الرسائل التي سُرقت منّا قبل أن نكتبها!

img
الرسائل التي سُرقت منّا قبل أن نكتبها!
بقلم : محمد الخزامي
 
كانت إليزابيث اللّيندي تقول: نحن نندم فيما بعد على الرسائل التي كتبناها، لكن ماذا عن رسائل الحبّ والصداقة.. التي ندم عليها العالم فيما بعد لأنه أضاعها عندما غير صندوق البريد الأول؟
 
 
ماتت الرسائل القوية اليوم، التي تأتي من ثنائيّ لا ينقص الآخر ثقافة ولا حبا، ليجاريه بنفس المستوى الإبداعي والعاطفي ذاته. كانت رسائلا تختزل إبداعها في أسطر، إذ سقطت شجرة رسائل الأدب العالمي، مع تساقط أوراق فرجينيا وولف التي انتحرت قبل آخر رسالة كتبتها لزوجها، أو تلك التي كانت تكتبها لصديقتها الكاتبة فينا ساكفيل، أو رسائل فريدا كالو ودييغو ريفيرا وريشته، وبين ألفريد ستيغليتز وجورجيا أوكييف، وتشارلز و راي إيمز، وهنري ملير ورومانسياته مع أناييس نين وحبرها الأرستقراطي.
 
 
كانت رسائلا تختلط بالحب والفلسفة والإبداع والفكر والحكم والوصايا والاعترافات، في أوراق قليلة، وربما أجملها جميعا، تلك التي خلّفها بول سارتر للعالم عندما أحب الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار، وبإمكانك مع كل تاريخ لرسائلهما هما الإثنان، أن تتابع تسلسل أقدار أسرارهما العاطفيّة منذ رسالة الاعتراف الأول.. وصولا إلى رسائل الفراق التي كتبتها سيمون بمشاعر عقلها وفكرها وقلبها وكبريائها معا، وأيضا لا تستطيع أن تنسى الرسائل التي أرسلها نيكوس كازانتكوس لصديقه مسربا إياها على لسان بطله زوربا، روايته الأشهر.
 
 
كانت أجمل رسائل الحبّ في ما ما مضى لا تتشابه. بعضها يسرّب تحت الأبواب، أوبين الأثواب، وتبعث جلّها مع مسافرين غرباء نأتمنهم على شوقنا لأحدهم، كانت رسائل الحب تسلم مع شخص مجهول كتب أنّه يحبنا، وكانت تُقرأُ بيد ترتجف وبعيون تبحث عن كلمة أحبك، كانت الرسائل تغلّف بعناية، وتضمخ بعطر خفيف، وكان السعاة يحملونها في محافظهم التي كانت تفيض بما يكفي بعناوين مدن، ولو أنك وضعت الرسالة بجانب الرسالة لغدت لعددها وطولها جسرًا يمتد ليلتقي بين إثنين!
 
 
 
لقد ارتكبت التكلونوجيا منذ زمن الإيميل الأول، وحتى الواتساب، ووصولا إلى زمن الماسنجر، أكبر ذنب في حق رسائل الأدب العالميّ. لم نعد نقرأ رسائل الحبّ الموجعة، المشبعة بتفاصيل الاشتياق التي تجمع لاحقا في كتاب بين إثنين، بل لم تعد ثمة رسائل نشم منها عطر أحد، ولا نرى خط يد.
 
ذهبت الرسائل الجميلة بين إثنين، منذ زمن كان فيه كل عاشقين يتراسلان سرّا بأطول وأجمل الرسائل يحفظها أحدهم في صندوق كبير يشبه الكنز، بينما اليوم على كثرة الوسائل، نفتقر إلى كلمة واحدة تُكتب على ورقة، وأصبح أدب الرسائل، أدبا متوقفا منذ زمن لا يبالي أحد بإحيائه، لأن القلوب التي كانت تقرأ ذاتها تغيرت، وصارت قلوبا تحكمها الأزرار، ولم تعد تدق بل ترن..!
 
 
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: