في التّلاعب الذكوريّ بعُقول النّساء

img

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاص وناشطة حقوقة نسويّة

في التّلاعب الذكوريّ بعُقول النّساء 

 

وأنا بصدد كتابة هذا النصّ، سأتخبّط في سطوره كما يحلو لي. إنهُ إحدى مساحاتي الحرّة التي أنطلقُ فيها راقصةً. إنه الحديقة التي أستلقي فيها عاريَةً وأنا أغمض عينيّ متخيلة أني أطيرُ عاليًا في سماواتٍ أخرى، قد تتلوّن بألوان قوس قزحٍ أو ألوان أخرى لا أعرفها أو ربّما بإمكاني أن أراها تتضمّخُ بلوحاتٍ فنيّة تعجبني على غرار بعض لوحات فنسنت التي تُشعرني بالإرتياح : لوحة ليلة النجوم و لوحة عبّاد الشمس .

أريدُ بداية أن أتوجه بالقول للبعض ،من الذين يصوّرون أنفسهم أصنَامًا، بأن يعتبروني مجنونة. أو فليعتبروا نصّي بمثابة رقصة الدّيك المذبوح . أريد أن أخبرهم بأن يبذلوا مجهودًا جبّارا في رسم صورة لي، قد تتماشى و نظرتهم التقليدية للغضب النسائي على غرار العديد من الإنفعالات الأخرى .

في الحقيقة، إنّني لا أخجل من تغيّر قسمات وجهي حين أنفعلُ، بل وأعتبر كلّ ذلك مسألة طبيعية قد يتعرّض لها المرء ولعلّ العديد من النساء -ومن أصدقاءنا خاصّة منهم النسويّون- قد يلاحظوا/ن أننا في مجتمعٍ قد يعيرّك بتعبيراتك الإنفعالية، بنبرة صوتك حين تتغيّر وقت غضبكِ، قد يشكّك في أنثويتكِ ربّما، بالإضافةً إلى إطلاق أسماء ذكريّة بدل تسميتك بإسمك، وكلّ ذلك يمثّل محاولة منهم لإحباطكِ و لتجميدك حتى ينزّلوا صورتك –فيما بعد- مُرْفقةً بصورة حجرٍ وقد كُتبَ أعلاها : جد الفوارق السبع، بعد أن نجحوا في الحدّ من حيويّتك.

إنّ إنفعالاتي كإمرأة ،إذن، هي واحدة من ميكانيزمات التواصل، كما أنها إحدى آليّات الدفاع، إلى جانب كونها ترتبطُ إرتباطا وثيقا بما يسميّه بعض العلماء بالذكاء الوجداني الذي يمكن أن ينشّط قدرتنا على الإبداع لتنعكس بذلك على كلّ ما يمكنُ أن نُنتجه، وهو ما يحوّلنا إلى كائناتٍ منتجة بالفعل، لا كائنات مستهلكة وفريسة للحاجة، تلك الفريسة الملقاة في مغامرة قاسية على حدّ تعبير سيمون ديبوفوار.

إنّه فنّ التحكم بالمشاعر الإنفعالية من خلال القدرة على التنفيس عن الجانب الباطن لكلّ فردٍ وعدم قمعه، ثمّ ملاءمته لتلك الأنا حتى يتصالح الإنسان مع نفسه، ليُحوّل في ما بعد تلك الإنفعالات إلى أفكار جديدة و أنشطة إبداعية وعمليّات خلقٍ .

ريشة فنسنت تلوّن بالأرجوانيّ أجسادنا وأرواحنا هكذا أرى  كلّ إمرأة في هذا العالم. و في الحقيقة ذلك ما رسمه المجتمع بلَكماتِه من خلال كلّ تلك الجرائم التي ارتكبها في حقّ النساء ، لأنّه تعوّد على التّفنن في تزيين قُبح الواقع الذي حصرنا فيه.

كيف يمكن أن نُجاري كلّ هذا الخراب؟ كيف يمكن أن نشيّد ،في كلّ مرة، رُكام المدن بداخلنا إثر محاولات إختراقنا، إختراق تفكيرنا و إختراقُ أجسادنا؟

فعلا هاته الأسئلة مرهقة جدّا و يمكن أن تتطرحها كلّ إمرأة حتى وإن تكتّمت عن الإعلان عنها ، للحدّ الذي يمكنك فيه أن ترى نظرة باهتة في أعين كلّ اللواتي مررن على نفس الصراط بعد أن أقنعوهم بأنّ السهول الممتدّة وهي ترتدي الخضرة، سوداءَ و وضعوا أسلاك شائكة تفتك بأقدام كل ما لمعت عيونهنّ حين رأين جمال الحرية.

قال لي أحدهم ذات مرّة وفي جلسةٍ واحدة وكأنّه يريدُ أن يتقيّأ كلّ كبته دُفْعةً واحدة عديدَ الجُمل، سأخبركم ببعض ما رسَخ منها  في ذاكرتي : “زوجتي الآن حين أخبرها بأن الحليب أسود اللون، تقول لي أجل إنه كذلك… أنت نسوِيّة فلماذا لا أضاجعك ؟ ألا تؤمنين بحريّة الجسد؟… إلى متى وأنت زاهدة في الجنس؟ هل ستتحولين إلى قسّ ؟… هل أنت تنتمين إلى الحركة الإخوانية؟ وإذا كنت العكس، فلما لا تمارسي الجنس معي (إنّ عقله البسيط هنا لم يطرح السؤال حول إذا ما كنتِ معجبة به أو تميلين له جسديّا حتّى، لأنه يفترض أن كلّ إمرأة يلتقي بها لا تمتلكُ حرية الإختيار وأنها مجرد إناء يُفرغ فيه شهوته ويمرّ ) … أنا أكره زوجتي ولكنّني أفضّل عدم تطليقها لكي لا يشمت بي المجتمع وفي ذات الآن إنني أقيم علاقات جنسية مع نساء أخريات دون أن أصارحها بذلك… صحيحٌ أنني مدخّن ولكنّني أتقزز من كلّ إمرأة تدخّن لأن ذلك يفسد أنوثتها ويحوّلها إلى ذكرٍ…”.

وفي الحقيقة هذا نموذجٌ متكرّر ونسخة من عديد النّسخ الأخرى التي قد تُمضي لقاءً كاملاً وهي تحاول تحليل شخصيتك، وقد يُثارُ نقاشا كاملا حولَ جسدك أو تفصيلةً صغيرة منه، وكأنّ أجسادنا شمّاعةً لفراغاتهم الفكريّة و نقصهم المعرفيّ. فلا يكادُ يخلو لقاء مع أشخاص يحملون نفس الرؤية تجاه النساء ولا يكرّرون فيه نفس الجمل المبتذلة التي يمكنك من خلالها أن ترى كم يحتقرون المرأة وبالتالي كم يحتقرونكِ لأنك مختلفة عمّا يتوقّعون منك أن تكونيه.

بإمكانكَ أن تتخيّل ،بالتالي، العدد الهائل للذين يفكّرون هكذا، للذين يروْننا متلخّصاتِ في أجساد و عواطفَ لا غير. قد يضحك أحدهم حين يراكِ غاضبةً حتّى، وقد يوعزُ ذلك لإقتراب عادتِك الشهريّة. إنّهم يتفاجؤون و يُذعرون لرؤية إمرأة في حالة إنفعالٍ وقد يضعون خططا بأكملها لترويضها، متناغمين بذلك مع العقلية السائدة للمجتمع و التي تصل إلى تعيير أيّ إمرأة -قد يعلو صوتها غضبا- بالفسقِ. لذلك، فإنّه من المهمّ أن تطّلعي على سلوك المناورين (les manipulateurs)، الذين يحاولون التلاعب بعقلك من أجل “صقلِك” وفقًا لما يتماشى مع تحقيق مصالحهم الذاتية.

في إحدى المرات كتبت إحدى الناشطات النسويات على صفحتها الفيسبوكيّة بأسلوب ساخر :”أنا عذراء ولا أشرب السجائر ولا أحتسي الخمور… فهل أعتبرُ نسويّة ؟ هل تعتقدون أنني متحرّرة؟. وكان ذلك بمثابة الصاعقة بالنسبة للبعض الذي ما انفكّوا يحاولون تقزيمها واعتبارها نسويّة زائفة.

لكم أن تتصوّروا بعد إطلاعكم على إحدى لوحاتي الأرجوانية التي عبرتُ عنها بكتابة هاته الكلمات ، مدى بشاعة الكون بالنسبة لنا نحنُ النساء ، إننا في صراعٍ دائم مع هاته الأفكار لتزيين هذا العالم حتّى لا نُصبحَ يائساتٍ من تغييره.

إننا يوميّا في حاجة لإثبات أنّنا موجودات رغم إستبطاننا لهذه الفكرة تماما. ووفي المقابل تبقى  المجتمعات التي لازالت ترزخ تحت أجنحة الذكورية السامة ،والتي تحاولُ إسقاط تاءَ التأنيث عمدًا، تسعى دائما دحرَ وجودنا حتى يبقى حاملو الفكري الذكوري الأبوى يعوُون وحيدون، و يرموْنَنا -فيما بعد- بالفشل والضّعف وبكلّ التعييرات التي يختارونها.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: