من الظلام والنور. المتحدث، عاش معاناة طويلة وشديدة ولكن في نهايتها “كان هناك باب”. تذكرنا نهاية الألم بآية من الأنجيل”ها أنَا ذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ” ﴿رؤيا يوحنا 3: 20 ﴾. فالباب رمز للأمل والسعادة وهذا يذكرنا أيضا بباب الجنة في القرآن: “جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ” ﴿ ص 38 : الآية 50﴾. ولكن بقدر ما تشيع كلمة “باب” الإحساس بالسلام فإنه يطلق حالة إرباكنا حول هوية المتحدث. من غير الواضح من هو/هي وما الذي اختبره هذا الصوت. وهل يكون هذا الصوت سوسنة برية أم متحولا إلى سوسنة برية ؟
في المجاز الثاني، يطلب المتحدث من القارئ “سماعـ[ه] /[ها]”. تجذب هذه الكلمات انتباه القارئ وتؤكد أن الأسطر الآتية بالغة أهمية. يؤكد الصوت أنه يتذكر (الموت). لكن هذا “الموت” الذي هو تصور المستمع/ القارئ لما بعد مجاز الباب (عند منتهى الألم) كما تشي بذلك عبارة (ما تسميه). هو إذن ليس تصور الصوت المتحدث في النص؛ مما يؤشر إلى تعديل ما، إلى مفاجأة معينة، لاحقاً في القصيدة؛ إذ تتعقّد الذاكرة من منظور الصوت المتحدث: هناك شيء مختلف في تصوره عن التصور السائد للموت لدى القارئ العادي. فهل يدعم هذه المقاربةَ احتمالُ أن يكون الصوت المتحدث سوسنة؟
في المجاز الثالث، يأخذ المتحدث القارئ َمن عالم أقرب إلى الخيالي – المجازي: بمعنى أنه جاز إليه من خلال ذلك الباب – إلى عالم مادي، أو على الأقل هكذا يبدو؛ وكمثالين للصور السمعية الدالة على المحايثة المادية الحسية، يصف الضوضاء في الطبيعة، والريح – أو النُّسيمات – تحرك الأوراق والأغصان. وأما “الشمس الشاحبة” فهي ترد كمثال على الصور المرئية؛ لتتظافر الصورتان معاً (الصورة السمعية مع الصورة الشمسية) من أجل دحض تصور الموت موتاً.. ولكن مرة أخرى يجري “التلاعب” بتصور المتحدث في النص فينتقل – آليا- إلى تصور القارئ : فجأة لا يوجد “شيء”. قد يشير هذا إلى الصمت، أو الموت الوشيك، أو إلى فضاء فارغ في ذهن المتحدث. ولكن أي فراغ؟ ذلك هو اللغز الذي يستدعي خوض التجربة … غير أن المتحدث ( السوسنة التي قد تكون لسان حال الشاعرة أو الشاعرة التي استبطنت راحلاً ما وحولته إلى سوسنة قادمة ) لا يقول لك كيف، ولماذا، ومتى ؟ عليك أنت – إذن – أن تتخيل …
***
المقطع الشعري الثاني: 8-15
إنه لأمر رهيب أن تبقى على قيد الحياة
(…)
وما خلته طيوراً، تنطلق خلال الشجيرات الضئيلة”.
في هذا المقطع، يستمر الصوت المتحدث ليقول إنه ” يا لرهبةَ أن تبقى على قيد الحياة كوعي” أثناء دفنك في الأرض. هذه صورة مظلمة كأنها تستحضر صور شخص (أو أشخاص) دُفن حيا. هذا شارع من شوارع المعنى. ولكن الشارع الآخر للمعنى قد يقودنا إلى الزهرة التي قد تكون في مقدمة هذه القصيدة، والتي سيُدفن قلبها في الأرض المظلمة لكي تنمو. وفي كلتا المقاربتين، نتكشف أن الموت أمر ليس مخيفًا وليس نهاية بل بداية قد تكون منتجة لحياة أجمل. ومن المثير للاهتمام التفكير في سبب وصف المتحدث لهذا المسار بأنه مروع أو مريع باعث على الرهيبة. في كلتا الحالتين، هذه الأسطر الشعرية هي مثال جيد على التجسيد ، وأظنه يرمز إلى التجسُّد!
ولكن لا تزال بين المتحدث ونور العالم والحياة مسافات نائية، كما يتم التعبير عنها في السطر الحادي عشر والثاني عشر “ثم ينتهى الأمر: ما تخشاه هو أن تكون روحا، لا حول لك”. إنه موجود لكنه غير قادر على التعريف بنفسه. ليس له صوت، وهذا أمر يمكن أن يكون باعثا على الحيرة والقلق لأي إنسان. فثمة علاقة يتم بلورتها هنا بين تجربة الصوت وما يمكن للقارئ البشري فهمه، الوجود الممحو، الممكن إعادة تشكله، زهرةً بريةً، سوسنةً !
أخيرًا، تنتهي فترة العجز عن الكلام وتنحني الأرض المظلمة كالرحم . هل هي استعارة الولادة العجائبية من عذرية الأرض بفعل القوة الذاتية وإرادة الحياة؟ إذا كان هذا التأويل مناسبا فإنها صياغة لم يقلها شاعر قبل لويز غلوكحسب اعتقادي. ولكن أين أوجاع الولادة؟ قد يكون في لفظة الانحناء أنين ووجع لما يحدث عند انحلال الهيكل العظمي لحظة الميلاد لكنه أنين خفيّ تغلب عليه رواقية فيها كبح النفس عن الانقياد للذة أو الخوف من الألم ولكنها رواقية من نوع فريد: فمغزى الانحناء -هنا- هو الإذعان المرافق للاحترام… وهكذا تشق الزهرة طريقها عبر الأرض. ويتذكر الصوت المتحدث مثار حيرته ؛ الأصوات التي سمعها من قبل فوق الأرض، وكانت غامضة حينها، هي الآن واضحة … “وكشفنا عنك غطاءك فسمعك اليوم حديد”، فذلك كان صوت الطيور متخللة شجيرات خفيضة، هي منطلقها نحو عالم جديد. فترى كيف سيكون؟
تُستخدم الصور هنا بمهارة كبيرة؛ حيث يُطلب من القارئ تخيل صوت الطيور وهي تحلق كما قد يختبرها المرء تحت الأرض. صورة الطيور مهمة؛ لأنها ترمز في هذه الحالة، إلى الروح البشرية التواقة إلى الحرية والسلام.. ويبدو لي أن الشجيرات – بنعتها خفيضة أو ضئيلة – كانت قد بدت للصوت أغصانا شائكة وأوراقا كثيفة، بما يعني إنها غابة شائكة، فصارت – بعد الانبثاق – منصة للانطلاق .
***
المقطع الشعري الثالث: 16-23
أنت الذي لا تتذكر
من العالم الآخر
(…)
ينبوع عظيم ، أزرق غامق
الظلال على مياه البحر اللازوردية.
هذا المقطع يحفر عميقا في ذكريات المتحدث، مذكراً القارئ بأنه كان يروي قصة موتٍ إلى ضمير المخاطب “أنت”. ومن عسر ترجمة ضمير المخاطب باللغة الأنجليزية (You) إلى العربية أنه لا يمنحنا فرصة معرفة هل المتحدث إليه مذكر أم مؤنث [ ولا حتى الترجمة الفرنسية أسعفت! فالإشكال بين التذكير والتأنيث في ضمائر الخطاب قائم حتى في هذه اللغة أيضاً ]. لن يتذكر القارئ كيف كان الشعور بالانتقال من عالم إلى آخر، من الظلام قبل الحياة إلى النور …هذه الرؤى تتلاقى وتختلف مع ما جاء في الأديان السماوية ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ( الزمر39: 42). لكن هذا المتحدث يبدو كائنا ما شبيها بالزهرة، إذ يبوح بأنه يعرف الولادة الجديدة والحياة والموت كما يجب أن تكون المعرفة أثناء مروره بهما كل ربيع: فالأسطر الموالية تؤكد هذه الحقيقة ، ذلك أن “النسيان” – الذي يشير إليه المتحدث- مؤقت ، حيث تقول الشاعرة :”كل من انثنى من عوائد من النسيان، يؤوب للظفر بصوتٍ…” وهو لقاء مع أفلاطون على أنّ للإنسان حياة سابقة أو أنّها كانت تعيش في عالم المثل قبل أن “تنزل” إلى العالم المحسوس. في هذه الحياة السّابقة كانت الروح قادرة على تأمّل المثل ومعرفتها. يجب على الإنسان -إذن- أن يسعى إلى تذكّر ما عرفه ” فالمعرفة تذكّر والجهل نسيان”.
وفي الأسطر الشعرية الأخيرة، يعبر المتحدث عن جوهر ما يعنيه الموت والعيش مرة أخرى. يتم ذلك من خلال صورة “ينبوع عظيم ، أزرق غامق الظلال”. هذا هو صوت المتحدث الذي يخبر القارئ أن ينبوع الماء هذا يأتي من “مركز” الحياة الحقة. وعلى الرغم من أنه ليس واضحًا تمامًا ، إلا أن هذه الأسطر تصور – على الأرجح – اللحظة التي تستعيد فيها هذه الزهرة (التي يبدو أنها هي الصوت المتحدث ) الحياة مرة أخرى. تجربة قد تكون “مرت” بها جميع الكائنات … وفي لحظة ما – لا ندري متى تحين وأين وكيف؟ – يبدأ تشكل وعيها بأنها قادرة على التذكر والتفاعل والانتقال والارتقاء…
وتنتهي القصيدة باستعارة الجنة التي ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) ولكن من الملفت للانتباه التفاتة رائقة أن تنتهي هذه المعاناة بالطريقة التي يدخل بها الربيع الطلق من مضايق الشتاء، حين قالت”:
من بؤرة حياتي ينبثق
ينبوع عظيم أزرق غامق الظلال
على مياه البحر اللازوردية..
يبدو أنها تجربة أو تخيل لتجربة مختلفة إلى حد ما -وإن لم تكن مفارقة تماما – عن التجارب التي انتشر الحديث عنه في العقود الأخيرة المعروفة باسم “الاقتراب من الموت ” Near Death Experience … إنها قد تكون تنويعا ما على نظريات التجسد Reincarnation … هي حالة الانتشاء الكامل التي يصل إليها الإنسان بعد فترة طويلة من التأمل العميق، حين يصبح منفصلا تماما بذهنه وجسده، متصل روحيا بالعالم الخارجي، عبر طاقات الروح، من أجل تحقيق النشوة والسعادة القصوى وبلوغ النيرفانا المفضية إلى ” ينبوع عظيم أزرق غامق الظلال” هو الالتحام بالمطلق ” على مياه البحر اللازوردية”…
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: