الخوف من أجساد النّساء…خوف من الحريّة

img

فاطمة بن مفتاح
الخوف من أجساد النّساء…خوف من الحريّة

 

بقي الجسد الأنثوي في ظل المجتمع البطريركي التمييزي حبيس للمعايير الأخلاقية وللموروث الثقافي الذي يضفي عليه صبغة الخصوصيّة …خصوصيّة تسمح بالتدخّل في الجسد وطرق التعبير عنه وعن تمثّلاته الخاصّة.

فرض الوصايا على أجساد النّساء …متى بدأ ؟

اقترن ظهورالملكيّة الخاصّة للأرض والتحوّل من مجتمع الكفاف إلى المجتمع الطبقي بمحاولة فرض الوصايا على أجساد النّساء والحدّ من حرّيتهنّ وحصر أدوارهنّ في الأعمال الثانويّة.
فبالعودة إلى التاريخ نجد أن فرض الوصايا على أجساد النّساء أولده ظهور بوادر الملكيّة الخاصّة للأرض وقيام المجتمع الأبوي وبالتالي ظهور الحاجة لمن سيرث هذه الأرض.
إذ كان لبدّ من افتكاك نسب الأبناء الذين كانوا ينسبون سابقا إلى الأم ففرضت العفة على النساء وحدهنّ وللرجال أن يختاروا من الزوجات والخليلات ما يشاؤون مادام ذلك لا يضر بملكيتهم الخاصّة للأراضي.
هذا الاضطهاد ذو الطابع التاريخي غير المتأصّل في الطبيعة البشريّة ولا الطبيعية للنّساء ولا يعبّر عن ماهيّة أزليّة ولامتناهية، هو نتاج للمجتمع الطبقي التمييزي القائم على التراتبيّة والتفاضليّة، وهو قابل للتحليل والتأصيل والتفكيك والتغيير إذ يقوم بوجود الأساس المادي لقيامه ويندثر باندثاره.

كلّ ما نزلت مرتبة النّساء درجة … كلّ ما زاد الحصار على حيواتهنّ الخاصّة

المرأة هي الآلهة القديمة التي يرغبها ويرهبها في آن واحد الرجل البدائي، ارتفعت سابقا مكانتها وكانت كلمتها العليا نظرا لدورها الاقتصادي والانتاجي الهامّ فكانت الآلهة عشتار البداية… انتهاءً إلى الجميلة القوية اللات والعزى فالكاهنة الامازيغية الشجاعة،ومع سيطرة الذكر على السماء انسحبت على  الأرض وبدأ استعباد النّساء وانتهاك حقوقهنّ والحدّ من حرّيتهنّ.
في محاولة للحفاظ على ذهاب الميراث للأبناء، فرض الحصار وقنّن قمع أجساد النّساء وكلّ ما نزلت مرتبة النّساء درجة كلّ ما زاد الحصار إلى إن أصبح حصارا على حرّية النّساء في تفاصيل حيواتهن الخاصّة.
حتى تجلّى في فرض الوصايا على لباسنا وسلوكنا كنساء بما هو أحد أشكال التعبير عن الذات الذي أصبح مع المتدينين والأخلاقيين ورعاة الخصوصيّة الثقافيّة المتبلدة محطا للنقاش وللتدخّل الفجّ ومزيد إنتاج العنف والتدخّل في حرّيتنا وعدم احترام لكينونتنا وأجسادنا وتمثّلنا الخاصّة له.

الجسد …الحرّية

إنّ التعبير عن الجسد وبالجسد ثنائيتان يراد قمعهما خوفا من الجسد الأنثوي.هذا الجسد المخيف للسلطة البطريركية والمزعزع لعرش الآلهة والأديان السماويّة المنبثقة أساسا من مجتمع ذكوري هو المحدّد الأوّل لمدى تمثّل المجتمع لمفهوم الحرّية.
تستعمل كلّ الوسائل لقمع الجسد والتدخّل فيه من منطلق عقائدي يستمدّ شرعيته من الدين والخصوصية الثقافيّة وكل أشكال الأيديولوجيا المجتمعة على أجساد النّساء المرعبة للسلطة الذكوريّة.
الحرّية بما هي مطلب إنساني متقدّم غير قابل للتجزئة هي حريّة الجسد وحريّة الاختيار وحريّة السلوك … مادام لا تعدّي فيها  على حريّة وحقوق الآخر.

الحريّة هي تمثّلي الحرّ لذاتي بشكلها ومضمونها، بجوهرها ومظهرها.
وتتعدى الحريّة تعبيري عن ذاتي إلى اعتناق وتطبيق المبادئ باستقلاليّة…بإرادة حرّة  تمكنني من اختيار حرّ لا يخضع للضغط أو لتسلّط إرادة أخرى على اختياراتي.

وكلّ تجزئة أو محاولة إملاء للسلوك أو الوصايا على الأشخاص تحت أي مسمّى هو عدم احترام لقرار الفرد ولإرادته ولحياته الخاصّة.
فحريتي هي قراري… حرّتي هي إنسانيتي التي يجب أن أحياها إحساسا وموقفا.

 

الانسياق وراء حرّاس القيم

في مجتمع يقوم أساسا على قوّة دفع متعدّدة للخطاب السلبي …يعكس التأثر بخطاب العنف والتدخّل الفجّ في حريّة الأشخاص نوع من انخفاض مستوى تقدير الذات التي تنظر لخطاب القوّة وللخطاب العنيف كملهم لإشباع للنقص الذاتي، فتتبّعه من أجل صناعة موقف يتماهى معه ومع الوعي الجمعي المترابطة عناصره والمتلازمة والمكوّنة لنسق عام تحاكى فيه الأراء وتصنع فيه العواطف وتخمد الحريّة خوفا من الرفض والوصم الاجتماعي وطلبا للاعتراف.
فرسمنا لملامح صورنا الذاتيّة وتشكيل شعورنا تجاه أنفسنا يشمل تقيمنا لجوهرنا ومظهرنا، لأفكارنا وأحاسيسنا وسماتنا الشخصيّة وطرق التعبير عن ذواتنا كما نريد وكما نراها دون وصايا من أحد ودون وصايا على أحد، هو محدّد أساسي لمدى رضائنا على ذواتنا وعدم انسياقنا وراء خطاب العنف والتضييق على حريّتنا.
فالحريّة هي تلك القيمة التي أحصل عليها عند حصولك عليها أيضا ومادمت تقمع حرّيتك فلن أكون أنا حرّا… وأنا لست حرّا مادامت حريتي أستمدها من قمعك.

فكما يقول ديبريه استقلاليتك المعتزّة تسمح باستقلاليتي المعتزّة، أعط تعط.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: