“الروح ما فيهاش” أو في نبوءة العفوية

img
“الروح ما فيهاش” أو في نبوءة العفوية
بقلم : عيّادي العامري 
ليست الأشعار والروايات والفلسلفات الكبرى التي تنهل منها البشرية حكاياتها ومجازاتها سوى تقاطع عفوي بين ضرورة ذات فردية مع حاجة ملحة لمجموعات بشرية بعينها..فلا يمكن مثلا..حسب ما سندعي أن يكون شعر شاعرٍ ما أفضل من شعر أقرانه من الذين عاصروه إلا في قدرة ذلك القول على أن يتقاطع بصورة ما مع رغبة تعتمل في نفوس قراء الشعر في زمن ما..يبدو أن أطروحتنا التي سندافع عنها ستكون هشة بنفس هشاشة الحقيقة من حيث أنها تأويل نسينا كونه كذلك لكن لا ضير في التسليم بها مبدئيا من اجل الدخول إلى خبايا التقاطع الذي “قد” يمنحنا إمكانا لفهم هذه الشعبية التي جعلت “الروح ما فيهاش” تصبح نوعا من النبوءة التي يتبناها شعب بأسره.
يقول ماركس في نقد فلسفة الحق واصفا الدين بكونه “روح لعالم بلا روح” ومن ثمة يضيف في البيان الشيوعي فيقول فيما معناه أن الرأسمالية ستفقد العالم الجوانب الروحانية فيه عبر تحويلها لسلعة تخضع لقوانين العرض والطلب فلا شيء مقدس أمام حركة التراكم التي تحكم بنية هذا النظام الاقتصادي..هذا يعني ضرب القداسة الدينية والفنية والجمالية وكل تلك القيم التي انبنت عليها أنماط العيش ما قبل الرأسمالية ويتم تعويضها بقيم الربح والخسارة والأنانية و النجاعة..وهذا التحطيم يصل لذروته حين يجعل من الجميع يدخلون في حلبة الصراع من أجل توفير الحد الأدنى من العيش حتى بأبشع الطرق التي قد تضع الحياة أصلا في موضع الخطر وهنا تكمن المفارقة..حيث من جهة يطلب منا النظام المخاطرة من اجل العيش في مخاطرة اكبر هي إمكانية فقدان الحياة أصلا..نحن اليوم أمام كل أنواع المخاطرات والمقامرات والتهديد “الوجودي والاقتصادي والقيمي” من كل ناحية في حصار لا ينفك يستمر و يتواصل في نسق جنوني قوامه..تهديدات (البطالة-قلة الأجر-الانهيار الصحي-البراكاجات-الحوادث القاتلة-التغير المناخي الخ)..إن التهديد يحف بالروح من كل حدب وصوب..وحيث تتعالى الأخطار يتعالى صوت آليات الدفاع النفسية ومحاوالات الهروب..فصديقنا الجميل عندما كان عفويا بشكل لا يصدق كان بشكل لا يصدق أيضا ذا حكمة مطلقة..حيث عبر بصدق منقطع النظير وبصيغة تهكمية عن “الكوناتيس” الخاص به أي عن تلك الرغبة الأصلية في حفظ البقاء ومواصلة العيش لكنه أكمل الحكمة السبينوزية إلى منتهاها حيث لا تريد فقط الروح البقاء ومواصلة العيش وحفظ البقاء البيولوجي للعيش إنما أيضا بقاء يحتفي بأبسط إمكانات العيش المرح حيث يرقص صديقنا و يحاول (في قلب التراجيديا والإحساس بالخوف والتهديد) التلذذ بالإمكانات المتاحة رغم ندرتها ومحدوديتها..إن صديقنا النبي الجديد للإنسان الأخير في زمن عولمية التوحش النيوليبرالي يحاول أن يقيم كوجيتو عجيبا قوامه المحافظة على الوجود بدون التنازل عن الحق الآدمي في الفرح وفي حفظ الكرامة التي تتمثل في خروج الإنسان عن قصوره المادي والتملكي إلى ثرائه ككيان قادر على افتكاك الفرح من العدم الذي تتركه الرأسمالية باعتباره ليس مصدرا مناسبا للاستثمار.
هذه الضرورة التي حبكت الحكمة تقاطعت ولا ريب مع حاجة جماعية لممارسة التهكم على الذات من حيث كونها تطلب دوما البقاء ولا تريد بأي حال أن تجازف بإمكانيات بقائها لكن أيضا وفي نفس الوقت لا تريد أن يكون هذا البقاء فاقدا لذلك البعد الطريف المتمثل في تحويل الصيغة القولية من “أنانية فجة” إلى ضرب من المرح الذي تتقاسمه كل الذواتات التي تعي جيدا أن لا احد منا يريد أن يكون دونكيشوتيا ويمضي ما تبقى له من عمر زهيد في محاربة طواحين هواء..لكن هذا الثشبث بالحياة ليس مجرد حاجة بيولوجية إنما هو بالأساس رغبة أصلية وتصور ثقافي متكامل يرى أن المقاومة في الحياة المرحة وصناعة الفرح الأرضي و ليس في الموت وفي عيش الاستلاب الذي تصوغه الايديولوجيات الانتحارية (بيمينها ويسارها) هذا ليس رفضا لفكرة التضحية إنما هو تطوير لها ناحية تأسيسها من جديد من حيث هي تضحية قوامها المحايثة الآدمية المباشرة وليست مجرد تعال سلطوي قوامه الحزب أو العشيرة أو الدين (أن نقاوم هو أن نحيا وليس أن نموت).
صديقنا هذا قد يقرأ هذه الكلمات و يقول “لم أقصد كل هذا” سأقول له تلك هي العبقرية..إنها الابنة الشرعية لتقاطع الضرورة الفردية مع الحاجة الجماعية..إنها لا تخضع لأي تخطيط مسبق إنما هي عفوية مثل فرحك الجميل وكينونتك البرية.
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: