الروهينغا و كشف الشموليات العقائدية

img
الروهينغا و كشف الشموليات العقائدية.
سنحاول من خلال هذا المقال أن نتبين ردود الفعل التي ميزت فئات واسعة من المدارس الفكرية المتباينة حول ما يحدث (أو هكذا يبدو على حسب المتداول إعلاميا) و سنحاول التركيز على الثنائيات الكلاسيكية التي تقوم على ثنائية حدية “مع/ضد” أي دون التركيز مع المواقف النقدية الرصينة التي تحاول التقصي و التحقق قبل إصدار الأحكام و المواقف..ولن نناقش هنا صحة أو خطأ الأخبار و الصور المتداولة و الأبعاد الإستراتيجية لما يحدث (هناك من يدعي ان ما يحدث له علاقة بإحداث مركز صراع ديني و طائفي محاذ للصين برعاية أمريكية سعودية) أو المصالح الاقتصادية كما ذهب لذلك العديد من المحللين و الناشطين (نذكر على سبيل المثال ما كتبه حبيب حاج سالم حول مقال لساسكيا ساسن في جريدة الغارديان و الذي يشير لرغبة الشركات العبر قطرية في السيطرة على أراضي الروهينغا الغنية بالمواد الاولية)
لئن كان التباين في المواقف أمرا بديهي فإن ما نريد التركيز عليه هو الانقلاب الجذري في الأدوار الذي حدث بين مجموعتين هما بالأساس..المجموعات “اللادينية و الإلحادية” (1) على المستوى العقائدي والتي هي مجموعات صغيرة بفعل نخبوية هذا الفكر و عدم وجود مراكمة تاريخية له في مجتمعاتنا و في مقابلها المجموعات المحسوبة على الإسلام السياسي و التي عادة ما تكون هي الفئة الغالبة “كميًا” لاعتبارات متعلقة بالتغلغل الذي لا يخفى على أحد بفعل الهيمنة الإيديولوجية لهذا الفكر الذي ساد بصفة مكثفة منذ سبعينات القرن الماضي و انتصار الثورة الإسلامية في إيران و بروز البترودلار الوهابي كمحدد رئيسي للخط التحريري لأدوات الهيمنة الإيديولوجية في مصر و المغرب العربي على وجه التحديد..لكن ما يهمنا في موضوع حديثنا هنا هو الفعل الدعائي للمجموعتين و طريقة تعاملهم مع الأحداث التي توصم بالإرهابية و ما يمكن ملاحظته بفعل الاستقراء أن الفئة الأولى (المجموعات المحسوبة على التيار المناهض للدين و لكل تمظهراته خاصةً السياسية) عادة ما تسرع لادانة الإسلام و الإسلامين مع كل فعل إرهابي بصفة آلية ليسارع في التحريض و التشهير و الفضح مستعملا في ذلك تصور “إنسانوي” خارج حدود الهويات الدينية المغلقة و الإرهابية بطبعها حسب قولهم..مستدعية في ذلك ترسانة من الفلسفات المعادية لكل العصبيات الدينية و الطائفية من منطلق دعاية لعقائد (اللادينية و الالحاد) و هنا نصر على تمايز هذا الخط الفكري على “الخط العلماني أو الليبرالي الاصلاحي أو اليساري الشيوعي أو القومي البعثي او الناصري” فهو يحرض ليس على الحركات الأصولية كتعبيرات هامشية للدين الإسلامي تسعى لسلطة فحسب بل باعتبار هاته المجموعات تمثل جوهر الإسلام باعتباره جوهريا و عضويا دين عنف و قتل و سبي الخ(2)..اما الفئة الثانية اي المحسوبة على الإسلام السياسي سرعان ما تشكك في العمل الإرهابي و تعتبره “مسرحيات مخابراتية” او تستعمل آلية دفاع ثانية مثل الكليشيات الاعلامية باعتبار ان “الإرهاب لا دين له” و أن الإسلام كدين بريء من تصرفات أفراد معزولين لا يمثلون إلا أنفسهم..لكن ما يتقاسمه الاثنان أنهم يمارسان اليات الإنكار..فان كانت الفئة الثانية تمارس الإنكار من ناحية دفاعها الإيديولوجي الأعمى الدغمائي و الجازم عن “الإسلام” كجوهر نقي لا يشارك في الدنس الذي يسببه الإرهاب و كل ما يحدث هو مؤامرة تحاك خيوطها في الخفاء(3)..فإن الفئة الثانية أيضا تمارس الإنكار…فهي مثلا تنكر ما قبليا و بصورة آلية أي إمكان لاضطهاد قد يتعرض له فرد او مجموعة بسبب انتمائه لدين معين خاصة في حالتنا هاته (الإسلام) و تنكر بصفة غرائبية “إنسانيتها” و نبلها و دفاعها عن حق الحياة المقدس و الدفاع عن الإنسان مهما كان انتماؤه التي لطالما تستعملها كخلفية إيديولوجية في معركتها مع الأديان بصفة عقائدية(4) و تمظهرات العنف الديني (الإرهاب) بدرجة ثانية.
إن ما يحصل (كما سبق و قلنا لن نناقش صحة أو خطأ انه بالفعل تحصل إبادة)..يفضح الشقين معا…فالفئة الاولى تنكر من ناحية مبدئية إمكان حدوث تطهير و تسعى بكل جهدها للتشكيك في كل الروايات أو الصور المتداولة و هنا يفضح بطريقة لاوعية زيف ادعائها بانتصارها للانسان كقيمة في ذاته الذي يستوجب قبل كل شئ الإدانة أولا و من ثمة مناقشة المسائل الثانوية…و الفئة الثانية التي لطالما لعبت دور الإنكار و رفض حقيقة الإرهاب القائم على التصفية على أساس الدين و المذهب تسارع لتؤكد صدق ما يحصل لتنتصر بدافع الحمية الدينية عن الاقليات التي لطالما تم اضطهادها باسم “الأقلية” و احترام “الأغلبية” و لتتبنى بوعي او بدونه الأطروحات التي كانت ترفضها التي تقوم على أسبقية الانتماء للأفق الإنساني و المواطني قبل الانتماء الديني و من هنا وجب توضيح أن المواقف المبدئية لا تتجزأ و لا تباع في الأسواق و لا تتغير بفعل العصبية و المصلحة و نصرة الاخ ظالما او مظلوما بل هي مبادئ تؤخذ كلها أو تترك كلها و هي ليست وليدة انفعالات عاطفية عابرة بل قناعات عقلية راسخة و لعل المشترك بين الفئتين هو ان كلاهما و لو بديا في الوهلة الأولى متناقضين جذريا إلا أنهما يشتركان في جوهرانية المتاجرة بالمبدأ و التلون بما يساعد في خدمة إيديولوجيتيهما الشمولية و هذا ما يجب فضحه و التشهير به..فالفئة اللادينية و الإلحادية على الأقل في الوطن العربي لم تستوعب بعد ان جوهر العلمانية التي رسمت معالمها مع فلاسفة الأنوار و الحداثة الاوربية لا تقوم على استراتيجية نفي الدين من الحياة الفردية في علاقة الفرد مع ما يؤمن به من معتقدات و ليس الهدف منها تأسيس عقيدة إلحادية أو لادينية شمولية مفروضة بقوة الدولة بل الهدف منها حماية القرار الفردي في الإيمان من عدمه و حماية المجال العام المشترك من هيمنة عقيدة دينية أو طائفية على أخرى و بالتالي الإعلاء من الانتماء للوطن و سيادة القانون على أي انتماء آخر سواء ديني او طائفي او قبلي او عرقي..أما مجاميع الإسلام السياسي فهي ببكائها و لطمياتها على “اخوانهم” في الدين في بورما لربما يستوعبون الدرس في ان اللعب بنار الاصطفاف على أساس ديني في السياسة و تحويل أفكار الطائفة إلى إيديولوجيا شمولية قد تكوي الجميع بمن فيهم “المسلمين” و ان العلمانية من ناحية كونها اعلاء لقيمة الإنسان على الإنتماءات و الإختيارات الماقبلية حماية للفرد و لمعتقداته و لحريته في ان يعبد او لا يعبد يؤمن او لا يؤمن و أن مصطلحات الأقلية و الاغلبية على اساس عرقي او ديني ليست مبرر لممارسة فعل القمع و الاضطهاد و الاخضاع لشمولية مجموعة من القيم و المعتقدات على حساب أخرى و هانحن اليوم نرى و نسمع ما تتعرض له هاته الاقلية الدينية و العرقية و ما حدث في التاريخ من جرائم تطهير لربما يكون درس لنعي خطورة اللعب بالنار و أن نكون مبدئين في رفضنا لكل ما من شأنه أن يسحق التنوع العرقي و القبلي و الديني و الطائفي و أن نعقلن التنوع فيغدوا اختلاف سياسي على اساس برامج و استراتيجيات حكم على قاعدة المواطنة و علمانية الدولة و سيادة القانون و النضال الجماهيري الواعي و الهادف لاصلاح و تثوير الواقع من اجل مزيد من العدالة الاجتماعية و الاقتصادية و مقاومة كل اشكال الاستبداد و الاستغلال لنؤسس لمستقبل “يكون فيه الانسان اثمن رأسمال في الوجود”.


قائمة المصادر و المراجع
(1) هاته الفئة شهدت ازدهار ما بعد الانتفاضات العربية و يمكن ان نجد اطروحاتهم مع المفكر المصري “حامد عبد الصمد” و ما يقدمه الاعلامي “الأخ راشيد” على سبيل المثال و لهم تجليات سياسية ناشئة كمثال لذلك على سبيل الذكر لا الحصر “الحزب اليبرالي” في تونس.
(2) على سبيل المثال ما يقدمه حامد عبد الصمد و الدكتورة السورية وفاء سلطان و هي قرأة جوهرانية للإسلام كنص مكتمل و ثابت و بطبعه قائم على العنف و نفي الأخر.
(3) ما يقدمه الكثير من الكتاب المنتمين لحركات الإسلام السياسي و التي ترى في الإرهاب فعل غربي مؤامراتي هدفه تشويه الإسلام النقي من كل دنس و يمكن الرجوع مثلا لمقال الكاتب و الصحفي السعودي بدر الراشد في جريدة الحياة السعودية تحت عنوان “«استهداف الإسلام»
(4) يجب التأكيد على أن صراع هاته المجموعات العقائدية ليس على المستوى السياسي فهي تمارس الدعاية العقائدية المضادة كرد فعل على عقائدية الحركات الإسلاموية التي تتبنى الدعوة و الدعاية “الدعوة و التبليغ في تونس” مثلا و ليس رد فعل سياسي على الحركات السياسية كحركة النهضة في تونس.
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً