الخمر في جزيرة جربة : دور السياحة في انحصاره او انتشاره

img

الخمر في جزيرة جربة : دور السياحة في انحصاره او انتشاره

بقلم : جمال قصودة 

الخمر او المشروبات الكحولية أو روحية هي مشروبات مسكرة – -تذهب العقل – تنقسم الى نوعين : المخمّرة ( مثل البيرة  او النبيذ الابيض و الأحمر ) و المقطرّة ( كالويسكي و الكونياك و غيره ) اغلب المشروبات المقطرّة و لارتفاع نسبة  الكحول فيها تعد ّ من ” ماء الحياة (  eau de vie )  و استنادا لتقاليد  شرب هذه الخمور-و التقاليد هنا مرتبطة ارتباطا وثيقا بالاكل-  يمكن  تقسيمها الى ثلاث عائلات: العائلة الاولى هي apéritif boisson وهو الشراب الفاتح للشهية و عادة ما يكون من عائلة  anisette وهو مشروب كحولي معطّر برائحة البسباس ومنه    ( anisette و  pastis )  تشرب هذه النوعية قبل الاكل عادة ، العائلة الثانية وهي ما يشرب اثناء الاكل ،هي في الغالب من النبيذ بأنواعه الثلاث  الابيض و الاحمر و الوردي (le vin blanc rouge et rosé )  اما العائلة الثالثة وهي متعلقة بالهضم و تعرف باسم المشروبات الهاضمة – ان صح التعريب- digestif boisson و عن تجربة في السياحة اعتقد ان الايطاليين من اكثر الشعوب الاوربية التي تهتم بشرب هذه النوعيّة من المشروبات لارتباطه بطقس مقدّس بالنسبة اليهم وهو شرب القهوة بعد الاكل هذه القهوة في حد ذاتها قد تكون بالكحول فتسمى بالايطالية café courito وهي قهوة سريعة تضاف اليها قطرات من الكونياك او في حالة تعذر وجود الكونياك – في تونس عادة ما نضع البوخا –  من المشروبات الهاضمة   Thibarine  اما كمنتوج تونسي من نفس العائلة فنذكر Cédratine طبعا دون ان ننسى اهمهم و هو الكونياك cognac ،

هذه بسطة موجزة حول المشروبات الكحولية و الخمور و تقاليدها  لا نزعم ان ما جاء فيها حقائق مثبته و لكنه ما علق بالذاكرة من تجربة شخصية في العمل كنادل بحانة في جزيرة جربة بالجنوب التونسي زمن عطالتي  و انتظار الانتداب و لكن هذه الملاحظة  لا تنفي المعلومات لان التجربة طريق المعرفة و لان التجربة ايضا عميقة و متاصلة في بلد كانت السياحة همّه الشاغل لهذا اذكر انّ اغلب النزل كانت بالاضافة للتدريب التطبيقي توفّر دروسا نظريّة في فنون السياحة ، تلك الدروس التي تعرّضت لها و عمّقت علاقتي بشغلي حينها .

نعود لموضوع مقالنا المتعلق بالخمور في جزيرة جربة و علاقته بالسياحة ، بداية نقول  ما من جماعة بشرية الا و قد عرفت الخمور و المشروبات الكحولية برغم تحريمها في عالمنا  الاسلامي و لكنها سابقة للاسلام و لم تنقطع بتحريمها وتواصلت و ربطها هنا بالسياحة لايعني الاقرار بان السياحة من جلبت الخمور الى جزيرة جربة  قطعا لا ، و لكن خصوصية هذه الجزيرة الواقعة بحوض البحر و المتعلق نشاطها بالسياحة جعل  تواجد الخمور تاريخيا يتطور و ينحصر بتطور النشاط السياحي او بانحصاره ، هذا المبحث قد يكون مبحثا انثروبولوجيا  لاهل الاختصاص لان هذا العلم هو علم دراسة الانسان عبر التاريخ و هذه الظاهرة و لاننا من غير اهل الاختصاص سنحاول تلمّس تطوّرها في نفس هذا السياق :

  • ” المونط” سابق للسياحة :

كلمة  ” المونط “هذه  لا اعرف هل هي  منتشرة في كامل جزيرة ام متعلقة بمعتمدية ميدون فقط و لكني قادر على تاكيد وجودها في ميدون ، لا نعلم الحقيقة سرّ التسمية و لكننا نعلم دلالتها ،”المونط” هو مكان في الغابة قد يكون تحت زيتونة او نخلة او تحت “طابية” و الطابية هنا حد ترابيّ يقارب ارتفاعه متر و نصف يفصل الاراضي عن بعضها البعض ،يتخذ معاقري الخمور هذه الاماكن النائية مقرّا لجلساتهم بعيدا عن الانظار و العيون و نذكر هنا بعض الاماكن التي بقيت عالقة بالذاكرة خاصة في قرية المحبوبين –لاني منها-  “مونط نخلة امّك تمنة ” ،” مونط” الغطسة ( الواقع بين المحبوبين و غرفان في بني معقل ) و”مونط” جنان الصبّار” ثمة ايضا اماكن اخرى مشابهة و مستحدثة  وهي الموجودة في غابة “مزراية “و اغلب تلك الاماكن احدثت في علاقة و في ارتباط بتوفر الخمور ، الاولى الموجودة في المحبوبين كانت في علاقة باحد رموز بيع ” اللاقمي”  وهو روح و عصير النخيل المسكر ايضا فكانت امكنة جلوس معاقري الخمر قريبة منه و من بيته و نذكر انه كان يوميا بدراجته النارية (موطوبيكان) يوزّع منتوجاته على جميع  الجلسات ، اما الامكنة الثانية و المتمركزة في غابة” مزراية ” فهي ايضا مرتبطة ايضا بوجودها في طريق الذهاب او العودة من و الى ” الجزيرة” وهي نقطة البيع  القانونية  الاولى و الاهم  بالجزيرة ، تلك الجلسات  المتركزة في الغابة كان يؤمّها الشيوخ ( ما فوق 40 سنة ) في تسعينات القرن الماضي و كما ذكرنا مزوّد تلك الجلسات كان ايضا شيخا طاعنا في العمر و يحمل كنية ” المعتمد”  ووجود هذه الشريحة العمرية دون غيرها ربما يعود سببه للسياحة لان اغلب شباب المنطقةكانوا حينها يشتغلون في السياحة لهذا فطقوس شربهم لا تحتاج ذاك التخفي او الهروب من المجتمع لان المنطقة السياحية توفر لهم متسعا ، اما الشيوخ فلا خيار امامهم غير المونط ، اغلب ما يشربه الشيوخ حينها هو” اللاقمي” الذي كان يوضع في جرار من القلاّل –نسبة لقلالة- وهي جرار من الفخار قادرة على المحافظة على برودته ، ثمّ تراجع وجود الجرار لصالح الاواني البلستيكية ” بيدون” ذا سعة  خمس لترات ، و في حالات اخرى قليلة قد يتوفر النبيذ الاحمر ،  تلك الجلسات رافقتها الكثير من الطرائف و رافقها ايضا الشعر الذي كان حاضرا موثّقا للحظة التاريخية و من وجد فيها عبر نصّ كتبه الفقيد محمد قصودة ( كمبا) وهو عمّي ،بقيت القصيدة الى الان شاهدة على المونط و من كان يزوره كل مساء فيقول:

كلّ مرّة تدرز موطور و تنزل منها الشخصيات “

“عرعورة” و ناصر بودور ” و معاهم ” عمّار المجعاط”

يا ولاّ سكرة ” زبوّرة” ” الغنوشي ” طايح في دورة

يقول ميّت عنده نهارات

كلّ مرّة تدرز موطور و تنزل منها الشخصيات “

النصّ طويل و تضمن اغلب الاسماء التي كانت ترتاد ” المونط” و لكنّ ما ورد فيه من كلمات نابية جعل انتشاره يقتصر على الفئة العمرية الاكبر منا سنّا دون ان نغنم منه غير هذه الابيات القليلة .

  • “غزوة” النبيذ الأحمر:

تلك الجلسات كنا صغارا نراقبها من بعيد لتواجدنا من قربها باعتبار وجود ملعب كرة القدم في نفس الغابة لا بل كنا نزورها بعد انتهاء الجلسات ،بحثا عن بعض النقود التي قد تسقط منهم و من الطرائف التي وقعت لي ، ان بعض ابناء القرية الكبار و من سوء حظّهم اني لاحظت مخبأ قوارير نبيذهم الأحمر الذي  وضعوه تحت نخلة قريبة من الملعب استعدادا لجلسة المساء و لكن هذا الفتى الشقيّ-كاتب هذه السطور- انهال علي القوارير بالحجارة فجعل التراب أحمرا قانيا و كلّه سعادة ،تلك السعادة التي ستنقلب ليلا الى دموع و بكاء اثر “طريحة ” من العم الذي اخبروه ابناء القرية بفعلتي الطفولية  .

  • من” اللاقمي” الى” السحنتي” الى “البوخا المقطرة ” :

شرب الخمر كاي ظاهرة اجتماعية تتطوّر و تتأثر بمحيطها و ما يحصل فيه ،كما ذكرنا تاريخيا و مع كثرة النخيل بالجهة كان “الاقمي” المشروب الاولّ و الاكثر انتشارا ، و جرّاء تدفّق الكثير من ” القوابسية ” ابناء محافظة قابس و خاصة منهم “الحوامية ” –نسبة الى حامة قابس ايضا” ازدهرت بالجهة صناعة اللاقمي  بل تطوّرت باتجاه الاسوء لكثرة الطلبات فصرنا نتحدّث عن ” السحنتي ” و” السحنتي” في ظاهره “لاقمي ” او يقدّم على اساس انه لاقمي و لكنّه في الحقيقة غير ذلك فلاعلاقة له بعصير النخيل فهو ارز مخمّر و السوء هنا في طرق تخميره التي حيكت حولها الكثير من الاحاديث فثمة من يقول ان عملية تخمير تتم عبر وضع انبوب قارورة الغاز في الارز المخمر و فيهم من يقول ان التخمير ايضا يتم عبر وضع ” الجوارب المتّسخة ” ، و للتمويه باعتبارالنشاط كان محرمّا قانونيا  كان احد بائعي هذا النوع يخمّر الارز في فسقية تحت الارض ربط فوقها حماره لكي يعسر على الامن ايجاد مكان ” السحنتي ” المخمّر ، ما علاقة كل هذا بالسياحة ؟ طبعا هجرة ” القوابسية ” الى جزيرة جربة كانت هجرة من اجل العمل في السياحة و ما ترتب عنها من ابداع في مجال الخمر كان نشاطا موازيا تراجع بسرعة بعد نفور الكثير من  الناس لما تواتر حول هذا ” السحنتي” من وسخ و طرق متّسخة في اعداده ،تراجع وجود “اللاقمي “و “السحنتي” فتح الباب امام نوع اخر من الخمور المقطّرة من التمور خاصة او بعض الغلال فعرفت بالبوخا ” و البوخا مشروب كحولي تونسي من ابداع يهودي خالص و لكن بعض ابناء الجهة الذين كانوا في العاصمة –جبل الاحمر- عادوا الى مدينة ميدون و ابدعوا في بيع هذا النوع من الخمور التي انتشرت بالجهة .

  • سياحة “الانكلوزيف ” (inclusif) و انتشار “سرقات” الخمر في النزل :

في تسعينات القرن الماضي كان العامل في السياحة لا تتاح له اي قطرة من الخمور المتوفرة بالنزل الحالة الوحيدة المتاحة هي ان تصلك قارورة كهدية من سائح و الخروج بها من باب النزل يتطلب تصريحا مكتوبا من نفس السائح ، فبرغم توفر الخمر في الحانات كان محرما على  العملة و التحريم هنا مردّه طريق العمل التي تعتمد على  ” دوزاج”  مقنن حسب نوعية الخمر او الكحول  وفي ارتباط بتقاليد شربه هذا يعني ان قطرة زائدة  او ناقصة تجعل العامل بالحانة محلّ مساءلة ، مع تغيّر نوعية السياحة في بداية الالفية الثانية اذ صارت تشمل كلّ شيّ السكن و الاعاشة و الشرب ، تحولت اغلب الحانات الى حانات مجانية بلا مقابل –طبعا للسواح دون غيرهم- هذا الهامش من التصرّف جعل امكانية سرقة القوارير متاحة للعمّال ،  هذا الامر الذي جعل ابناء المنطقة يبتدعون طقسا احتفاليا جديدا في استعدادهم لافراحهم ، هذا الطقس هو تجميع القوارير التي يطلبونها من اصدقائهم الذين يعملون في السياحة استعدادا للاعراس ، و من الطرائف التي وقعدت ان احد العاملين بنزل ما في حفل زواجه زاره رئيسه المباشر فوجد ان   عامله لم يقتصر على اخراج قوارير الخمر فقط من النزل بل اخرج ايضا الكؤوس .

  • اللحظة الراهنة :تواصل “المونط ” بمشروبات” الانكلوزيف” :

لان انحصر و صار نادرا وجود ” اللاقمي” بالجهة  و لان افتك الشّباب مكان الشيوخ  لا بل تراجع عدد الشيوخ الذين يعاقرون الخمور بالجهة  بشكل ملفت للانتباه مقارنة بتسعينات القرن الماضي الذي كان المونط يقتصر عليهم ، و اسباب التراجع قد تعود الى القنوات  الدينية التي ظهرت في بداية الالفية ، ” المونط ” ما يزال المكان المحبّب لابناء معتمدية ميدون كلّ في قريته او غابة قريته و لكنه بمشروبات في غالبها مجانية كهدايا- مسروقة- من الوحدات الفندقية  . هذه الامكنة التي حافظت على وجودها برغم زخم الحانات و الملاهي الليلية او الكباريهات التي صارت متاحة للجميع بعد ان كانت في التسعينات القرن الماضي مقتصرة على البرجوازيات و اصحاب الدعوات و الكل يذكر الجملة التي يشعر امامها شباب المنطقة بـــ ” الحقرة ” وهي جملة ” كوبل و الا كارط ” ، برغم هذا الانفتاح شباب المنطقة يحن الى  ” المونط” و لا يلتحق بالحانات او الملاهي الا بعد جلسة في ” المونط” ذاك الالتحاق ان حصل من باب الرفاه اذا توفّرت الاموال  اواذا لم يحصل فهو من باب  الاضطرار لعدم القدرة على مجاراة الاسعار.  اذا ” المونط” بالجهة  من البدائل الشعبيّة التي ابتدعها الشيوخ هروبا من المجتمع و واصل فيها الشباب كضرورة للبطالة و عدم القدرة على ارتياد الوحدات الفندقية او الحانات .

 

 

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً