أنتلجنسيا | الرؤى المتساقطة بخصوص السيّد الرئيس! وليد أحمد الفرشيشي - أنتلجنسيا

الرؤى المتساقطة بخصوص السيّد الرئيس! وليد أحمد الفرشيشي

img

الرؤى المتساقطة بخصوص السيّد الرئيس!

وليد أحمد الفرشيشي 

-1-

بدا القصر الجمهوري من بعيد وكأنّه جثّة مطروحةُ على شاطئ قرطاج التاريخيّة. فمنذ أن دخل الرئيس إلى مكتبه، مغلقا الباب عليه، والرياح تدور حول القصر مطاردة السأم الذي عشّش في الصدور. حدث الأمر منذ عشر سنوات تقريبًا، قد تزيد وقد تنقصُ، إلى الدرجة التي نسي فيها الشعبُ، الذي لم يكن يفكّر سوى في رفاهيته، شكل الرئيس تمامًا.
وإذا كان مفهوما أن ينسى الشعبُ المنتشي برفاهيته شكل رئيسه، فإنّ الملفت للانتباه بخصوص غيبة السيد الرئيس، أنّه لا أحد باستثناء حارسه الشخصي، المقرّب إلى قلبه، ومديرة القصر وسائقه وطباخه البدين، تساءل عن سرّ تلك الخلوة التي طالت أكثر من اللزوم.
وحتى نفهم ما حدث، لأنّ التفاصيل في مثل هذه الحالة لها دلالات عميقة، وإن لم يكن لها تأثير في الحقيقة على واقع البلد نفسه، المنتشي برفاهيته، يجب أن نؤكد على أنّ الكلّ باستثناء هؤلاء الأربعة، نسي تماما أنّه ثمّة رئيس من الأساس. وحتى تلك الانتخابات التي أقيمت على عجل، بعد انتهاء مدته الرئاسية الأولى، أفرزت فوزه السّاحق لسببين مهمين، في نظرنا على الأقل: الأوّل، أنه لم يترشح إلى هذا المنصب سواه (حتى نكون دقيقين يجب أن نقول إنّ أعضاء حكومته رشحوه من دون أن يجازفوا بقطع خلوته)، والثاني، أنّ لا أحد صوّت لفائدته، وهو ما أجبر أعضاء حكومته على ابتكار حيلة عبقريّة وهي اعتماد أصوات من يحقّ له الانتخاب، من دون أن يجازفوا، يا للعبقريّة، بإزعاج الناخبين ودفعهم إلى التنقّل إلى مراكز التصويت.
قد يبدو هذا غريبا لمن لا يعرف هذا البلد الذي شهد طفرة اقتصادية هائلة حوّلت مواطنيه إلى شعب من المرفّهين، تواصل كروشهم إلى حدّ الآن، تمددها في اتجاه ما تبقى من المساحات الخضراء، لا يغادرون مقاعدهم أمام أجهزة التليفيزيون الحديثة، التي تبث المسلسلات الدرامية المدبلجة على مدار اليوم، وبرامج الألعاب السخيفة، ونشرات الأخبار التي ترصد آخر وارادات المراكز التجارية الكبرى. ولكن من الجائز التأكيد على أنه يجب التعامل مع حالة الخمول العامّة وكأنها إنجاز يحسب للسيد الرئيس وحدهُ، الذي تقلّد السلطة، منذ عشرين سنة قد تزيد وقد تنقصُ، محققا معجزة في هذا البلد المتوسّطي الناعم كجلد أفعى، قبل أن يترك كل شيء لحكوماته المتعاقبة والمتناسلة من بعضها البعض، ويدخلُ طواعية، ولأسباب غير مفهومة، إلى غرفة مكتبه ويغلق الباب على نفسه.
لقد نسي الجميع شكل الرئيس، باستثناء الحارس ومديرة القصر والسائق والطبّاخ. فمادام كلّ شيء في هذا البلد يسير على إيقاع الرفاهية فلا حاجة للرئيس نفسه، هكذا قال كبير مستشاريه، في الشهر الأول من خلوة الرئيس، لرئيس الحكومة.
قبل أن يضيف بخمول مضاعف:” لا أحد يزعج السيّد الرئيس. لقد قام بجميع الأعمال العظيمة التي حوّلت أمتنا إلى أمة مرفّهة، ومن حقّه الآن أن يرتاح”.

-2-
إلاّ أنّ تحذير كبير المستشارين، الذي مات في السنة الثانية من الخلوة الشهيرة، ذهب سدى. ذلك أنّ الحارس ومديرة القصر والسائق والطبّاخ ظلوا مرابطين أمام غرفة المكتب كلّ هذه السنوات، لينال الزّمن منهم دون أن ينال في نفس الوقت من ذاكرتهم التي تدور في فلك فخامته.
في السّنة العاشرة، التي قد تزيد أو تنقص، من الخلوة، قال الطبّاخ للمجموعة المتحلّقة أمام باب المكتب:” ألا يبدو غريبا أنّ الرئيس، طيلة كلّ هذه السنوات الطويلة، لم يأكل أي شيء؟”
أجابته مديرة القصر:” إنّه يجوعُ لأجل رفاهيتنا. ولكنه الرئيس. الرئيس لا يحتاجُ ما نحتاجه نحن، أعني الطعام تحديدا”.
تكلّم الحارس الشخصيّ، مداعبا كرشهُ الضخمة التي تكاد تسدّ رواق المدخل المفضي إلى مكتب الرئيس:” قد يكون هناك أسوأ من هذا. ألا ترون الأمر غريبا بعض الشيء، أعني أن لا يرنّ هاتف مكتب الرئيس؟”
“ولماذا يرنّ؟” تساءلت مديرة القصر بصلف.
قال السائق متحسّرا:” يبدو أنّ الجميع، باستثنائنا نحن يا جماعة، نسي أنه ثمّة رئيسا للبلاد”.

-3-
“ولماذا يرنّ؟” أعادت مديرة القصر تساؤلها وقد تحوّل صلفها إلى ما يمكن تسميته “بالتخشّب اللحظي”، ولا يوجد داع، في الحقيقة، لتفسير هذه الوضعية، لأنها بلا معنى ولأنها لم تربك البقيّة. ذلك أنّ الطبّاخ نفسه قال وهو يقرصُ خدّها:” نعم، بالفعل، لماذا يرنّ؟ سؤال في محلّه. هل نسيتم أنّ كبير المستشارين أمر بعدم إزعاج الرئيس في خلوته”.
وافقت مديرة القصر بحماس، هذه المرة، قبل أن تقول:” هذا صحيح. أذكرُ هذا جيّدا مثلما أذكرُ أنّ الرئيس، قبل دخوله إلى خلوته، أمسك يديّ قائلا بصوته الطفوليّ الرائع:” لا تدعي أحدا يدخلُ إلى غرفة المكتب. إني أعتمد عليك في هذا؟”. ثم أضافت متنهّدة: “كان له وجه شابّ في العشرين وقلب طفل في الثالثة. ”
قال الحارسُ الشخصي في استياء واضح:” كان له وجه شابّ في العشرين وقلب طفل في الثالثة؟ من يصدّق هذا الهراء؟ لقد رافقته كظلّه طيلة العشر سنوات الأولى من حكمه. كان كهلا في الأربعين وقتها وبإمكاني التأكيد أنه كان لا يتكلم كثيرا. لا أصدّق أنه قال لك هذا. كيف يعتمد عليك في وجود حارسه الشخصيّ. هذا هراء.”
“كان عجوزا حين تقلّد الحكم”، قال السائق متنمّرا. “أنتم تزيّفون الحقائق بشكل مريع. لقد قدت سيارته طيلة العشر سنوات الأولى من حكمه وأعرف أنّه كان بالكاد يقف على قدميه”.
“ليس صحيحا”، قالت مديرة القصر في غضب. “لقد كان شابا في العشرين”.
“بل كهلاً في الأربعين، ولم يكن يتكلّم كثيرا”، قال الحارس في برود.
“اخرسا أنتما الاثنين، لقد كان عجوزا بالكاد كان يقدر أن يقف على قدميه”، صرخ السائق وقد ازداد تنمّره.
“كلّ هذا لا يفسّر لماذا لم يطلب الرئيس الطعام منذ عشر سنوات”، قال الطبّاخ في أسى عميق.
-4-
“لقد كان يحبُّ كلّ الأطباق التي أعدّها لهُ”. أردف الطبّاخُ وهو يتحسّسُ الصحن الفارغ بين يديه. أمسك الحارس الشخصي بذراعه فجأة “لا تضطرّني إلى سحب مسدّسي. أكره أن يتحدّث أحد عن الرئيس وكأنه رجل بطين كرّس حياته لشهواته. الرئيس رجل رياضيّ، ورغم سنواته الأربعين، إلاّ أنه كان يحافظ على لياقته جيّدا. حتى أنّه كان يسابقني في المضمار الصغير الملحق بالقصر فيسبقني”.
“لقد كان عجوزا” قال السائق قبل أن يومئ بعينيه إلى مديرة القصر” وكانت له بالفعل شهواته”.
وضعت مديرة القصر يديها على صدرها في غضب:” كانت له شهواته؟ ماذا تقصد؟”
“لا أقصد شيئا محدّدا”، أجابها السائق بخبث.
“كان شابا بريئا وطاهرا. كان القرآن لا يغادرُ حجره أبدًا. لم أر شابا بريئا ومهذّبا ولطيفا مثله حتّى أنه عانقني مواسيا حين دلقت القهوة على مكتبه”، قالت المديرة محنقة.
“لا. لم تكن قهوة. بل كان حساءً. كان يحبّ حساء الدجاج الذي أعدّه لهُ. ولم يعانقك لأنّك دلقت القهوة على مكتبه”، قال الطبّاخُ في شرود.
استفسره السائق وقد نعظ عضوه بشكل مفاجئ:” لماذا عانقها إذن؟”
وأمام النظرات النارية لمديرة القصر، قال الطبّاخُ:” لا أعرف. لقد نسيت. لكنه لم يكن شابا في العشرين وقتها. الحقيقةُ أنّي نسيتُ تماما كيف كان شكلهُ. كلّ ما أذكره عنه هو أنه كان يحبّ الأطباق التي أعدّها له”.

-5-
أخرج الحارس مسدّسه من غمده صارخا في المجموعة:” أنا قلت إنه كان كهلاً. كان كهلاً لا يتكلّم كثيرا. وأنا لن أسمح لمجموعة من الأوغاد الأغبياء أن تتحدّث عن الرئيس بهذه الطريقة”.
“اهدأ، اهدأ يا رجل”، قال السائق وهو يلامس عضوه المنتفخ: “أعرف أن مزاجك سيء. ولكنّ هذا لن يغيّر من الأمر شيئا. سواء كان شابا أو كهلا أو عجوزا، وأنا أميل إلى اعتباره عجوزا، فالحقيقة التي يجب أن نعترف بها جميعا هو أننا أيضا نسينا شكل الرئيس”.
“أنت تهذي” صرخت المديرة. “أنا لم أنس شكله أبدا. لست كمثل هؤلاء الأغبياء في الخارج الذين نسوه تماما وكأنه لم يكن موجودا سوى في أحلامهم. لقد شممت رائحته وداعبت خدّه الورديّ ولاعبت شعيرات صدره السوداء وشربت رحيق الحياة من شفتيه”.
التصق بها السائق من الخلف، ببراءة ظاهرة، وهو يقول في صوت متغنّج:” إذن، أنت تعترفين؟”
“حسن جدّا”، قاطع الحارس، في محاولة لافتكاك زمام الأمور قبل أن تفلت:” كانت له بعض النزوات، لكنه لم يكن شابا، بل كهلاً. وشعيرات صدره لم تكن سوداء. بل لم يكن هناك شعر في صدره من الأساس”.
“وكيف عرفت؟”، تساءل السائق في خبث وهو يلتصق أكثر بمديرة القصر التي بدت مستسلمة بشكل مثير.
“أوه، لأنه كان رياضيا وكنا نتسابق معا في المضمار الصغير الملحق بالقصر”.
“فقط؟”، قال السائق وهو يقرص صدر مديرة القصر.
رفع الحارس مسدسه في وجه السائق الذي أفلت المديرة متراجعا إلى الخلف قائلا:” طيب يا رجل، لا تغضب، كنت أمزح معك. في الواقع، الرئيس الذي رافقته، في الواقع، كان رجلا عجوزا، أصلع، ويتحرّك بالكاد”. قبل أن يضيف مخاتلاً:” وقد أكون مخطئا في هذا وقد تكون أنت على حقّ في كلّ ما ذكرته”.
تكلم الطباخ أخيرًا محافظا على شروده:” ألا يبدو يا جماعة أننا لا نتحدّث عن الشخص نفسه. أقصد أننا الآن مشتبكون داخل رؤى مختلفة وكأننا في الواقع نتحدّث عن أربعة رؤساء؟”
“بل رئيس واحد”، قالت مديرة القصر في تصميم.
“بل أربعة” قال الطباخ، قبل أن يضيف:” الرئيسُ الذي أعرفه كان يحبّ الأطباق التي أعدّها له ولم يكن شابا ولا كهلا ولا عجوزا”.
“بل كان شابا بريئا ومهذبا بقلب طفل في الثالثة يحبّ العناق”، قالت مديرة القصر في تصميم.
“أنا أصرّ على ما ذكرته. كان كهلا لا يتكلّم كثيرا وبصدر لا شعر فيه”، أضاف الحارس.
“أعتقد أنه كان عجوزا بالكاد يقف على قدميه ومع ذلك أعترف أنه كان يحب مضاجعة الجميع. لقد رافقته وأعرف عنه هذا جيّدا”، أردف السائق في لؤم.

-6-
“إذن نحن الآن أمام أربع روايات متناقضة” قال الطبّاخ قبل أن يضيف:” أنا لا أكذب. وأعرف أنّكم أنتم أيضا لا تكذبون. فلا مبرّر للكذب بخصوص السيد الرئيس. وهذا ما يجعلنا الآن في مأزق حقيقي. رجاء أعد مسدسك إلى غمده ولنفكّر بصوتٍ عال معا”.
“حسن جدّا”، قال الحارسُ وهو يعيد مسدّسه إلى غمده. “ماذا تقترحون؟ أعني كيف يمكن أن نحلّ هذا اللغز؟”
“أنا عرفته شابا، وأنت عرفته كهلا، في حين يصرّ السائق على أنه رافق عجوزًا. يبدو أنّ الطبّاخ وحدهُ لم ير فيه ما رأينا. أقترحُ أن نسمع ما سيقولهُ؟”، قالت المديرة في تصميم.
“فكرة عبقريّة حقا أن نبحث عن حلّ اللغز في حساء الدجاج”، قال السائق في سخرية، قبل أن يبتلع سخريته مع النظرات الباردة التي حدجه بها الجميع. “طيّب، طيّب، ماذا يقترح السيّد الطباخ؟”
فكّر الطبّاخُ مليّا قبل أن يواجههم بقراره المخيف.
“يجب أن نقطع خلوة الرئيس. لا حلّ أمامنا سوى أن نفتح باب مكتب الرئيس”.
“ونعصي أمرا مباشرا من كبير المستشارين؟”، قالت المديرة وهي تضرب صدرها بيديها.
“لقد مات منذ تسع سنوات”، قال الحارس في هدوء.
“ونحن وحدنا في هذا القصر. لا يوجد أحد غيرنا هنا”، قال السائق.
“إذن ثلاثة ضدّ واحد” قال الطبّاخُ. “سندخل وسنرى ما سيكون عليه الأمر. هل أنتم موافقون؟”.
وكأنه لم يكن ينتظر سوى تلك الإيماءة الخفيفة من الحارس والسائق، رغم احتجاج المديرة، أمسك مقبض الباب وأداره برفق.

-7-
كانت الغرفة الهائلة خالية والأربعة يمشون على أطراف أصابعهم حتى لا يزعجوا الرئيس. وبما أنّ الغرفة كانت خالية تماما، إلاّ من سحليّة صغيرة الحجم ملتصقة بكرسيّ المكتب الضخم، لم يتفاجأ أحدهم حين صرخت المديرة بحبور “قلت لكم إنه شاب في العشرين”.
“بل كهلٌ لا يتكلّم كثيرا”، قال الحارس بابتهاج.
“يا للحمقى. إنهم لا يرون ما أراه”، قال السائق والدموع تطفر من عينيه.

وحدهُ الطبّاخُ، في تلك اللحظة، كان يفكّر في المذاق الذي سيكون عليه حساء الرئيس لو جرّب استخدام السحليّة مكان الدجاج!
(من كتاب : الرجل الذي…وقصص أخرى 2017)

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.