الرأي العام التونسي والقضية الفلسطينية

img
بقلم : خالد الحمري ،تونس 
 
يعتبر موضوع الرأي العام من المواضيع الشائكة والمتشعبة نظرا إلى ندرة الكتابات في هذا الشأن، إضافة إلى ذلك نلاحظ ضعف اهتمام الباحثين في تونس بالقضايا النظرية ولا سيما في المجال الإعلاميّ. فما المقصود بالرأي العام؟ وهل يمكن أن نقر بوجود رأي عام في تونس؟ وهل كانت القضية الفلسطينية محل اهتمام من قبل مكونات المجتمع التونسي؟
1مفهوم الرأي العام:
تتعدد وتتنوع تعريفات الرأي العام فيعرف على أنه: «الرأي السائد بين غالبية الشعب في فترة معينة بالنسبة إلى قضية أو أكثر يحتدم فيها الجدل والنقاش.”1. كذلك يعرف الرأي العام على أنه مجمل الأفكار والمفاهيم حول مواقف وأحداث وظواهر اجتماعية تعلنها جماعة أو جماعات من الناس.
يتردد مصطلح الرأي العام كثيرا إذ نجد أكثر من خمسين تعريف مما يؤكد أن هذه الظاهرة لا تزال موضع جدل بين الباحثين والمهتمين بالظواهر السياسية والاجتماعية. وعليه لا بد من توضيح أمر مهم عادة ما يسقط فيه بعض الدارسين هو أن مجال تطبيق الرأي العام هو المجال السياسي فقط. طبعا يحتل الرأي العام السياسي جانبا مهما لكنه ليس كل الرأي أذ تتعدد أوجه الرأي العام بتعدد مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية. هذا الخلط ينطلق من الفرضية التي تقر بوجود جمهورين متميزين جمهور السياسة الذي ينتج الرأي العام الواعي والذي يشكل دائما القراءة النقدية للوقائع السياسية والاجتماعية ومن جهة أخرى السواد الأعظم من السكان والعناصر الاجتماعية المنتجة والمستهلكة. ولكن يتفق أغلب المؤرخين عموما على أن الراي العام مجال جامع لمختلف الميولات السياسية والمشاغل الدينية والأخلاقية والاذواق الثقافية.
2بداية تشكل رأي عام في تونس:
منذ وصول الأسرة الحسينية إلى الحكم وسياسة الإصلاحات المتبعة ظهرت ملامح جديدة. كما أن تونسة السلطة والحد من النفوذ التركي ساهم في بداية تشكل راي عام بمختلف مكوناته كما أن بداية التسرب الاستعماري جعل عديد البلدان تتبنى النموذج الغربي على مستوى الإصلاحات وعلى هذا الأساس تمكنت الحركة الإصلاحية التونسية من التأسيس لفكرة اصلاح الوضع الداخلي وتحديدا الجانب السياسي والإداري والعسكري والاقتصادي. فقد ساهمت هذه الظرفية في إرساء وعي بخصوصيات المرحلة وشكلت أرضية لظهور اسهامات كمؤلفات خير الدين التونسي إلى جانب صدور أول صحيفة رسمية وهي “الرائد التونسي” أشرف على إدارة تحريرها محمود قبادو والجنرال حسين ومحمد السنوسي ومحمد بيرم الخامس. إلى جانب النشاط الفكري والصحفي بتونس حدثت حركة هامة حركت المجتمع التونسي وهي انتفاضة 1864 كادت تقوض حكم البايات غير أن العامل الحاسم في بداية تشكل الرأي في تونس تمثل في الاستعمار الفرنسي للبلاد التونسية وما تبعه من تحولات خطيرة كالهيمنة الاقتصادية والاستحواذ الأوروبي على الأراضي. وهو ما مثل ظرفية مناسبة لتحرك سواكن الشعب التونسي. لتتوالى بذلك الانتفاضات والمظاهرات نذكر منها انتفاضة القصرين 1906-أضرابات طلبة جامع الزيتونة-حادثة الزلاج والترامواي-أحداث التجنيس 1930 وهي الأخطر في تاريخ تونس المعاصر وقد استغلت بذلك التشكيلات السياسية التونسية هذه الاحداث لتكثيف اتصالاتها بالجماهير الشعبية.
شكلت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مناسبة لتنامي النضج السياسي لمختلف شرائح المجتمع التونسي فقد تم تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل وشهدت نفس الفترة تأسيس نقابات الأعراف التونسيين كما تكتلت مختلف الشرائح الاجتماعية للمطالبة لأول مرة بالاستقلال وتوحد التونسيون من مختلف الاتجاهات وتدعم هذا المسار بانطلاق الكفاح المسلح منذ 1952 كتعبير عن السخط العام لدى التونسيين. فكانت معركة “جبل العيدودي”بتاريخ 20 أوت 1953 دليلا عن تجذر الرأي العام التونسي ويمكن أن نعتبرأن هذه المعركة هي اللبنة الأولى لتبلور الوعي الوطني وبداية تشكل مقاومة تحريرية مناهضة للاستعمار.
من خلال ما تقدم يمكن الإقرار بوجود رأي عام في تونس ساعدت الصحافة الوطنية على تطعيمه. فماهي اهم القضايا العربية التي كانت محور اهتمام التونسيين؟
3القضية الفلسطينية في عيون التونسيين:
تميز الرأي العام التونسي حتى قبيل الاستعمار بانفتاحه على المشاغل العربية. وكان وراء هذ الانفتاح هم معرفي في بدايته سرعان ما تجذر وارتبط بما هو سياسي ليتحول إلى مقاومة مسلحة للسياسة الاستعمارية. وهكذا شغلت قضية فلسطين الرأي العام في تونس على الدوام، فلم تبقى قضية خارجية أو عربية بل أنها أصبحت قضية وطنية تحتل حيزا في السياسة الداخلية وتستأثر بمكانة خاصة عند كل فرد. فكان التونسيون أحزابا وأفرادا ومنظمات مجندين لهذه المعركة المصيرية التحريرية من الاستيطان الصهيوني. فقد أكد صالح بن يوسف أن “…العالم يحارب الإسلام بتغذيته للحروب الصليبية والحروب الاستعمارية والصهيونية.”2.أ ما علي البلهوان أكد في خطابه أن «مسلمو شمالنا الافريقي سيدافعون عن فلسطين لأن بدفاعهم عنها يدافعون عن جنسية ولغة ودين ويطالبون بالحرية والاستقلال لا لفلسطين فقط بل لكافة العالم العربي…”3. وقد أكد محي الدين القليبي أن قضية فلسطين هي”…قضية استعمارية نشترك مع أهلها في الشعور بخطر الاستعمار ووجوب مكافحته”4. واعتبر الشادلي بالقاضي أن حرب 1948 مؤامرة قام بها الإفرنج وعبر عن ذلك بالقول: «الذين حاربونا قديما وانهزموا فبعثوا لنا اليهود ليحاربوننا حديثا…”5. وقد اعتبر الحزب الدستوري الجديد أن «انهيار الاستعمار الصهيوني في فلسطين تحت ضربات العرب ضمان قطعي لانهيار الاستعمار أصلا”6. كانت اذا القضية الفلسطينية محل اهتمام السلطة الرسمية التونسية والنخبة المثقفة ولكن الهدنة ولدت خيبة أمل لدى عامة العرب والمسلمين بخاصة بالبلاد التونسية وكان هناك اعتقاد بأن الهدنة خدعة ليس إلا, إن الخطاب الوحيد الذي رحب بالهدنة هو خطاب الحزب الشيوعي التونسي .انتقد الخطاب السياسي في تونس القيادات العربية الحاكمة واتهمها بالخيانة.
تفاعل الرأي العام التونسي مع جميع الأحداث والمتغيرات والتطورات التي عرفتها القضية الفلسطينية بعد الحرب العالمية الثانية. وكان الرأي العام في تونس على وعي بالمتغيرات العالمية محاولا الاستفادة منها وتوظيفيها لخدمة القضية الوطنية.
انخرطت كل مكونات المجتمع التونسي في الدفاع عن القضية الفلسطينية فعلى المستوى الشعبي تطوع العديد من المقاتلين لضرب معاقل العصابات الصهيونية فقد تمكن ميلود بن ناجح من اقتحام معسكر قيادة المنطقة الشمالية للجيش الصهيوني كما قام عمران الكيلاني مقدمي بعملية فدائية في قلب المستعمرة الصهيونية القائمة أقصى هضبة الجولان ثم قام خالد بن صالح الجلاصي بعملية نوعية بمنطقة المنارة كما تمكن مقداد الخليفي من تنفيد عملية فدائية بمزارع شبعا وقد قام كل من عمر قطاط وفيصل الحشايشي وسامي بن الطاهر الحاج علي وكمال البدري وأنور اللجمي بدورهم بعمليات نوعية استهدفت مراكز الدوريات الصهيونية وهكذا قدم التونسيون العديد من الشهداء الذين روت دمائهم الزكية الأرض الفلسطينية.
اختلط الدم التونسي بالدم الفلسطيني سوآءا بفلسطين أو بتونس بالتحديد في حمام الشط عندما استهدف سلاح الجو الصهيوني مقر القيادة العامة لمنظمة التحرير الفلسطينية وتم تصفية أحد كوادرها خليل الوزير.
إن القضية الفلسطينية كانت ولا تزال الهاجس الأول للتونسيين وهي تقريبا أهم القضايا التي توحد كل مكونات المجتمع التونسي على اختلاف مشاربهم الفكرية والأيديولوجية وخاصة القوى التقدمية منها. لذلك نجد القضية الفلسطينية حاضرة في أدبيات أغلب الأحزاب السياسية حتى بعد انتفاضة 17 ديسمبر-14 جانفي 2011 إذ عبرت أغلب الأحزاب التقدمية عن مساندتها للقضية ونادت بضرورة ادراج فصل في الدستور التونسي يجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني إلا أن القوى الرجعية اليمينية أبت دون ذلك نظرا لارتباط مصالحها مع دوائر الامبريالية وعلى رأسهم الحركة الصهيونية.
لا يزال الرأي العام التونسي يهتم بمشاغل قضايا الأمة وعلى رأسهم القضية الفلسطينية وهذا الاهتمام نابع من قناعة أن لا تحرر دون تحرير كامل الأراضي الفلسطينية المغتصبة من قبل العصابات الصهيونية.
 
 


 
1-خليل عبد الغفار(عادل): الاعلام والرأي العام، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، كانون الثاني-يناير 2003.
2-الزهرة”بيان لرئيس لجنة الدفاع عن فلسطين”، ب تاريخ14-05-1948.
 
3-الزهرة”من كلمة علي البلهوان في المؤتمر العربي الإسلامي لحماية فلسطين”، بتاريخ06-12-1947.
4-النهضة”الأستاذ القليبي في القاهرة “, بتاريخ 10-01-1948.
5-الزهرة”من كلمة الشادلي بلقاضي في اجتماع جامع الزيتونة”, بتاريخ 07-12-1947.
6-الحرية عدد07 مؤرخ في 23-05-1948.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: