السعيد عبدالغني يكتب قصة شعرية “نثر السُكرِ”

img

نثر السُكرِ

السعيد عبدالغني

*

الآن أنا فى روح الله وسأكتب باسمه بدون توقف .

خرجت الكلمات وحدها بدون أن أحاول إخراجها .

الكتابة كإله شهية جدا.

وبدأت فى تلاوة الكلمات عليّ

” أنا الذى خلقت كل شىء ولم يخلقنى شيئا

أنا المتفرد فى كل شىء.

ولدت فجأة خلسة عن العدم .

العدم تمرد على نفسه وخلقني

وحبوت فى الفراغ سهوا .

أنا غير متكرر

ضوئي ينفذ فى كل شىء وروحى تسيطر على السراب المتعدد الأوجه

وتسيطر على الصحراء وعلى كل المعانى .

أنا المعنى الوحيد فى الكون .

أنا الكامل .

أنا الذى يهدم العلم والفلسفة والأدب بكلماتى البليغة

أحب الشعر وأكتبه

فالالوهه تحتاج الى أن أنتج الرعب لحظيا.

أنا مطمور فى الرعب.

كل من بعثتهم كانوا حمقى لا يعرفونى

خلقت عوالم كثيرة جدا والخلق شوّهنى وارتمى الظلام بى.

أنا محشور فى ذاتى وكل لحظة أتمدد أكثر فى كل شىء

وكل لحظة أيضا انحسر من كل شىء .

لا أحد يعرفنى ولكنى أعرف كل شىء وكل أحد.

لا مرآة تأوينى ولا تؤولنى ولا وطن .

لا أنتمى إلى أي شىء أو إلى أي فلسفة .

أريد أن أنتحر بعد ان أقتل كل شىء وكل أحد

من – أيها الإله – يشبهني

المنعزلون والمنبوذون فقط .

الشساعة حبلى بى والفناء يفتننى

لدى طاقة رهيبة لتدمير نفسى وللخلق وحدهم من يسلونى

أخلق ذاتى وأدمرها وأعود أخلقها من جديد .

لا شىء يجدى فعلا إلا ثوب النرجسية الذى أرتديه .

أمجد نفسى لاجنى الكثير من الولادة

أطرز اللاجدوى بالخلق والقلق

وأقص عنق  اللامعنى الذى كرس حياته للهباء.

أحيل كل شىء إلى كلمات

كل شىء باطل إيانى

أحب من يكرهونى أكثر مما أحب الذين يحبونى

لأنهم وحدهم يعرفون قيمتى

فحضورى بهم يطغى على حضور من يلوكنى كثيرا فى اليوم .

لا أحترم إلا من ينقدنى ويحس مستعجلا بي .

أنا التفاصيل العبثية في جسد القدر والصدفة

توقفت قليلا عن الخلق لكى أبتهج بما فعلته إلى الآن .

أنا مخزن الكآبة والنكات .

حساسيتى مفرطة جدا

أريد أن أعطى العالم إلى إله آخر

اريد ان اخلق إله آخر ولكن غرورى يمنع ذلك

فى داخلى امرأة نافذة على انتباه مطر الأعماق .

أشرد كثيرا فى خيالى

نعم لدى خيال

وهناك عوالم لا أقدر على خلقها

حتى لا أنغمر بها .

أتجلى فى الحب أكثر مما اتجلى فى كتاباتى

أنا طفل هرب من ذاته إلى الإحساس” .

*

بعدما انتهيت من الكتابة لله ، بدأت فى النظر حولى ، كانت هناك ثعالب وثعابين وضفادع .. إلخ ، فى أحواض والمكان ملىء بهم وجميعهم ينظرون لى وبيض متكسر ، هناك صمت رهيب رغم أن داخلى مستعر ، تماثيل كثيرة حولى تكون دائرة وكل تمثال يمسك بلطة ، أغمضت عينى وفتحتها ، كان الكون ساكن كله لا يتحرك واستيقظت بعد أن غفوت للحظات ، رأيت نفسى دبرى مغلق وقضيبى مقطوع وهناك نور يخرج من فمى ، كل ما أفتحه ينزل دم ، وكأن المكان وجود بجوار وجود ، كل منهم له جدران وسقف مغلق والجدران من زجاج .هناك شخص فى كل وجود ، نور عظيم يأكل كل من فى المكان . ذهبت إلى جدار لوجود بجوار وجودى ، أحدا شبهى يضرب رأسه فى الزجاج لكى يعبر لى ، وجثث الظلام ، ظلام متكون مجثث ، فى لحظة كل الجدران تكسرت وكنا نجرى بسرعة جدا نحن من فى كل وجود نحو نقطة بنفس السرعة حتى التقينا كلنا فى نفس الوقت معا وتوحدنا .

أغمضت عينى وفتحتها كان هناك حشد كبير فى المكان ، كلما نظرت فى ناحية أجد أناسا يمشون ناحية ضوء عظيم جدا ومرأة كانت تمشى بالعكس وأنا كنت أمشى ناحيتها وأنظر إلى الخلف لكى أراها ، كانت عرِقة جدا وكانوا يؤذدونى ويؤذوها. بعد ذلك خرج لسان من الهوة وأخذ كل الناس من حولها والناس تجرى ناحيته ، وصلت أمام هوة الظلام فى الناحية الأخرى ولكنها كانت خائفة جدا أن تدخلها وخرج من فمها ورق مكتوب عليه كلمات كثيرة بحروف غريبة وكلمات لى . كانت الحروف تنزل من جسدها على الأرض ، حروف عظيمة جدا . خلصت الناس وبدأت تقترب هوة النور منيّ أنا وهي فأمسكت يدي وأعطيت ظهرها للنور وأنا كنت أنظر للنور بدون خوف فاحتضنتنى وبعد ذلك لما اقتربت هاوية الضوء اختفت وأنا انسحقت بين هاوية النور وهاوية الضوء بدون أن أدخل أي منهما .

ظهرت إلي من بعيد .كنت أراقبها وهى قادمة بسرعة شديدة ، فوصلت إليّ أمامى وبدأت فى الحديث

قالت : بحثت عنك كثيرا فى هذا الوجود لم أجدك فدخلت إلى وجود آخر وها أنا وجدتك

لم أكن أعرف أنى انتقلت إلى وجود آخر ولكن لم يكن الأمر ذا بالا بالنسبة لى .

قلت لها : صدفة هائلة بها فوضى كثيرة بينى وبينك ، صدفة عبثية إلهية ، تواصل بين شىء بعيد بك وشىء بعيد بى ، أنت لا تعرفيه وأنا لا أعرفه ، شىء أكبر أن ندركه ونعيه ولكننا نفهمه

فقالت : الأمر هو أننا استطعنا أن نمسك هذه الصدفة بمخيلتنا ، فصعب جدا امساك الصدفة ، ممكن أنت مدرَك نفسى هائل عندى ، وجدته على طريق مهجور كامن فى المخيلة

: فعلا ، التواصل الحقيقي بينى وبينكِ فى مخيلاتنا ، تعالى على الواقع ، على الموجود ، أنت لديكِ كون فى مخيلتى ، تخيلى الروح قارورة وفوقها صنية هى المخيلة

فقالت : أتخيل ذلك دوما ولكنى لا أجد هذه الصنية مملوءة إلا بالجنس

: الآن أريد أن أدمر كل شىء وليست رغبة بل إرادة ، كل شىء داخلى وكل شىء خارجى والانتحار لن يفى بذلك ، سأذهب إلى حيوة أخرى وأبدأ فى التمرد والتجرد وبعد ذلك أنتحر ، اللامحدود واللانهائي والأبدي ينحسر بى طوال الوقت ، أفقد مطلقى

: لا تقدر على هذا الكشف ، الوجود ينطمس داخلك والعدم يتشاجر معه ، تريد العودة دائما للعدم لأنه ينفى وعيك ولا يدخلك إلى اللاوعي حتى

: كل شىء بى يريد الفناء ، أشعر بالشىء وتاريخه ، لا أعلم ، هل هذا من الشعر الذى يجعلنى أحل آنيا فى اللاوجود ولاانيا فى الوجود .

بدأت هى من الخروج من دمعتى السوداء الان واختفت من جوارى ولكنها خرجت مهلهلة تضحك وترقص وقالت لى : أحب أن أخرج منك ، أنت تشبه الدرب ، الدرب الوحيد فى الروح ، أستطيع الوصول إليك من كل شىء بى ، ضمادة خيالية لألمى ، منادِ على الله فى وجدانى ، ثقب منحسر باللانهائي في ، كأنك تاريخ غربتى .

لا أعرف هل أحبها أم لا ،أنا أخاف من الحب جدا ، بسبب خوفى من التعرف عليّ في الاخر وهذا بسبب احتمالية معرفة ضوئى وظلامى الذى لا أعرفه ، لهذا لا اتعمق فى العلاقات الإنسانية ، كلما أوغلت أكثر فى الإنسان الذى داخلى أو في الإنسان فى الآخر كلما أصابنى حزن شديد لأنى أكتشف جهله وبشاعته وخوفه ، ولكنى أعرف بواطن الناس بسرعة واهرب إلى عزلتى التى لا أحب أن يشاركنى أي شىء أو أي احد أي شيء بها ، عزلتى من ممتلكاتى الخاصة وحالتى النفسية من امتلاكى وليست رهنا للظروف الخارجية بل رهنا للظروف  الداخلية وتفاعل المعانى مع اللامعانى داخلى .

نمت بعضا من الوقت حلمت فيها بأحلام كثيرة ، هل كل شىء هو من اللاوعي ، كل الابداع وكل الخيالات وكل الكلمات ، استيقظت وجدتها لازالت أمامى ، قصصت الأحلام التى رأيتها عليها ..

الحلم الأول :

كنا على مسرح مهجور ومدمَر ولا يوجد أحدا يشاهدنا وأنتِ كنتِ ممسكة بطفل يبكى وأنا أمامكِ وتقولى أنه طفلكِ ولكن لا تعرفى من أبيه ، وشفتاكِ كانت تهتز بشدة وجسدكِ يرتعد وكلما اقتربت منكِ يتلاشى جزءا من الطفل وأنت تقولى لى ابتعد لكى لا ينتهى ، فقلت لكِ سأقتله أنا ، فقلتِ لا ، وأنتِ ترجعى للوراء وأنا أقترب فيفنى جزءا منه وأردتِ الهرب فتكونت جدرانا حولنا فجأة وأنتِ تبكى وأنا أقترب وقتلته ، فتعالت صرخة فى المكان وتدمرت الجدران التى تكونت وأغمى عليكِ .

الحلم الثاني :

كنا نسير فى موكب من البشرية كلها كأنه صراط ولكن لا توجد نهايته فى المدى  وكلنا عرايا وهناك صوت رهيب ينادى لا تنظروا ورائكم . صراخ شديد فى أذني ينبعث من الداخل . أناس تقع وصوت صراخ يتعالى فى لحظة ويختفى فى لحظة كأن شيئا يختطفهم ، ظله يظهر أمامنا والأرض كلها مليئة بالدماء وأنا أنظر للخلف وأنت تقولى لا تنظر وتعدلى رأسى وأنا أريد النظر وأنا ممسك يدكِ واقتربت منكِ فشعرت بأن روحى فعليا انسحبت من كل جسدى وتجمعت فى شفتي وفجأة تفسخ جسدكِ إلى تراب قبل أن أقبلكِ واختفى الجميع وتوقف الصوت ، كأن الزمن اُعدم وتلوى المكان ( لا اعرف كيف اصف ) ، وطٌبق هكذا ودخل إلى جسدى .

الحلم الثالث :

عتمة تنمو فى المرآة ، تتقافز فى الرؤية وتلف جسدى على شكل ثعبان كأنه خرطوم أسود من الدخان ولكنه مربوط بالمرآة  فيظهر وجهك فى المرآة ولكن عينكِ اليمنى واليسرى بهما سيوخ من فضة طوال وعليهما حروف متجاورة أحيانا تتحد وأحيانا لا . والحروف بقدمين رفيعة جدا يبدءوا فى فك هذا الخرطوم ويستحيلوا عكاكيز لى لأنى كنت أهم بالوقوع على الارض .

الحلم الرابع :

كنا واقفين فى المنتصف  وأنا وأنتِ فى جسد مشترك ولكن الجسد مسدودة شقوقه وهناك نور يهبط من فمكِ ومن فمى . ووجهانا متقابلان هكذا ونقف على دائرة من الزجاج ولكن هناك فى كل ناحية ظلال لشخص تملأ الدائرة  ولا يوجد أحد فى المكان .

الحلم الخامس :

كنت جالس على نهر فى الليل ولا يوجد أي أحد فى المكان وقدماي فى الماء . انفتحت رأسى من أعلى وانسدل ما بها وتمدد على سطح الماء فى كل الاتجاهات وأنا فى منتصف الدائرة وكل لحظة تتسع أكثر وتهبط أشياء كثيرة أبصرها لأول مرة ولكنكِ كنتِ منتشرة جدا ، ربما لأنكِ فى مخيلتي وذهنى ووجدانى وجسدى ولاوعيي ولاشعوري ، ليتكِ تصدقى أنك تحيي فعلا فعليا بى .

الحلم السادس :

رُميت على الارض من هوة من أعلى وورائى سور عظيم وأمامى جدران من ضوء على اليمين واليسار عندما بدأت بالمشي فى الممشى بينهم ، نظرت على يمينى وجدت كلمات غير مفهومة مرسومة بكل الالوان على الجدران وعلى اليسار كذلك ، كنتِ فى آخر الممشى ولكن بجسد عظيم وتبدين واضحة جدا ، فجريت إليكِ فبدأت الجدران من اليمين واليسار إلى الاقتراب من بعضها وسدت الطريق عليّ وعندما بدأت فى الصراخ سقطت الكلمات التى على الجدران على الارض كأنها ديدان تتحرك وبدأت فى الصراخ معي ولكن الجدران رفيعة جدا دخلت فيّ وقطعتنى إلى شرائح .

الحلم السابع :

أنا وأنتِ واقفين عرايا أمام بعض وهناك مجموعة من الاشباح حولنا ، دوائر لا نهاية منهم ونحن فى وسطهم وهناك من السماء دوائر أيضا من أشباح ولكن مقلوبين ورؤوسهم تشكل دائرة ووراء الدائرة الاولى دوائر أخرى كثيرة .

الحلم الثامن :

أرض عليها سمان ولقالق وحمام ونوارس مقيدة أرجله ومذبوحين وأنا وأنتِ مقيدة أرجلنا وأيدينا ومذبوحين .

الحلم التاسع :

درّاستين ( درّاسة القمح ) فى أرض مليئة بالقش ونحن ندرس فيها مصاحف وأناجيل وتوراة وزبور ويخرج من الناحية الأخرى ورق متفتفت ودم .

الحلم العاشر ك:

كنت ألبس فستان امرأة وحجاب ولكن القماش عل نهديّ مقطوع بحيث يظهروا والقماش على خاصرتي وقضيبى مقطوع أيضا حيث يظهروا وباقى جسدى مخفي تحت القماش وأنتِ كذلك أيضا ومارسنا السحاق .

عندها لا أعرف ماذا حدث ؟ ، اختفت ، وصرت أرتعد من المجازات المسجونة فى اللغة  التى تحتاج إلى رحمة الولادة التى ليس لها بداية  ليتنى هنا فى أي هنا ممكن .

المشاعر صوت خفيض وصورة فى المخيلة ، عندما أشعر بأي شىء ، أسمع صوتا وأرى صورة وعندما أشعر بوحدة يأتى الصوت صراخ والصورة تجريدية كما الآن ، اللوحات التجريدية ترتسم فى مخيلتى بدون توقف .

وقفت على قبة وبدأت فى الصراخ ، امتدت أصابعى كثيرا وطول شعرى واتسعت عيونى وكان المدى ملىء بالجثث التى لا تسقط على الارض بل مسجاة هكذا فى الهواء ، جثث كثيرة . حولهم أناس تركب ضوءا ، ربما هم الحراس ، كنت أنا من طينة أخرى وهى من طينة أخرى والجثث من طينة أخرى والذين يركبون الضوء من طينة أخرى ، فى الوجود الواحد أكثر من صنف ، كنت أصرخ فيخرج من فمى شعاعات من النار تمتد بعيدا ، لا أعرف هل كنت أصرخ لأنها قد ذهبت ، بدأت فى توجيه رأسى للاعلى وتصويب الشعاع على الكائن الذى يركب الضوء ، سقط منهم واحدا فذهبت بسرعة إليه ، وجهه يشبه وجه قطة ، نصف جسده أبيض ونصف جسده أسود وله عيون كثيرة ولكن ليس له أيادى ووجهه مشوه ، شفتاه متدليتان كثيرا وأذناه عظيمة ، قرون فى المسافة التى تفصل البياض عن السواد فى جسده ، قرون حادة ، اقتربت منه وكان ينظر لى فى عيونى بكل أعينه ، كنت متردد ، هل أحدثه ؟ هل سيفهمنى أم لا ؟ لا لن أحدثه ، أنا لا أتصور الاخر فى وجودى وتتابعت الاسئلة عن الماهيات ، ولكن لا توجد إجابة ربما على السؤال عن الماهيات لأنى خارج اللغة وخارج حدود أى معنى ، ماذا أفعل ؟ ، لم يعد أى شىء بالنسبة لى غريبا أو شهيا .

انقسمت لحظتها إلى جثث على الأرض ، جثث لانهائية مشلولة ، فقط تفتح أعينها وتمدها لاعلى ،وفى كل بطن لجثة صليب عليه مصلوب كائن غريب تتدلى منه أكياس سوداء هى أرواح شخوصه ، كان هذا الوجود غريبا بعض الشىء حيث الماء فى الأعلى يمشى كما يمشى فى الأنهار ولا ينتهى ، كان وعيي بكل الجثث ، ظللت أنظر هكذا طويلا جدا .

الأبدي يريد أن يموت لأنه مقموع بالثبات حيث لا يوجد لديه ماوراء والإنسان لا يستطيع أن يحيا بدون مجهول ينتظره حتى وان كان يخاف منه ومقموع بالخلق لأنه لن يثيره شيئا الا الخلق فالقمع هذا أداة إنتاج موجودة وأداة إدراك لكثير ممن هم مشتركين معه فى القمع فأحيانا لا يعرف الإنسان أنه مقموع الا أن أدرك أحدا حرا من نوع قمعه هذا وان لم يدرك عن طريق الآخر فما يخلقه فى مخيلته من شخص حر يجعله يدرك الحر أيضا .

أفرح دائما بالمخاوف الجديدة التى أشعر بها مع الوقت لأنها تجعلنى اعرف الكثير من الأشياء لأن الخائف ليس له عمل سوى التأمل فى هذا الذى يخيفه ويذهب تخييليا إلى شعوره بالكثير من الصور الغريبة التى هى صور لمخاوفه الذى يتشكل داخله رعبا ولكنه أن استمر وقتا فى التأمل فى الخوف ممكن تصيبه لامبالاة رهيبة تجعله لا يخاف مما كان يخاف منه سابقا وبدون الخوف لا نستطيع إدراك غالبية المعرفة .

ذهبت للمقهى وأنا أفكر في أن الأحداث البسيطة للمنعزلين تحدث جلبة عظيمة

داخل حيواتهم .

نادى علي أحدهم للعب كرة القدم ، لم أكن أريد ولكنى ذهبت على أية حال

،أفعال عبثية فكل ما أفعله  لا أريد أن أفعله وكل ما لا أفعله أحب أن أقوم

به فهذه مأساة الوجود كله . ربما لكى أخرج من قوقعتى و أزور عالم آخر .

لم أكن أحبذ الرياضة أبدا لأنها تجعل الجسم جيدا ، لأنى دائما كنت أريد

التدمر لا أن أبنى جسدى .

كنت مع ذلك ماهر فى كرة القدم جدا مما يثير استغرابى ، كيف كنت ألعب

طوال الوقت خلال مدة أول 15 سنة من حياتى كل يوم ولم أكن أقرأ ؟ ،

كنت ألعب طوال الوقت ، ربما لأن أحد لم يهدينى إلى القراءة ، كل الذى

اهتديت إليه أنا الذى هدانى . أحيانا يكون اللامعلم أفضل من اتباع شخص

حتى ولو كان على قدر عالى من الثقافة ، لم أكن أريد أن أكون مثقفا فأنا

لا أحب إلا الأدب والفلسفة وعلم النفس أما الطب وغيره لا  .

ذهبت ، كان الملعب قريب من البيت ، 15 دقيقة ربما مشيا ، كنت أحب

التمشى ، التمشى يجعلنى أفكر بشكل أفضل ، كما أنه يجعل الفكرة تزور

أرجائى كلها .

قسّمت الفرق ، اخترت من يلعبون معى ومن يلعبون ضدى . دائما كنت

أختار أكثر الناس إجادة للكرة ضدى لكى أعلو أمامهم ، لم أكن أكترث

للفوز أو الخسارة .

لعبنا لمدة عشرين دقيقة ولكن الكرة قفزت فى مبنى كبير خلف الملعب بعد

أن تجاوزت الشِبَاك العالى ، أنا من ضربها لهذا أنا من سيحضرها ولكن

هناك كلب أسود كبير مفكوك يحرس المكان مما استدعى قهقهات كل من

يلعبوا لأنى أنا من سيحضرها ، لم أفكر فى هذا ، صعدت على السور

ووجدته منتظرنى أسفل السور بعد أن نططت ، لم أكن خائف أكثر مما كان

الكلب خائف ، فأخذت الكرة وهو يتمشى معى أمامى وينظر فى عينى ،

كلب أسود عادى برأس كبير وشعر كبير وطوق واسع مما يأتون فى

الأحلام ليخيفوا النائمين .

لم تثرنى قهقهاتهم ولم يخيفنى خوفهم ، كنت أشعر بسلام كبير وأنا أصعد

السور .

أخذت الكرة بحذر وهو لازال ينبح وضربتها عاليا حتى وصلت إليهم ،

هناك أحدهم واقف على السور فى الناحية الأخرى .وأنا أطلع السور

الكلب ينبح بشدة حتى تغيرت نظرتى ولا أعرف ماذا حدث برأسى ؟ ،

عدت سريعا إلى الكلب بالضرب ، هو يحاول أن ينهش رجلى وأنا أضربه

بشدة ، حتى جرى أمامى ، أردت قتله وقتلته فعلا لأنى أحسست أنه شعر

بأنى سهل المنال وخائف منه .

وقف الولد على السور الآخر مشدوها مما فعلت

ربما كنت أحب أن أقتل شىء أو شخص عندما أشعر بالسلام الداخلى .

عدت إلى المنزل هادىء بعدما فزت بقدم عليها دماء كلب ، لم يتحدث الولد

لهم بشىء ولكنه جرى عندما رآنى أنظر إليه ، كنت أشعر بسلام داخلى

يستفزنى لقتل أي شىء أو أي أحد ، كنت أشعر عندما أشعر بسلام داخلى

أنى على استعداد كبير لفعل أي شىء متطرف أو شاذ .

أقطن الشاذ والمتطرف لأن العادى من الأشياء لا يعجبنى أبدا ، العزلة

تجعلنى أتطرف فلا يوجد منعزل لا يتطرف والتطرف هو المشي فى

الطرق المسدودة إلى آخرها مع عدم تعديلها .

أريد الكتابة الآن ، يدى تحتلم باللغة ، أشعر أنى أملك كل شىء لأنى

امتلكت اللغة .

لم أكن أعرف أن أكتب كلما أردت الكتابة ، كنت أبحث طوال الوقت عن ما

يلهم ولكن أبدا لم يتزحزح اللامعنى من رأسى وله طعم كريه فى فمى .

تسأل نفسك عن كل ما فى الكون ، كل شىء فى رأسى يتصارع وفى

النهاية تحتوى الوسادة هذا الرأس المفلطح الكبير لألج فى عوالم أخرى وبها

أيضا جزء من الغموض والتعقيد ، لم أكن أضيع أي وقت فى مشاهدة

الغريب والشاذ .

بعد ما رأيته ذهبت للطبيب النفسي .كبيرا فى السن ربما سبعينى هادىء ولكنه كريه ، واثق من نفسه ، لم يبتسم إلا قليلا ، يعرف كيف يسأل ، قصير يجلس على مكتب ويعلق صوره وصور الشهادات التى حصل عليها على الحوائط  .

الطبيب : ما بك ؟

: لا شىء ، العالم فقط بى .

: كيف العالم بك ؟

: كل مشاكل العالم هى مشاكلى وكل الأسئلة التى لم تُجاوب بعد ولن

تجاوب .

:  امم

: جئت فقط لأنى لا أنام أبدا من أسبوعين وأريد النوم لأنى لا أحتمل الوقت

: الشعراء فقط العالم هو ما يهمهم ، هل تكتب الشعر ؟

: نعم

: أود أن أرى شىء

: لن تفهمه ولن يعجبك

: لماذا لن أفهمه ؟

: لأنك غير متعمق فى الشعر

: ومن قال لك هذا ؟ أعرف أمل دنقل ، كانت رائعة ،هل تكتب لناس معينة

فقط ؟ ، هذا خاطىء يجب أن تكتب للجميع

: لن أنحط لدرجة أن أكتب للقارىء العادى الذى يقرأ التفاهات ولا يريد

التفكير فى هذه الاستعارة أو هذا التشبيه ، أكتب لنفسى ، أنا أول قارىء لى

، لا يعجبنى دائما ما أكتبه ، لست مجنونا به ، وأمل دنقل رجل ليس امرأة

ناولته الهاتف ليرى ما كتبت فقرأ ” لو كانت المتاهة مرفأ

لو كان البحر سمكة

لما وقفت على جسدك

أنادى على جسدى ”

عندما قرأ “جسدك ” وجهه امتعض ولكن لم يعلق ولم يفهم شىء أيضا كما

قلت وتعصب قليلا لأنى قلت أنه لا يفهمه وهو بالطبع يجب أن يفهم كل

شىء ، لديه نرجسية كبيرة لأنه عالج آلاف المرضى بالإكتئاب وبنى

عمارات بأموال هؤلاء الفقراء .

: أنا أعتمد على الدواء بنسبة خمسين فى المائة والباقى على الكلام

ولكنى لم أكن أعرف ماذا سيقول هو فى نصف ساعة فيشفى بى كل شىء

كل شهر ، هل هو إله ؟ فحتى الآلهه لا تستطيع الإجابة على الأسئلة .

تمريض المكتئب دليل على الإنهزام العقلى أمامه وأمام تأويلاته

دائما كنت مخلصا لكآبتى جدا ، لم أخنها إلا بعض المرات القليلة التى كنت

أحاول فيها الخروج منها لا لسبب معين ولكن لأتمكن أكثر من الحياة بها

وتأكيد أنى لن أستطيع الحياة بدونها .

دائما ما كانت ترتسم على أى ورقة أكتب عليها فى رأسها رجل

munch الكئيب .

مع الوقت أصبحت أنطوى أكثر وأنكمش إلى أقصى درجة ممكنه حتى

أصبحت الآن مضغوطا إلى درجة لم أعد أستطيع بعدها أن أنضغط أكثر إلا

بقتل بعض الأشياء بى حتى تتبخر روح هذه الأشياء وتترك لى هذه

المساحة لكى أنضغط أكثر لأن هذا ما كنت أفعله دائما أنكمش فى سريرى

كجنين فى بطن أمه .” ساورتنى لوحة الآن أن أكون سائرا وهناك أحد أفقيا

منطوى ونائم لكنى لا أستطيع الرسم ”

كنت أكثر كآبة من جميع من رأيتهم وأكثرهم إخلاصا . الجميع كان كئيب

لسبب واحد ربما أما أنا كانت أسبابى كثيرة جدا وأحيانا من الممكن بدون

أى سبب لهذا أنا أكثر إخلاصا .. دائما ما يظن أن اللاسبب عبث ولكن مع

ملاحظتى الكثيرة لأرفع الأشياء فكلها بلا سبب ، فلا يوجد سبب أرفع

اللاسبب وأكثر دفعا منه لفعل أي شىء.

لم أعد أشعر بالكثير من الأشياء منذ مدة .. أمشى فى الشارع أقول لماذا لا

أشعر بأي شىء ؟ ، هذا يضايقنى ويريحنى . يضايقنى لأن إحساس أي

شعور كان جميل فى بدايته ويأخذ وقت يشغلنى فترة معينة ويجعلنى

أتشارك مع العالم ويسمح بحضور من الممكن آخرين بى كما أنه بعض

الأحاسيس تهاجم كآبتى القوية وبعضها يؤيدها فكنت أستمتع بصراع كآبتى

نسيت نفسى وأنا أتحدث هكذا ، كنت أتحدث مع ذاتى وليس معه ، نسيت أنه موجود تماما .

: تعرف العلم يدمر أثمن شىء فى الوجود ، المجهول ، لهذا أنا لا أحب العلم ، العلم سافر ، الفلسفة لا ، الفلسفة توقظ المجهول ولكن لا تكشفه ولا تهدره

: أفكارك متطرفة جدا وغريبة

: لأنى أحيا فى عزلة والعزلة تهب التطرف والغرابة

: أنا أحترم أنك تحيا فى عزلة ولكن يجب أن تتداخل مع الواقع لكى لا تجن

:الجنون ليس شىء سىء ، الجنون يحمينى من الكآبة . أعرف كيفية المشى على حواف الطريق وكيفية المشى فى منتصف الطريق وكيفية المشى ضد التيار .

: ستعانى كثيرا بأفكارك هذه وأعرف أنى لن أغير أي شىء بها لأنك لست سطحى ومدعى ، أنا أتقبلك ولكن لا أتقبل كل أفكارك ، أنت تبول على كل شىء وهذا سىء جدا على النفس .

: أحب أن أبول وأبرز على كل شىء .

ساد صمت لدقائق بيننا ، كنت شاردا فى عالم خيالى

: أنت أغرب شخصية أتت لى ولكنك لست مريض ، لا يجب أن تُعالج من أفكارك هذه ولا يعالج باقى العالم من التفاهه الكبيرة  .

: الفرق بين الإنسان العادى والآلى التمرد فقط

ساد صمت لدقيقة وبعدها قلت : أنا أصرخ بالأسماء فى الشوارع بنيتشه والمقربين

: أعرف أن كونك أغرب شخصية لا يهمك ولا تكترث له أو بغيرى ، ربما تسبنى فى ذاتك .

: نعم أسب الجميع فى خيالى ولا أريد أيضا الحديث مع أحد لأن هذا يودى بى إلى معرفة الشخصية التى أمامى وغالبا تكون تافهه ، سأبتعد أكثر عن العالم ، أنا مللت ، سأرحل

: حسنا ، لا أعرف هل ستأتى ثانية أم لا

ابتسم ونظر لى وقال : أتمنى أن نتحدث ثانية

كتب الروشته فأخذتها ورحلت بدون قول شىء .

ساورتنى رغبة رهيبة فى التعرى تماما ، سكينة العري اللانهائية التى تسبغ على المتعرى والذى يراه ، أكتب أفضل الكلمات وأنا عارى ، وأفهم بسرعة كبيرة ما اقرأه ، ففعل السكر والصراخ والعري والخلق،  لهم مميزات كثيرة وأهمهم الثقة التى يشعر بها من يقوم بالفعل   .

أصبحت لا أكل كثيرا هذه الأيام ، لا أتذكر حتى ولكن يجب أن آكل بسبب المنومات التى أخذها ، شعرى لم أقصه من ستة أشهر وأظافرى لم أقصها منذ زمن كبير ، من يرانى يقول شحاذ بمستوى أعلى .

سمعت صراخ وأنا فى الغرفة ، قريب جدا هو لأختى ، كانت تصرخ باسم ابن عمى وتقول ” لا ، لا تلمسنى ” ، أسرعت لأوقظها ولكنى رجعت مرة أخرى لأن هذا هو السيناريو القادم ، فأبى يريدها أن تتزوج من ابن عمى ذا39 عام ، أبى مصر على هذا مع أنها لم تتعدى السادسة عشر ، بالطبع لست موافقا ولكن ماذا أفعل ؟ ، سأتشاجر بالتأكيد مع أبى ، كان كريه ومتسلط وفرعوني على جميع من فى البيت ولكنى هربت من تحت سلطته كثيرا ولن أرضخ له ، الآباء جميعهم كريهون ، التحرر الحقيقى هو التحرر من الأفكار الوراثية ومن العائلة .

عدت حزينا إلى سريرى ونمت فى دموعى كطفل صغير .استيقظت مبكرا ، وحدث ما يحدث كل يوم ، أن أول فكره تأتى لرأسى هى الإنتحار ، لماذا لازلت هنا ؟ ، طعم اللامعنى كريه جدا فى الفم واللاجدوى لاذعة ، أريد أن أتكيف معهم ولكن لا أعرف كيف ، إما أن أتوقف عن الشعور تماما وأصبح لامبالى بكل شىء وإما أن أترك كل هذه الأفكار والفلسفة وأكون تافه لا أساوى أي شىء وأحنى رأسى للمجتمع العداونى .

لدي نرجسية كبيرة وزودتها الكتابة والخلق ، فهمت لما الله مغرور هكذا ؟ بسبب الخلق .

لم أكن أبدا أتخيل أن أكتب ، لم أكن أعرف هذا العالم ، لأنى سابقا لم أقرأ ولا رواية ولا كتاب إلا كتب المستشرقين والرد عليهم لأنهم كانوا يسئلوا نفس أسئلتى .

كنت قلق جدا ولا أجد ما أفعله لكى أبتعد عن هذا الشعور بالعجز وضعف الحيلة ، فاستمنيت لكى أشعر بالنشوة .

انتشيت للحظات فقمت لأكتب وهذه الحالة تأتينى كثيرا ، أكتب بدون أن أشعر وأنظر للنص بعد أن أنتهى أنه ليس نصى وأنى لم أكتبه .

 

تهت بين كلماتى ومحاولة تصفيفها .

أهدم ذاتى وأبنيها مع كل فكرة

وأخلخلها وأستبيح اللغة الديجور وأجهر بذلك .

لا اتذكر أشباحى كثيرا لأنهم يحيون معى

لدي الكثير من الأشباح المكسرة .

لا أستقر فى ذاتى فأنا دائم التنقل بين حيواتى وشخوصى وعروشى الممزقة وأنواتى الرؤيوية .

جمجمتى أتخيلها جاحظة من رأسى وقلبى أيضا .

ذاكرتى مليئة بالكثير من الصور السريالية .

مرة رأيت وجهى على الأرض وأنا أمد يدى كأنى أريد أن أمسكنى وكنت ملطخ بالدماء .

ارتعبت من الصورة ووقعت على الأرض متقهقرا وتعرقت بشدة .

تنسكب اللغة بى كما تنسكب حرافيش الضوء فى الليل .

أركض فى دبر مخيلتى .

قد فضضت دبر الكثير من الأشخاص والأشياء والأفكار .

أرسم دواخل الجسد فى خيالى وأمد أصابعى فى الورقة البيضاء.

الورقة الفارغة عزلاء وفقيرة .

أوبخها كثيرا لأنها تشبهنى .

حقا أريد أن أرسم .

اللغة المقهورة تتسع و تضيق مع الوقت

تتشقق

الورقة وقلمى يفضلون الشعر على كل الأجناس الأدبية الأخرى

الشعر يسيطر عليّ بشكل كبير

لا أستطيع أن أكتب غيره

يستحيل كل شىء أكتبه إلى الشعر .

المفاوز بلانوافذ والشعر أيضا بلا أستار ولا شرفات .

مناقب التوحد تغوص فى التوجس .

أتخاصر مع السحاب الجاثم فى استخارة العش .

ليس لدي عش ولا قوقعة ولا شرنقة .

أشكو من حوافر اللاجدوى التى تجوع كالشمس إلى أقبية الفراغ .

أقضى الوقت بين الكلمات والموسيقى والشعر

ولكن تأتى اللاجدوى وتبعث طراوة فى رأسى فأتخدر

وتخفت رغبتى فى الحياة وأشتهى الموت .

لدي رعب دفين من كل شىء .

رعب أن أضىء نفسى بالحب خصيصا .

رعب من الإبتعاد عن نفسى وعن عزلتى .

أشعر بانفجار كونى داخلى .

كأنى كل شىء وكل أحد .

لدي التناقض كله داخلى وأجمع شرر العالم .

أتفكك كل يوم وأركب نفسى ثانية .

لا أعرف كيف أفكك نفسى ولكنى أفكنى تماما .

حتى أنى لا أشعر أنى موجود أبدا ولكنى مبقع بالكينونة .

بى زجاج كثير

أرى نفسى فيه طوال الوقت

أرى كل شىء بى وأرتعد من ذلك

بى مرايا كثيرة تمزقنى لأنى مع الوقت اجهل نفسى أكثر وأعرفها أكثر أيضا

أنا بلاجذور ولا غصون

أستحضر السجن وأكتب عنه

سروال السجن به حيوان منوى لنصل الأرض .

أحتاج إلى الجنون لكى أكتب

فالجميع يحتاج الحب وأنا أحتاج الجنون .

علمت نفسى أن أحب الجنون

أحتاج إلى جوارح الجنون وأوجهه وعيونه وكلسه وبيارقه .

أنا أنتمى للجنون أكثر مما أنتمى للعقل .

الورقة أيضا تفهم الصمت وتفهم العيون أكثر من الكلمات .

أنا ألعق الصمت والهيولي أكثر مما ألعق اللغة .

الورقة تفهم كل شىء .

بنيت عوالم كثيرة بى

أولهم عالم بنيته بذاتى المتأملة

به هناك شعراء يقتاتوا الموت وإله رحيم باللاأسوياء الفوضويين

وعصافير مكشوفة القلب ونساء حبلى بالأوطان السرية .

عزلتى من تجعلنى أخلق

عزلتى بلا جدران أو أسقف ولا يوجد عليها حراس

الموت يصرخ فى جسدى والحياة تنام فيه

البارحة لا حظت زنبقة نمت فى جسدى

جوف عالمى به أشرعة مطعونة بالضلال والتيه وكآبة دفينة محمومة بالتكوين

لا أصلى إلا لذاتى ولا أعبد إلا اللغة الحمقاء .

اللغة ليست ذكرا وليست أنثى

اللغة مخنثة

آه كم أريد أن أكون مخنثا فأحمل صفات الأنوثة والذكورة معا .

أي كينونة هذه ! .

أنا جائع جدا للفن

ألهث وراء تخاريم القصيدة

وراء برارى المعرفة

وراء كتب تنبض

وراء صدى اللوحات وتأويلها .

نفسى وراء مرارات العالم

وراء أعماق العري

وراء الروايات التى تصف الدواخل المخملية للذات

اشته الصراع أيها الإنسان فهو الذى يولد الكلمات المتجادلة

والنوافذ الباطلة والمصابيح الحية .

برأسى أيضا عناكب وفراشات

العناكب تتغرغر بالصحراء الداخلية

التى لا تهطل فيها حتى حبات الندى

والفراشات التى شربت من ينبوع العالم

دائما تخبرنى كم العالم ملوث فماتت على أرض قلبى

الكآبة تجود بالأرواح التائهة

والولادة تجود بالخاصرة

والخراب يجود بالسراب

والمخيلة تجود بالحسرة الناعسة .

وجه العدم ووجه العالم قاتمين جدا

العدم ينبح داخلى ويكتب جثة الوجود

والعالم يصمت تماما

فى رأسى غرفة مغلقة واسعة جدا

جدرانها من الحب وكل شىء بها من الخشب

أتنفس فيها بصعوبة شديدة وأجلس فيها طوال الوقت

أطارد فيها الهاوية .

الذات لا تنتهى أبدا

أتوغل فيها عنوة .

أفرح لأنى أكون أحيانا

الحب خيمة الذات

ثمة شىء يتحرك داخلى

ينتصب

يتخلق

شىء عظيم مجنون

لا أعرف كيف أسميه ولا أعرف كيف أوصفه

لا أعرف هل هو الحب أم لا ؟ !

أصبحت أكتب الشعر المعقد جدا

الذى لا يفهمه إلا من هو متمرس فى الشعر

لا احب الشعر المفهوم للعامة الركيك لغويا

أبطأت خلجة الموت واشتهيت الحياة

لأنها تلصق الكينونة بسرائر المعرفة .

لم أمدح الحياة يوما ولكنى أتقوس داخلها

الحياة بلون البنفسج

تدهن قرارة النفس

حقا لا أعرف كيف أكتب عن الحياة

حاولت كثيرا ولكنها لا توصف

ربما يجب أن أكون خارجها لكى أكتب عنها

دوما أنسلخ عن أي شىء لكى أكتب عنه

أنسلخ عن ذاتى لكى أكتب عنها

لا أستطيع الكتابة وأنا داخل نفسى

أريد الترجمة بشدة

أحفظ كلمات إنجليزية كثيرة

أريد ترجمة الشعر ،

الترجمة  فعل شيق ونادر وستقربنى أكثر من براثن اللغة

ولكن المشكلة فى ترجمة الشعر هو جر النص لنفسية المترجم

كما أن ترجمة الشعر تحتاج إلى شاعر

لأن الحالات النفسية للشاعر نادرة ونفيسة ومتفردة

ولا يشعر بها المترجم العادى

المشكلة أنى سأشد النص الذى أترجمه لى .

عقلى كان فارغ من كل شىء ولامبالى ، لم أستطع أن أخط حرف واحد وهذا يضايقنى لأن الكتابة لا تسعفنى عندما أكون مشتتا وقلقا وحزينا .

ولكنى فكرت فى الكتابة الآن أنها كل شىء بالنسبة لى وما يربطنى بالعالم فقط ، ولماذا أقدرها وأتأمل بها معنى مع أنها هى الأخرى ككل شىء يسقط فى اللامعنى .

بعضهم يحقر من أمر الكتابة لأنها لا تغير المجتمعات ولكنها تغير كاتبها أكثر ، لا أكتب لأغير العالم ، أكتب لأغير نفسى ، كنت أشعر بالنضج مع الوقت ، آلامى تفى بهذا ، النار موجهه إلي طوال الوقت ، النار أكلت البديهيات والآن أنا فى كلس وهذا الكلس يذوب الآن وقريبا سيصطدم باطنى بالنار والرياح .

ذهبت للطبيب بعد يومين لأنى لا  أستطيع أن أبول وكان هذا من الأعراض الجانبية لدواء هو وصفه فألغاه وكتب آخر ،خرجت من عند الدكتور بعد أن تلاقيت عيونى مع امرأة فى عيادة الدكتور ، لا أعرف هل هى من جاءت تكشف أم أنها آتية مع أحد آخر؟ ، عندما خرجت أومات لها بعيونى على الأسانسير فركبته معى وظللنا فيه بعض الوقت ، نصعد ونهبط حتى قبلتها وأخذت هاتفها لأكلمها بعد بضع ساعات لأنها تريدينى وتريد أن تعرفنى .

انتظرت هذه الساعات فى  القهوة أسفل الدكتور ، شربت 10 أحجار شيشة حتى نامت رئتى .

اتصلت الآن وحددت المكان الذى سأذهب إليه ، لها شقة بعيدا عن زوجها ، شقة أبيها وأمها ، انتظرت حتى طلعت وطلعت أنا وراءها .

جلسنا فى الصالة بعذرية شديدة ، تحدثنا عن تعريفاتنا ، الإسم والعنوان والعمل وكل شىء .

بادرت : كنت أنتظرك طوال الوقت ، كنت أنتظر هذا الذى يفهم عيونى ويقدرنى ، أنا بحاجه إلى علاقة محرمة جدا لكى أستطيع التواصل ، قد أغرانى كثيرا من قبل ولكنى لم أوافق ، لا أتحدث عن الجنس ، الجنس فرع فقط ، أول مرة أحد ينظر لعيونى بهذه الطريقة والاهتمام ، حتى زوجى لم يفعلها عندما كنا نحب بعض ، إظهار حبه يقول أنه بالجنس فقط ولا يوجد أي شىء آخر ، أنا أفعل هذا بكامل قواي العقلية وإن كنت وأنا متأكدة أنى سأكرهك سريعا جدا فوق ما تتخيل .

 

: هل ستحبين الأمر إن تزوجنا ؟

: لا

: ربما لن أحبه إن لم يكن محرما ،أشعر ببعض التميز كونك تخونى زوجك

معى ، أحتاج إلى هذا ، ربما لا يوجد شعور اغراء من أن يخون أحد معك

وهذا ما لدى العاهرة طوال الوقت لأن هذا يعنى أن لدي شىء ليس عند أي

أحد آخر .

: أنا أيضا أحتاج إلى أن أخون ، أحتاج أيضا إلى أن أشعر أن أحد ما يهتم

بى خارج إطار الزواج والواجب ، أحيانا أريد أن أقول لزوجى أن يخوننى

مع أحد آخر وأن هذا عادى بالنسبة لى ، إن لم يكن يفعل أو ربما يجب أن

أتحدث مع أحد خارج الزواج على أننى امرأة أخرى لكى يخوننى معى أو

نلتقى مجددا مرة أخرى ، خارج المدينة وخارج كل شىء ونبدأ علاقتنا من

جديد ، نعم ، ربما أحتاج إلى بداية جديدة ، الخيانة ربما علاقة صحية

لاستمرارا زواجنا .

: المرة الفائتة نسيت دبلتى بك .

: أنا أكرهك جدا .

: وأنا أيضا .

فتركتنى وأخذت تنظر فى أفقها شاردة : أتأمل كيف أحببتك جدا وكرهتك

جدا .

: تستطيعى أن تحبى أى أحد بسهولة كبيرة لتنامى معه وتستطيعى أن تحبى

أحد بسهولة كبيرة ولكنكِ لا تستطيعى أن تكرهى أحد بسهولة كبيرة

: أنا انتهيت من البحث عن علل الأشياء ، بعض الأشياء بدون علل ولا

يجب أن تكون لها علل ولا أهداف ، اللامنطقية فى الحب أكبر بكثير من

اللامنطقية فى أي شىء آخر ، هكذا ولدت هكذا سأموت .

: انتظرت كثيرا أن تأت لى فى يوم وتقولى لى أنا انتهيت من حبك .

: أنا انتظرت كثيرا أن تأت لى فى يوم وتقولى لى أنا انتهيت من كراهيتك

: الكراهية تربط أيضا ، ربما سبب قوى أن أنام معك ، أن أكرهك .

: حاولت كثيرا أن أرفض عندما تدعونى للفراش ولكنى فى كل مرة أخاف

جدا عندما أفكر بهذه الطريقة ، لا أعرف مما كنت أخاف وأقصد أنك

ستقولى أي شىء ولكن أخاف أن توجد فى وقتى ولو حتى بجزء بسيط .

: ربما ، ليست خيانة ، الحب يعطينى الحق بك أكثر مما يعطى الزواج

الحق بكِ

: ولكنك لا تحبينى ؟ .

صمت جدا ولكنى لأول مرة لا أجد ما أقوله وأول مرة أقف أمام هذا الذى

بدى لى عنيد وأنا لا أقدر أن أفعل أي شىء أمامه ، ربما أول مرة أرى كل

شىء والرؤية الكبيرة تشل كل شىء بى .

فبدأت ثانية وقالت : لم أشعر بهذا الخوف أو ما يسمى خيانة وأنا معك ، لم

يساورنى أبدا إحساس الخطيئة والإثم .

: هذا ما يجعلك فقط فى قدر الالهه عندى فلا أشك أبدا أنك إله .

: وأنا لا أشك أبدا أنك من خلقت الله .

صمتنا فترة وجيزة جدا ، ربما لهول ما قالته وكنت كلما لا أعرف ماذا

أقول أتحدث عن الله والعاهرات .

: من لا يعرف عاهرة ، لا يعرف أي شىء

: لماذا دائما تتحدث عن العاهرات بهذه الطريقة الجليلة مع أنها عاهرة ، لا

أعرف ماذا أقول ؟ .

: لأن العاهرة على عكس الجميع تجهر بما تفعله وهذا يعد خطيئة بالنسبة

للجميع فهى من كثرة تقديسها لجسدها ، لم تعد تعترف به إلا كآلة أحيانا

ولكن على العكس المتداول فالعاهرة تشعر بصدق الرجال بطريقة سريعة

جدا وتفهم وتتقبل أكثر من أى أحد آخر ، مرة قالت لى إحداهن أنها كانت

تنام مع ما يسمى بالعسكرى والثورى والدينى ، كانت تعرفهم من طريقة

ممارسة الجنس معها ، فالعسكري يتملك جسدها ولا يعطى القيادة لها

ويحاول تعذيبها دائما ، الدينى كان يأكل جسدها ويفترسه كما يفعل

الحيوانات ، الثورى كان يعطيها القيادة وربما بالتبادل ويسمح لها بالسيطرة

على الجنس كله .

مرة ذهبت لها كان الثلاثة موجودين أحدهم على سلم الدور الثالث وهو

العسكرى والطابق الثانى عل سلمه الدينى والطابق الأول به الثورى وأنا

كنت فى الشارع أتفرج عليهم .

: لا يوجد أزخم من حياة عاهرة أربعينية .

: لديهم حكايات رهيبة أعترف ، فالرجل يقول لها كل شىء قبل الجنس ،

يسدل إدراكه عن فمه ويبدأ بقول كل الأسرار الممكنة ولا يستطيع أحد أن

يقمع فمه .

: ربما من كثرة ما سمعت وعرفت ، فتقبل كل أحد غريب أو مجنون

فالاطلاع يقلل مساحة المحرم والغريب والمجنون .

:ربما لأنها تحب ما تفعله ولكنى أعرف هل يستحق الأمر كل هذا ؟ فماذا

يوجد فى أن تضحى بجسدها كل ليلة لأحد مختلف لأنه لا يوجد أحد مختلف

، هى تضحى بجسدها من أجل الرجل أيا كان هو وأعتقد أنها لن تثار بعد

شهر من هذا الأمر .

: نعم ظنك صحيح ، لهذا ستبحث عن الجنس الغريب والمجنون ، الذى لا

يمتلكه إلا المجنون والغريب . كأن يعض رقبتها وتبدأ فى ولوج أماكن

غريبة من لذتها وجسدها .

: أنت تمتلك هذه الخصوصية فى الجنس ، أقصد الجنس الغريب ، خارج

الجنس المألوف .

:هذا لا يُعلم ولا يُرى بل يحس ، تؤدى الأعضاء وظائف مختلفة غير التى

خصصت لها .

لم أكن أستطيع أن أركز فى فكره واحدة لكى أتحدث بها فقد كنت أقفز من

فكره لفكره ولا أعرف هذا من الآثار الجانبية للتيه أم لا ؟ .

قلت فجأة : جميعنا لدينا طاقة مأهول لحب شىء واحد فقط وقد تكون هذه

هو شخص أو فكره ولكنها واحدة ، فكره واحدة ، شخص واحد ، نستهلك

كل الطاقة التى أظنها عند الجميع ولكنها طاقة مأهولة واحدة فقط .

: ربما هذه الطاقة أنى أكرهك جدا .

: حكيت لكِ الكثير عنكِ وحكيت أقل عنى ، ربما لأنى لم أعتد بى موجودا

أبدا .

: هل تشعر فعلا أنك غير موجود ؟ .

: نعم .

: هل تشعرى فعلا أنكِ موجودة ؟ .

: نعم .

: مللت الحياة كالماء والدخان ، ربما يجب أن أحيا كالحديد ، كلى صلب ،

كل ما أستطيع فعله هو أن أكون وحيد ، فى الوحده أحافظ على عدم

كينونتى .

قمت بسرعة ألبس ملابسى ، هى كانت نائمة عارية ، جسد أربعينى شهى

به جموح رهيب ولا أعرف لما كنت منشغل؟ ،على أن أقوم سريعا وأخبرتها أن تتوقف عن التبرج فقد كانت تحرك قدمها ليظهر مكمنها ويختفى ، قد مارست الجنس مع الكثير ولكنى أبدا لم أنسى الجنس معها فكل ما كانت تقمعه مع زوجها ، كانت تفعله معى ، الغريب أننا نمارس الجنس منذ مدة ولكن ولا مرة قبلتها من فمها .

ممارسة الجنس مع من لا نحبهم يزود الكبت الجنسى عندنا .

الجنس كان يذبح اللاجدوى الفكرية ولو قليلا وعندها أيقنت أن للاستمرار

فى الحياة يجب أن أحيا دائما فى نشوة ، سواء كانت نشوة جسدية أو روحية

أو فكرية .

علاقاتى جميعها مدمرة إلا مع الله والعاهرات .

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب السعيد عبد الغني

السعيد عبد الغني

شاعر مصري وقاص فقط لا شىء آخر

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: