الرقّة السوريّة ديوانُ اللهجة / خاصرةُ اللغة

img

 الرقّة السوريّة
ديوانُ اللهجة / خاصرةُ اللغة
الدكتور باسم أحمد القاسم / سوريا

 

 

تمهيد :

         هكذا و بمجازٍ خفيف الظلّ أحاول أن أكثّف الرؤيا مع الكثيرين من الغيارى والحريصين على عدم تبدّد انضباط اللغة العربية في محدّداتها (المصيريّة) أو صيانة حرم قاموسيها اللسانيّ ..

         ولا غرو إن اعتبروه مطلباً ملحّاً في خضمّ هذه الذوبانات اللسانيّة الأممية في بوتقة لغة عالميّة مهجّنة يمكن أن تيسّر لك عملية التواصل والتوصيل في تواصلاتنا الاجتماعيّة أيّاً كانت الأطراف المتواصلة على حد زعم من يروّج لها من المتزمّتين على طريقتهم في ترسيخ موضوعة “عولمة الإشارة “

         ولكن وبالعودة إلى تاريخ أقدم نجد عند العرب مخاوف مبكّرة من أن تتلقى اللغة العربية الفصحى طعنةً في خاصرتها الرخوة ألا وهي (( اللهجة )) على حدّ تعبيرهم ، وقد استشرى هذا الهم في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي موازياً لحركات النهضة العربية ومشاريع منظّريها وأعلامها فالظروف الجيوسياسية كانت مدمّرة وذات وبال على لغتنا العربيّة وربّما آثارها لاتزال حتّى اليوم ، ربّما يجد الباحث الأريب الموضوعي صوابيّة بنسبة كبيرة في مقالات وتنظيرات أعلامها ولكن لا يسعنا الخوض فيه هنا فتتكسر نصال الغيورين على تروس العلميين المحققين.

         إنّما أردت في هذه العجالة أن أسلّط الضوء على ما أعتقده حالة فريدة من نوعها تجسدت في منطقة الجزيرة الفراتيّة وعلى وجه التحديد في منطقة الرقّة السوريّة هذه الحالة الفريدة قد تجعلنا نفكّر قليلاً بأنّ ما تعامل معه اللغويون العرب في مناقشة موضوع “اللهجة “كان يعتمد على ما يشبه القاعدة الفقهيّة “ما أسكر قليله فكثيره حرام “حيث أنّ قليلاً من اللهجة في بيانك قد يودي بك إلى الكفر باللغة! فهم لا يريدون أن يميّزوا بين اللغة العربية الشفاهيّة كلسان منضبط وعريق واللغة العربيّة الفصحى المكتوبة كمصطلح حديث نهضوي إن جاز التعبير.

         في حين أننا نجد اللهجة الرقيّة كانت خزنة لسانية أمينة على تأصيل المفردة واللغة على حد سواء عند العرب الأقحاح ، وكما أنّنا لا نختلف أن الشعر العربي هو الخزنة اللسانية للغة العربية بلا منازع فكذلك سنعرض كيف أنّ شعر اللهجة الفراتية يؤمّن بنسبة مهمّة هذه الوظيفة .. سنبدأ بتدرّج تاريخي مهم يمهّد سبيلنا إلى الخلاصة

* المحور :

– إنّ اصطلاح (فصحى) لن تجده لا في الجاهلية ولا في صدر الاسلام ولا حتى في العصور الأمويّة والعبّاسية ، ببساطة ظهر في بداية القرن التاسع عشر فقد كان العرب قبل ذلك يستخدمون في تفصيلاتهم اللسانية مفردة “لهجة “فيقول العرب “لهجة قريش ولهجة قضاعة ولهجة طيء ولهجة تميم ..إلخ”كانوا يقولون “ليس أبرعُ لهجةً في الخطابة من تميم “وفي الحديث النبوي:

“ليس أصدقُ لهجةً من أبي ذر”

– إن اصطلاح (لغة) لم يتوفر في تداول فقهاء اللغة ثمّ العامّة من بعدهم إلّا في نهاية القرن الثاني الهجري، فقد كان العرب قبل هذا التاريخ حين يريدون أن يتحدثوا بمفردة تخص ما نسميه لغةً الآن كانوا يستخدمون مفردة “لسان “وهي مفردة عظيمة وهائلة انظر إلى القرآن (بلسانٍ عربيٍّ مبين) لم يقل بلغة عربية ، في القرآن كلّه لا يوجد مفردة “لغة “

بمعنى أنّه لم يستخدمها في إشارته إلى طريقة إيصال البيان الإلهي للمستمع ولكن حين يقول “لسان عربي”فالعرب جميعاً ستدرك مقاصد هذا البيان لعدم معرفة العرب القدماء لكلمة (لغة) بمفهومها الاصطلاحي المتشابك الذي نعرفه اليوم، وإنما كانوا يُعبِّرون عن ذلك بكلمة (لسان)، فيقولون: لسان العرب؛ أي: لغتهم، وللعلم لفظة (لغة) لم تردْ مستعملة في كلام عربي يعتدُّ به فقد كانت العرب تسمِّي مجرَّد الضوضاء التي لا طائل من ورائها لَغْوًا، وجاء من ذلك الفعل أَلْغى يُلغي، بمعنى أبطل؛ أي: اعتبر ذلك لغوًا حتّى أن الأعراب احتاروا في جمعها.

         ومن هذا الباب ثمّة انحياز كبير إلى فكرة أن لفظة لغة أتت من الكلمة اليونانية “لوغوس “والبحث يطول في ذلك .

– فإذاً متى احتاج العرب للاصطلاح عليها لتكون كما نعرفها الآن ..!

سنبين أوّلاً ما تعنيه لفظة “اصطلح “في قواميس ألسنة العرب : اصطلحوا القوم على أمر = توافقوا وأجمعوا عليه .

         الواقع تمّت الدعوة لذلك في القرن الهجري الأوّل وذلك بسبب فتوح الأمصار وأهمّية تلقّي البيان العربي فأمر الخليفة عمر عمّاله ومنهم أبو موسى الأشعري فقال : تفقّهوا بالعربيّة وأعربوا القرآن فإنّه عربي “ثم الخليفة عثمان وهكذا إلى أن ظهرت بشكل بيّن هذه المفردة كاصطلاح منذ أن اهتم الإمام علي بن أبي طالب بالنحو والإعراب حتى ظهر تداول هذه اللفظة (لغة) في أواخر القرن الثاني الهجري فاجتمع النحاة وتعبوا واجتهدوا و(اصطلحوا) على قواعد وضوابط للكلام العربي وأسمَوها (اللغة العربيّة) فما كانت الحاجة إلى هذا التوافق وأنّهم اصطلحوا ؟ الواقع دخول الشعوب من غير العرب على مساحة واسعة في الدين وتواجدهم بين ظهراني العرب فهبّوا رحمهم الله لحفظ وصيانة أصول اللسان العربي في نظام الكلام ومازالوا فمثلاً لو سمعت أحدهم اليوم يقول : (( واحد ضرب أنا )) نجد أن لسان المفردات عربيّ ولذلك ستفهم قصده ولكن ستخمّن أنّ المتكلم أرمني أو كردي أو سلجوقي … إلخ لأنّه خرج عن قواعديّة الكلام العربي فنحن نقول “أحدهم ضربني”وعلى هذا النحو كانت الضرورة في ذاك الأوان فضلاً عن الجانب الديني ..

– فإذاً أين نحن الآن من مفردة (لهجة) وماذا سنقول عن البيان القرآني وماذا عن قريش ومعلّقات الشعراء ؟

ربّما أن من الانجازات العظيمة لأمّة اللسان العربي هي إنجازها لما يعرف عند البحّاثة في تطور اللسان العربي بـ “اللهجة العربيّة العامة “ثم بعد القرن الثاني الهجري سمّيت اللغة العربية العامة أو المشتركة وسمّيت مشتركة لأن بيانها متاح للفهم والادراك من قبل عموم العرب على اختلاف لهجاتهم وهي تسود كافّة مجالات الحياة وهي لا تميل إلى لهجة بعينها ومع ذلك هي غزيرة باللهجات وانتقائيّة في اختيارها للهجات الناطقة بها فقد أخذت المستحسن المنتشر وتركت الغريب الرديء وهذه اللهجة العامة هي التي ما نزال نتعامل بها كلغة وقد أخذ منها تحديداً وبنسبة كبيرة نمطُ الكتابة العربيّة الفصحى الرسميّة والثقافيّة إلى اليوم .. وقبل كلّ شيء فإنّ البيان القرآني جرت تلاوته بهذه اللغة العامّة لحتميّة وصول هذا البيان إلى عموم العرب أياً كانت لهجاتهم أو مناطقهم الجغرافيّة.

– هنا يبرز سؤال حول لهجة قريش فثمّة من يؤكّد أن القرآن نزل بلهجة قريش حصراً ؟

         في عمق التاريخ نجد أنّ لهجة قريش الخاصة بادئ الأمر كان فيها العنعنةوهي في وقتها محمودة ولكن كان فيها غمغمة وهي سمة رديئة في الافصاح ولكنّ كان في ديارها تجمّع القبائل العربية للحج منذ القَدم وعلى ذلك كانت على مرّ الزمن تجتبي أحسن الألفاظ وأصفاها وأعذبها من بين سائر لهجات العرب حتّى صارت لهجة لسانها جامعة ومفهومة عند سائر العرب وذلك قبل الاسلام بقرون وبكل بساطة كانت هذه الخطوة الأولى لولادة اللغة العامّة فقد كان خطباء قريش يخطبون بالناس في الحج وكلّ القبائل تفهم وتحبّذ مقالهم بدون عناء يذكر ..فنجدُ ما ورد في “المبرّد”عن الأصمعيّ أنه قال : سأل معاوية بن أبي سفيان من أفصح الناس ، فأجابه رجلٌ فقال : قوٌم تباعدوا عن لخلخانيّة فرات العراق وتيامنوا عن كسكسة بكر وتياسروا عن كشكشة تميم ليس لهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية حمير، فقال من هم ؟ قال : قريش .. قال: من أين أنت؟ قال : من جرم.  قال الأصمعي ”وجَرْمٌ من أفصح العرب“.

– هل نستطيع الآن الحديث عن هذه اللغة ( اللهجة ) العامّة كيف تشكّلت ؟ ..بالتأكيد

         إنّ الدراسات اللسانيّة التي أجريت على تاريخ الأحداث والمعطيات بعد الهجرات العربيّة الساميّة من شبه الجزيرة العربية باتجاه بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام فضلاً عن من بقي في نجد والحجاز تشير إلى أن اللغة العربيّة المشتركة العامة احتوت على 70% من اللهجة المضريّة العدنانيّة والباقي توزّع على ربيعة العدنانيّة وزبيد القحطانيّة وجُرهم اليمن ونسبة جيدة من مفردات أقوام خالطتهم العرب وتقارضت منهم وعلى وجه التحديد الشعوب الآراميّة ثمّ الساسانيّة .. وقد لاحظ نسّاخ الشعر العربي القديم أنّ شاعر ذلك العصر كان يتحرّى في نظمه اللهجة المضريّة سواء كان مضريّاً أم لا وذلك لينتشر صيته في الحجاز والعراق وبلاد الشام وعلى ذلك فمن أقوال العرب قبل الاسلام أنّ”ليس أحسن من تميم في الخطابة “وتميم قبيلة تعود إلى جدهم الرابع الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وكانت حكومة “عكاظ “بيد تميم وآخرهم الأقرع بن حابس ..ويزيد الباحثون أن قبيلة أسد والتي قاتلها الشاعر امرؤ القيس هي بذات درجة التقييم مع قبيلة تميم من هذا الباب لذلك قال سيبويه (( أسد وتميم لغةُ من تُرضى عربيتُه )) و بنو أسد قبيلةٌ خندفيّة عدنانية ..

*المتن :

حسناً أين نحنُ الآن من الرقّة السوريّة ؟

         الواقع إنّ الرقّة الحاليّة كانت قاعدة ديار مضر العدناني وكذلك شمالي الرقة هي قاعدة ديار بكر بن وائل … بن أسد بن ربيعة العدناني في الرها وحرّان وآمد “ديار بكر”فضلاً عن أنّ ديار ربيعة هي في منطقة “الموصل”

– متى حدث ذلك وكيف ؟

         تشير الوثائق والمعطيات الموضوعية أنّ هجرات هؤلاء العرب إلى الجزيرة الفراتية كانت في منتصف الألف الثالث الميلادي أي أنها بعيدة عن تاريخ ظهور الاسلام بما يقارب 400 عام ، وهناك ثمّة إجماع على أنّ اقتتالاً عنيفاً دار في شبه الجزيرة العربية بين هذه القبائل يرجّح أنّها “حرب البسوس”تلته هجرة واسعة وكبيرة وهي من أوسع وأوّل الهجرات المأخوذة بعين الاعتبار للعرب وخروجهم من صحرائهم، حيث أنّ العرب في بادية الشام والجزيرة الفراتية قبل الألف الثالث الميلادي كان لهم تواجد ولكن على شكل جماعة محدودة بسبب الرعي والبحث عن الكلأ وكانت ثمّة مجتمعات عربيّة قليلة ولكنّها تخضع لسلطة الأقوى ابتداءً من الآكاديين والآشوريين والآراميين ونذكر منهم على سبيل المثال “جندبو”العربي وكان أحد شيوخ قبائل العربية في بادية الشام االقريبة من مملكة آرام دمشق عام 853 ق.م وشارك بألف بعير مع جيش حلفائه الآراميين في معركة قرقر ضد الدولة الآشورية، وقد ذكرته المصادر الاشورية، ويعتبر هذا السجل من الإشارات الأولى إلى وجود العرب في ذلك الوقت، وبالطبع ولن يغيب عنّا – ونحن بصدد الحديث تواجد العرب بغزارة في الجزيرة الفراتية – توطين عشائر العرب بعد الاسلام في منطقة الجزيرة الفراتية على يد القائد عياض بن غنم ثم باقي القادة الأمويين ..

– السؤال الذي يفرض نفسه الآن، من كان يتموضع في منطقة الجزيرة الفراتيّة قبل هذه الهجرة الكبيرة للعرب العدنانيين ؟

         بدون أي منازع كان التواجد والهيمنة للأقوام الآراميّة “الأخلامو “التي كانت تتموضع قبل ذلك في شمالي شبه الجزيرة العربية ثمّ انطلقت بهجرتها الكبيرة في منتصف الألف الثانية قبل الميلاد فتوجهوا إلى بلاد مابين النهرين وشمالي سوريّة وبادية الشام وأوّل مملكة ظهرت لهم في منطقة الجزيرة الفراتية هي مملكة “بدان آرام “”600 ق. م وعاصمتها “جنوب حرّان”وهذه أراضي تابعة لشمال الرقّة.

والأكثر شهرة مملكة حماة ومملكة دمشق والتي استطاع أخيراً الآشوريون القضاء عليهما 718 – 733ق. م

ولكن الأشهر ثقافياً وابداعياً هي مملكة “أورهاي”الآراميّة “الرها “حيث أقدم مدينة آرامية اسمها “آدما “في منطقة الرها الآن “أورفا”بنيت عام 600ق. م ثم عمّرها الملك الآرامي”آريو”كمملكة واستمرت من 132ق.م ولغاية 224 ق. م بتكثيف شديد نقول كانت أعراف وتقاليد ولسان الآراميين وغناءهم ووثنيتهم ومن بعدها مسيحيّتهم وطريقة عمرانهم مهيمن ومسيطر في المنطقة بشكل لا لبس فيه تاريخياً..

وهنا لابد من أن نتوقف عند تنويهين :

-1 استمرّ حكم الآرامي “آريو “خمس سنوات ثم حدثت قلاقل في أورهاي ..كانت هناك عائلة تسمّى “الأباجرة “وترجّح معظم الدراسات أنّها عائلة عربية كبيرة كانت حليفة للبارثيين وهم أقوام كانت لهم مملكة في تلك المنطقة وبدعم منهم انقضت أسرة الأباجرة على الحكم واستمرت في حكم أورهاي فترة طويلة إلى حين طردهم منها الرومان.

2- أثبتت الدراسات للوثائق الكنسية السريانية أنّ ثمّة مراسلات حدثت بين السيد المسيح وملك الرها آنذاك وهو أبجر الخامس.

         وتعتبر الأقوام الآراميّة في الرها أوّل الأقوام التي اعتنقت الديانة المسيحية ولذلك هي أول مملكة مسيحية في العالم 170ميلادي ومنذ ذلك الوقت أطلق على هؤلاء الآراميون كلمة “السريان “والكنيسة السريانيّة في الجزيرة الفراتية هي من أقدم الكنائس في العالم إن لم تكن أقدمها على الاطلاق بعد التنقيبات الحديثة في ريف منبج السورية 2018 ، والآن ربّما سيدور سجال حول لفظة “السريان “فالنظريات والمقولات لا يمكن أن تعد وتحصى في هذا الصدد ولكن الذي لاشك فيه أنّ قبل ظهور المسيحية في أورهاي كانت جميع الممالك في الشام عموماً تسمّى ممالك آراميّة ولا تسمّى سريانية وأن تسمية سريانية لم تظهر في الوثائق بشكل جلي وواضح إلا مع اعتناق الأقوام الآرامية للمسيحية ومثال على ذلك وثيقة نصوص /آشور بانيبال/ فقد أطلق على من كان يعيش داخل اسوار دمشق (آرامي) في حين من كان في محيطها (عربي) والنصوص لم تذكر صفة سرياني ..في حين البعض يحتجّ على هذه اللفظة في وثائق اليونان حيث كتبت “أشوريا “في تسمية الآشوريين “أسوريا “ثم أصبحت السريان ولكن هذا الدليل لا يؤخذ به لأن الآشوريين حطّموا ممالك الآراميين وحاربوهم حتّى الرمق الأخير فكيف يمكن لتسمية أطلقت على الآشوريين أن تشير إلى الآراميين ليكونوا سرياناً! ثمّة من يقول أن الشعوب كانت تُطلق التسميات عليهم حسب حكّامهم والقوّة المهيمنة بمعنى خضوع تلك المناطق للآشوريين يستوجب اطلاق صفة “أسوريا”عن شعوب تلك المنطقة ، هنا أيضاً ما لا يغني ولا يسمن من جوع فالمعني هنا يعني الآشوريين.

         الواقع الفرضيات كثيرة ولكن إنّ أهم سبب لهذه التسمية موضوعي ومنطقي هو ما أورده الباحثون عن أن لفظة “سِراي “تعني بالآرامية القديمة “الرجل الفاسد”وهم يعنون بذلك (مسيحي) ذلك لأنّه حين قامت مجموعة من الآراميين بترك عبادة الأوثان والآلهة الأخرى واعتنقوا المسيحية أطلق الآراميون على هؤلاء صفة “الكفّار أو الفاسدون “وبعد انتشار المسيحية بين سائر الأقوام الآرامية أصبحت تعني الرجل الصالح وهذا التحوّل نسميه ألفاظ الأضداد كما لدينا في العربية “جلل = كبير / جلل = ضئيل “وكذلك “يطيق = لا يستطيع / يطيق = يستطيع “وكان لهؤلاء الآراميون “المؤمنون “دور تبشيري كبير إلى درجة أن أقوام كثيرة اعتنقت المسيحية على أيديهم فأطلق عليهم “سريان “وهم ليسوا آراميين وتعود أصولهم إلى قبائل عربيّة وبعضها يمني !

         وهكذا السريانية والآراميون السريان أصبح لهم شأن عظيم وتاريخ ثقافي وتنويري وتدويني في تلك الآونة من العصر في مرحلة جديدة وهي اعتناقهم الدين المسيحي

– عند هذه النقطة ثمّة ما يثير التساؤل ، أين ذهب الآراميون حتّى يتسنّى لهؤلاء العرب العدنانيون في الجزيرة الفراتية وبلاد مابين النهرين وبادية الشام الحضور الظاهر والمبرّز خصوصاً بلسانهم المبين وعاداتهم وتقاليدهم إلى يومنا هذا ؟

         إنّ ذوبان العنصر الآرامي بين خليط لسائر شعوب المنطقة بالرغم من أنّ اللغة والكتابة الآرامية كانت تستخدم وحتى وجدت وثائق مكتوبة بالآرامية عند ألدّ أعدائهم الآشوريين ومن قبل أقوام المنطقة في تلك الفترة بالطبع بعد زوال هيمنة اللغة والكتابة الآكادية الآشوريّة، ويكفي أن نعلم أنّ الأشوريين قلدوا مناصب التدوين والكتابة للآراميين وأشهرهم “أحيقار”وزير سنحاريب ، هذا الذوبان حدث بسبب حروب ونزاعات تسببت بتشرد العنصر الآرامي وتقتيله ومطاردته على مستويين :

الأوّل :

         الآراميون كانوا سواد كبير من بين العامة التي كانت تحكمها سلطات أكادية ثم التالية الآشورية في بلاد النهرين , وكان لهم نشاط مهم وكان لديهم سعي باتجاه السيطرة على السلطة وإحداث ممالكهم الخاصة وهذا ما حصل خصوصا في شمال سوريا وبادية الشام ودمشق ، وعلى ذلك وباختصار شديد معارك وحروب واضطهاد تم ممارسته عليهم خصوصاً بسبب أكبر عداء حصل بينهم وبين الآشوريين الذين دمّروا ممالكهم بوحشيّة على مدى طويل من الزمن واحتلوا أخيراً تاج مملكتهم “آرام دمشق “على يد “تغلات بلاصر” 733ق.م والكلام يطول بتفصيلاته في نزاعات أخرى أودت بالجماعات الآرامية فلدينا اسقاط “بابل “على يد الفرس 539ق.م فأهم دولة آرامية في العراق كانت الدولة البابلية الثانية ، باختصار كان الآراميون مستهدفين دائماً والحديث عن المجازر والشتات يطول و يطول ومن يعرف ما حدث مع مملكة تدمر يمكن بسهولة أن يتفهم هذه النزاعات التي جعلت الآراميين يهيمون على وجوههم ويرجّح الباحثون الموضوعيون أنّهم لجأوا بعد سقوط مملكة تدمر إلى شبه الجزيرة العربية لأنّها كانت بعيدة عن النزاعات وأدخلوا آلهتهم وأوثانهم معهم في تلك الفترة حوالي 220 ق م وبذات الوقت يمكن تحميل لجوء السريان إلى شبه الجزيرة العربية مهمّة نقل النصرانية إلى جزيرة العرب مع تعدد مذاهبها حيث نجد أن نصارى يثرب غير نصارى مكة ونجران وفي هذا حديث يطول.

الثاني :

         إنّ اعتناق الآراميين للدين المسيحي وسطوع شمس السريانيّة في المنطقة كان له تبعات كثيرة حيث ظهر الانشقاق الكبير في المسيحية عام 1054 ميلادي فرع لاتيني غربي وفرع أرثوذوكسي شرقي ثم انقسامات الأرثوذوكسية نفسها ولكن كان دائماً العنصر الآرامي السرياني هو الأصيل في الشرق وكان يتمسك بتعاليمه المسيحية الأوّليّة مما أدى إلى اضطهادات كبيرة يضيق الذكر بها في هذه الفسحة ، ناهيك على الصراع بين الفرس وروما وبيزنطة المسيحية والتي كانت المناطق الآرامية ميدان وتخوم صراع لها في منطقة الجزيرة الفراتية وبادية الشام في القرن السادس الميلادي.

         الواقع هذه الخلاصات التي عرضناها بتكثيف واختصار شديد كان الهدف منها إبانة سببَ قولنا بانحسار العنصر الآرامي وانحسار لسانه واختفاء سيطرته لتكون الساحة مهيّئة لحضور وسطوع نجم اللسان العربي والقبائل العربية وخصوصية مجتمعاتهم في الجزيرة الفراتية على وجه التحديد.


* تنويه :

ربّما زوبعة فكرية قد تحدث مع كثير من المهتمين بهذا الشأن بعد اطلاعهم على هذا المقال وعلى ذلك أريد التنويه إلى

ملاحظتين مهمتين يجب أخذهما بعين الاعتبار قبل كل شيء :

1- إنّ الحديث عن أنّ جميع هؤلاء الأقوام هم تاريخياً أشقاء بالدم (( ساميّون)) و لا ينبغي التفريق بين شؤونهم المجتمعيّة والحياتية حيث أنّهم خرجوا من شبه الجزيرة العربيّة كمسقط رأس واحد….إلخ هو قضية متفرّعة وطويلة وتبدو بدهيّة وربّما لا يغيب عن الجميع تلك الجدالات التي وصلت إلى نزاعات فكرية بين قومجيين وعرْقيين كثر حول من قبل من ومن هو أبٌ لمن ..!

نحن أخذنا بعين الاعتبار الأمر الواقع وهو أن الوثائق التاريخية كانت تفصل وتميّز بالتسميات بين هؤلاء الأقوام وفق نمط حياتهم ونشاطهم الجيو سياسي وسيطرة وسيادة لغة على غيرها وهذا واقع لا ينبغي لكلّ ذي عقل أن يقفز فوقه ، وهو ما تم الاعتماد عليه في خلاصات هذا المقال.

2- بالنسبة للناحية اللغوية وأصل المفردات وجذورها فنحن اعتمدنا في هذا المقال في خلاصة قدّمها الباحث السوري “ماهر حميد”بموضوعيّة وبدقّة وهي أن اللغات تتالت هيمنتها في تلك المنطقة والتواريخ كالتالي حسب الأسبقيّة والتطور :

عبيديه – سومريه -أكديه- آشوريه- آراميه قديمة – آراميّة سريانية -عربية وقد هيمنت العربيّة أخيراً لأسباب تاريخية اجتماعية وسياسية ..وبالنسبة لوحدة الجذور اللغوية بنسبة جيدة من المفردات فهذا أمر واقع ولكن كل فئة من هذه الشعوب زادت من المفردات ما لا يمكن حصره في معجمها الخاص ووفق حياتها وبيئتها.

         أعتقد بعد هذا الجزء من البحث ، نستطيع في الجزء القادم من البحث أن نلج إلى مدخل رئيس وهو القبائل المضريّة العربيّة في منطقة الرقّة لسانها ولغتها ولهجتها و ماهو سائد منه حتّى اليوم …


مراجع الأحداث :

– – الباحث العراقي محمد عبدالوهاب الجبوري / قراءة موجزة عن العلاقات العسكرية الحربية بين الممالك الآرامية والمملكة الآشورية

– الباحث السوري ماهر حميد / دراسات العرب والسريان / دراسات تطور اللغات السامية في بلاد النهرين والرُقم الصفويّة

– أغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق / الأدلّة الحسيّة

– الثقافة السريانيّة / ابراهيم جبرائيل صوما نقلها للعربية الشمّاس بطرس قاشا

– عبد الحكيم الكعبي / الجزيرة الفراتية وديارها العربيّة

– القبائل العربية في الجزيرة الفراتية العليا في تركيا / الباحث حسين بكر علي/جامعة الجنان، طرابلس، لبنان

– د. نادية النجار / فقه اللغة العربيّة وخصائصها

– أ.حسن بربورة / أ.داودي مصطفى / نشأة وتطوّر اللغة العربية قسم بحوث اللغة في جامعة زيان عاشور الجزائر

– حول تاريخ اللغة العربية (المدرسة العليا لتكوين المعلمين بليون /2007/11/14) / (مقابلة أجرتها الاستاذة سلام دياب مع د. جمال كولغلي)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.