الدراما التلفزية التونسية:ماذا خلف تكرار شخصية ” المنحرف الطيب”؟

img

الدراما التلفزية التونسية:ماذا خلف تكرار شخصية ” المنحرف الطيب”؟

الباحثة في علم الاجتماع: إيمان الغربي

 

 

 

تزامنت كتابتنا للجزء الأخير من دراستنا حول صورة الأسرة والعائلات التونسية في الدراما التلفزية1 مع انطلاق البرمجة الرمضانية  و ما أثارته من مواقف تجمع بين الإقبال المكثف و الاستنكار داعمة راهنية الموضوع وإشكالاته.

وبما أن الأعمال الدرامية التلفزية التونسية موسمية، فإن هذه الندرة التي تميز إنتاجها من شأنها أن تفسر نسبيا تعطش المتفرج التونسي في كل سنة من شهر رمضان للإقبال على مشاهدتها وفي كل سنة ينصدم جزء من المشاهدين ببعض الصور والشخصيات الدرامية البعيدة عن النماذج الواقعية على تنوعها والتي تقوض المعالم البارزة للشخصية القاعدية التونسية.2 فالسلوكات التي تسلكها هذه النماذج تعكس عنفا3 ينبذه عدد من التونسيين، حيث عبرت نسبة هامة من عينة البحث الميداني في إطار دراستنا الكيفية حول مضامين الأعمال الدرامية التونسية و تأثيرها و تأثرها بالواقع والآراء حولها أن ما يعرض من حكايات ومواضيع وشخصيات لا تمثل واقعهم.

فإذا اعتبرنا أن الدراما التلفزية هي في جانب منها محاكاة للواقع أو انعكاس له، فهذا لا ينفي دورها الريادي في تغيير السلوكات والمعايير الاجتماعية. من ذلك التركيز على تقديم صورة عن منحرف طيب، وهو الفرد الذي نجده يمارس جلّ أنواع العنف على المحيطين به، يهابه الكبير والصغير، يهوى النساء والجنس ويسعى لجمع الأموال بشتى الطرق والأساليب اللامقبولة اجتماعيًا كالتجارة غير المشروعة وبيع المواد المخدرة.. لكنه في الآن ذاته يطيع أمه ويسعى لإرضاءها وحسن معاملتها، يساعد المحتاج والفقير يقدم يد العون لأبناء حيه السكني..

يبين هذا التناقض في سلوك النموذج الدرامي المعروض، والذي يتجاوز مستوى الشخصية المعقدة أو المركبة، تضاربًا في القيم والضوابط الاجتماعية المعروفة في المجتمع التونسي، مما يزيد من جدية المشكل ويثير حيرة واهتمام المتلقي.
ولنا في الدراما التونسية نماذج عديدة عن هذا الخلط المعياري، نذكر منها شخصية شوكو في مسلسل “مكتوب” وشخصية زاك في مسلسل “نجوم الليل” وشخصية على شورّب في مسلسل “شورّب”.. والذي آثار جدلا عاما ونقاشا واختلافا في الوسط النقدي الفني، هذه السنة، خاصة وأنه يحضى بنسبة متابعة جماهيرية عريضة. مما يدعو أيضًا للتسائل حول الهدف وراء تكرار هذه الشخصية، وما مدى انعكاساتها على المشاهد التونسي. إذ لا يمكننا اليوم التغاضي عن تنامي تمظهرات العنف في الفضاء العام والخاص والواضح في صفوف الأطفال والشباب بصفة خاصة.
و كمثال لتأثير المادة الإعلامية المعروضة على المتلقي، نذكر حدثا أثار ضجة في شهر رمضان 2018، وتناقلته وسائل الإعلام بكثرة، حول الطفل الذي قتل صديقه تأثرا بمسلسل “على شورّب” في معتمد بني خلاّد بولاية نابل التونسية. حيث وردت في تصريحات الأطفال الذين كانوا يلعبون مع الجاني والضحية أن طفل الـ12 سنة قام بقتل صديقه البالغ من العمر 16 سنة طعنا بآلة حادة، تأثّرا بالمسلسل الرمضاني “شورّب”. إذ أن العنف المصور ليس مجرد انعكاس للواقع، بل انه يساهم في صياغة وإعادة إنتاج عنف أخطر وأعمق. وإلى جانب تقمص الشخصيات ذات المرجعية اللامعيارية والفوضوية، والتي لا تخضع للقوانين التي يحددها أفراد المجتمع التونسي، نجد أن المتلقي يستنسخ أقوالهم وأساليب عيشهم وحتى لباسهم.. فقد أصبحنا نلاحظ لباس ما يعرف بالدنڨري بكثرة، تأثرا بمسلسل “على شورّب” السابق ذكره. كما تفاقمت ظاهرة الوشم اثرا عرض مسلسل “أولاد مفيدة”، السنوات الفارطة.. هذا التأثير وإن يصر البعض على إنكاره، إلا أننا نلمس تمظهراته على مستوى سلوك و ممارسات شريحة كبرى من المجتمع. ولعل ذلك ما يعطي مشروعية ووجاهة لإخضاع الأعمال الدرامية للتفكير والتحليل والنقد السوسيولوجي، فتأثير أحداث وقصص درامية، لا تنتهي مع الحلقة الأخيرة من العرض بل تتواصل عبر ما نقلته من أفعال وتصرفات اجتماعية… كما أنها تساهم في هدم وإعادة إنتاج وخلق قيم ومعايير جديدة. من جانب آخر، تعمق الدراما التونسية من أثار الوصم الاجتماعي لهذه الشخصيات، فهي تعتبرها خطيرة على المجتمع، وتتعامل معها بنوع من العنصرية و الإقصاء وذلك عبر نعتهم بالصفات الدالة عن “الأخطاء” والأفعال التي ارتكبوها و تضخيمها حتى تختزل جل الأبعاد الذاتية لهم. مثال على ذلك “باندي”، “خاليقة”، “فأر حبس”، كل هذه العبارات من شأنها أن تخلق حاجزا بين هذه الفئة وبين أفراد المجتمع. كما تجعل المنتسبين إليها غير قادرين على التجاوز والاندماج معهم. مما يفقدهم نسبيا القدرة على التواصل الاجتماعي مع جلّ المحيطين بهم ويجعلهم أكثر عزلة أو أكثر انحرافا وعنفا. فنبذهم وخروجهم من الشبكات والدوائر الاجتماعية من شأنه أن يجعل شخصياتهم هشة أو أن يزيد من نقمتهم وعجزهم عن الاندماج في المجموعة..
في الأخير، يمكن القول أن الشخصيات المطروحة في الدراما الاجتماعية التلفزية خاصة منها شخصية المنحرف الطيب، لا تعكس مجرد أفعال وسلوكات ونمط عيش لشخصية مستوحات من الواقع بقدر ما تساهم في إعادة بناء شخصيات جديدة بأقوال وتصرفات وأساليب مختلفة، عادة ما تكون أكثر عنفا. وهي تشكل بالتالي مرجعا يقتدي به المتلقون خاصة منهم فئة الأطفال والشباب. كما أنها تهدم المنظومة القيمية التقليدية، ولا تضع بديلا لها إنما تؤسس نوعا ما للاقيمة.
ــــــــــــــــ
 الهوامش

1 تندرج هذه الدراسة الكيفية في إطار الإعداد لأطروحة في ماجستير في علم اجتماع: التغير الاجتماعي واستراتيجيات التنمية، بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية والاجتماعية، للباحثة في علم الاجتماع إيمان الغربي، تحت إشراف الأستاذة سمية عبد اللطيف، بعنوان صورة الأسرة والعائلات التونسية في الدراما التلفزية: مكتوب وأولاد مفيدة نموذجا، والتي اعتمدنا فيها على تقنية تحليل المضمون والمقابلات مع مجموعة من الممثلين والمخرجين وعينة بحث تضمنت 20 فردًا من أجناس وأعمار وأوساط اجتماعية مختلفة. وهي تسعى لكشف التحولات التي طرأت على الأسر التونسية على مستوى نظام العلاقات والمرجعيات القيمية، عبر الأعمال الدرامية التي تبرز هذه التطورات. وفهم مدى مطابقة الصورة المطروحة في الدراما التلفزية مع الواقع الاجتماعي وتأثير كل منهما في الآخر.

2 المنصف وناس،الشخصية التونسية محاولة في فهم الشخصية العربية، الدار المتوسطية للنشر 2014.

الشخصية القاعدية التونسية: هي محصلة تراكمية من الضغوط ومن الاكراهات والضغوطات الاجتماعية والنفسية والعائلية والثقافية من جهة ومن الاختيارات والتجارب الشخصية والخلق وتجاوز هذه الحتميات من جهة أخرى. ويعرفها كاردينار بأنها بنية نفسية واجتماعية مميزة خاصة بأفراد هذا المجتمع أو ذاك يعبرون عنها من خلال نمط معيشهم ولهم أن يضيفوا إلى هذا التشكل خصوصياتهم وتلويناتهم وطباعهم. كما تعرف بأنها تركيبة نفسية وذهنية وثقافية وسلوكية تتميز، حسب السياقات المختلفة، بعدد من الخصائص التي تعبر عن نفسها من خلال تنظيم نمط الحياة والعلاقات الاجتماعية. فهي مجمل المواقف وردود الفعل التي تستند إلى تراكم نفسي واجتماعي محدد، فتجد هذه الشخصية ميالة أكثر إلى الحوار والتعامل المرن والقبول بالاختلاف مع الآخر، في حين تكون الشخصية الأخرى، على النقيض من ذلك، ذات نزعة عدوانية وميالة أكثر إلى الحسم السريع والعنيف والى علاقات متوترة مع الآخرين.

3 بمختلف أبعاده: النفسية والجسدية والجنسية.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.