الدين و الفلسفة: الترياق المنشود

img

الدين و الفلسفة: الترياق المنشود

بقلم :محمد الباسط، المغرب

ما من مصيبة تنزل بقوم إلا وشرع الناس في التساؤل حول الأسباب الكامنة وراءها. جملة من الأسئلة تتبادر إلى الذهن من قبيل ما الذي دفع بهذا لفعل هذا الشيء ؟ ولماذا فعل هذا هذا ؟ أسئلة تبدو الإجابة عنها مستعصية للوهلة الأولى بيد أن الجواب عنها يبقى بديهيا و لا يتطلب تفكيرا معمقا لبلوغه. بعيدا عن المزايدات الإيديولوجية و المغالطات التي يتم تمريرها على حساب ذوي العقول الضعيفة التي تفتقد للحس النقدي، يمكن الجزم أن الترياق الأمثل و الأنجع لمداواة الجروح التي أصابت المجتمع العربي بصفة خاصة و المجتمع الغربي بصفة عامة يكمن في عنصرين أساسيين متكاملين ألا و هما الدين و الفلسفة.                 فكل من يزعم أن “التربية” وحدها هي أساس ارتقاء وتخلف الفكر الإنساني واهم. فالتربية باعتبارها فعلا يقوم على أساس تقويم سلوك الإنسان و توجيهه تبقى متغيرة بتغير الزمان و المكان، إذ لا يمكن ضمان استمرار التربية البتة نظرا لتأثر الإنسان بمحيطه و بمجموعة من العوامل المتداخلة فيما بينها الاجتماعية منها و الاقتصادية و الثقافية. فإذا كانت التربية غير مسئولة عن الفعل الإنساني أخلاقيا كان أو لاأخلاقيا فمن المسئول إذن؟ يتساءل القارئ في حيرة من أمره.                                           جوابا على سؤال القارئ، يمكن القول إن المسئول المباشر عن كل ما يحصل في المجتمعات من انتهاك و خرق لحقوق الإنسان هو غياب “الوعي” لا غياب التربية. فإذا كانت هذه الأخيرة نتاجا لتدخل الغير في توجيه سلوك الفرد فان الوعي يظل المحدد الرئيسي للفعل الإنساني إذ يتم بناءه بطريقة ذاتية محضة دونما تدخل مباشر للغير. إن التأمل في تصرفات الآخرين و تحليلها بطريقة فردية يضفي على الذات نوعا من الاستقلالية وذلك بتحررها من كل ألوان الوصاية التي يمكن أن تحد من قدراتها المخزنة داخلها،  و لا تتم هذه العملية التي تبدو معقدة نوعا ما ظاهريا إلا عن طريق تلقين الإنسان أبجديات الحس النقدي و فسح المجال أمامه لطرح تساؤلات حول ما يقع في المجتمع. لهذا يبقى الهدف المنشود هو تربية الفرد على تربية وعيه.                  و لكن ما دخل الفلسفة و الدين في كل هذا؟ يبادر قارئ ثان بالسؤال.  لا يخفى عن احد أن للدين تأثير كبير على الفكر الإنساني كونه حث على إطلاق العقل من أسره ودفعه للتأمل في ملكوت السماوات كما انه أتى بمجموعة من القواعد و التوجيهات التي كان لها فضل غزير في تنظيم حياة الأفراد. فأهم شيء وهبه الله تعالى للإنسان و الذي ميزه عن باقي المخلوقات المتواجدة على ظهر هذه البسيطة هو العقل. إن ملكة العقل تعتبر بيئة خصبة لبناء و بروز الوعي) و لإنجاح هذه المهمة يفترض بالإنسان القيام بوقفة مع الذات و لا يتسنى هذا إلا باللجوء إلى الفلسفة التي تساهم في تحرر الذات من انطوائيتها و بالتالي سعيها إلى التفكر في الغاية من وجودها. فهذا خير المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم كان يختلي في غار حراء، بعيدا عن قومه بغية تأمل و تدبر الوجود و كذا التفكر في الكون عن طريق التساؤل حول الغاية من الوجود و الهدف المنشود من الحياة. و بهذه الطريقة صار الرسول صلع الله عليه و سلم يعي رويدا رويدا الهدف من وجوده و يقيم تصرفات الآخرين بناء على معايير منطقية وجيهة. فالعقل البشري يرفض كل ما هو مناف للأخلاق، اللهم إذا كان الإنسان يعاني من اضطرابات خارجة عن نطاق السيطرة. لا يختلف اثنان في أن تشكل الوعي عند الإنسان يمر عبر مرحلتين أساسيتين قبل بلوغ مرحلة النضج أو الاكتمال. فالتفلسف يقوم على تقييم الفعل الإنساني  تبعا للمعيار الأخلاقي مرورا بخطوة أولية ألا وهي استحضار الأفكار المكدسة في العقل و إخضاعها لتشريح موضوعي ممنهج. إن دور الفلسفة يتجلى في كونها ذاك المثير الذي يحفز الذات على إيجاد أجوبة للتساؤلات التي تؤرق مضجعها. و هنا يبدأ الفرد بتقييم كل ما يحيط به و العمل على استخلاص النتائج استنادا إلى الملاحظة و التجربة. إن القاتل قد يتراجع عن فعله في آخر لحظة إذا ما هو استحضر كامل وعيه قبل شروعه في القتل، و المغتصب بدوره قد يكبح جماحه و شهوته إذا قيم فعله الجرمي الشنيع قبل الإقدام عليه.) هذا كله يتحقق إذا كان الإنسان غير خاضع لمؤثرات قد تسهم في فقدانه التحكم في تصرفاته كتناوله لمخدرات قوية أو إصابته بالجنون مثلا.                                      

 لتحقق هذه الغاية المنشودة (بناء الوعي) وجب خلق توافق بين التوصيات التي جاء بها الدين و التي توصي بالتفكر و التأمل في الوجود باستخدام العقل وكذا الغاية الاسمى التي جاءت لأجلها الفلسفة و المرتكزة بالأساس على الحس النقدي التنويري الذي يكون له دور حاسم في تكوين الوعي الإنساني. عندما يجتمع هذان المكونان السحريان أو بالأحرى عندما يمتزج استخدام العقل بالحس النقدي نحصل آنذاك على فرد قادر على اتخاذ القرار المناسب الذي يتوافق مع الأخلاق، فلا يجب أن يكون الفعل الإنساني وليدا للتقليد الأعمى  و إنما يجب أن يكون ثمرة لمجهود فردي مبني على أسس منطقية نابعة من العقل الخالص. و من كل هذا يتضح لنا جليا المكانة التي تلعبها الفلسفة كمكون رئيسي في بناء شخصية الفرد و تحرير فكره من تبعات الوصاية بالموازاة مع الوازع الديني الذي يبين للإنسان الحدود الفاصلة بين ما هو صالح و ما هو طالح.                                                                 

مقارنة موضوعية بسيطة بين المجتمعات العربية و المجتمعات الغربية تظهر لنا ايلاء هذه الأخيرة أهمية قصوى للفكر الفلسفي الشيء الذي أفضى إلى بناء وعي إنساني مرتكز على الحس النقدي القوي. في حين أن الفئة الأولى _عوض المزج بين الدين و الفلسفة في البرامج التربوية و في المنظومة الحياتية_ قامت بالفصل بينهما مهمشة إلى حد ما الفلسفة و الفكر التنويري. الأمر الذي جعل الأجيال القادمة تكون هجينة و السبب راجع إلى تطعيم العقول الفتية و حقنها بأفكار جاهزة و تقديمها على أساس أنها من المسلمات التي يمنع إخضاعها للانتقاد أو التفنيد و عدم تمكينها (الأجيال) من صنع مناعة فكرية ذاتية. إن اصطدام الإنسان بواقع معاكس تماما للواقع الذي تم ترسيخه وتصويره في مخيلته جعله يتمرد على تلك الأفكار التي تم تلقينها إياه محاولا تفجير مكبوتاته والتخلص من الشوائب المتراكمة في ذاته.  إن الفكر الفلسفي هو ذلك النبراس الذي ينير العقول و يخرجها من قفص الوصاية مضفيا عليها طابع الاستقلالية.  لقد قامت الدول الراقية بالمزج، في مناهجها التربوية و الحياتية، بين تعاليم الدين و التربية النقدية بغية تكوين ناشئة قادرة على تحمل المسئولية و اتخاذ القرارات المناسبة بعيدا كل البعد عن عملية التلقين والشحن التي تعتبر العقل البشري كخزان لمجموع الأفكار أو المعتقدات المراد فرضها على الناشئة لنية في نفس يعقوب. و من هنا يتبين لنا بوضوح ذلك الشرخ الشاسع بين الدول المتقدمة و الدول النامية. فالأولى استثمرت في الرأسمال البشري، في حين أن الثانية اكتفت بالدعوة إلى التركيز على الجانب الديني_أنا لا أوجه هنا أي انتقاد للدين بالعكس فأنا أحاول أن أثير انتباه القارئ إلى كون الدين يستلزم استخدام العقل لا الانجراف خلف تلك الإيديولوجيات التي تسعى إلى تدمير و تقويض الروح البشرية مرسخة في الأذهان ثقافة الشفقة و الضعف. تجدر الإشارة هنا إلى أن الديانات الموحدة الثلاث جاءت من اجل تمجيد العقل و السمو بهذا الكائن البشري إلى أعلى المراتب. نظرة خاطفة للتاريخ ( اخص بالذكر هنا الحركة الإنسية و عصر الأنوار) تبين لنا أن اغلب التيارات الفكرية سعت إلى الاهتمام بالإنسان و تبويئه منزلة هامة في الكون. فالتحدي الذي رفعه المفكرون و الفلاسفة يكمن في تكوين إنسان واع بذاته أتم الوعي ومستقل وقادر على الإبداع وفق المعايير الأخلاقية التي حددها الدين_فلا تعارض بين الدين و الفلسفة_ و كلما حرصت الدول النامية على التفريق بين هذين المكونين الأساسيين كلما دمرت الأجيال القادمة بهذه المخططات العقيمة.                

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: