الخطاب الديني: انحباس المعنى وطغيان مخططات التدمير

img
الخطاب الديني: انحباس المعنى وطغيان مخططات التدمير
بقلم :الدكتور عمر بن بوجليدة
أحيطت النصوص ومؤسّسات الاعتقاد والشأن الديني عامّة بهالة قدسيّة وتجللت بأردية من الثبات والرسوخ متينة ونسب لها من المعاني السرمديّة والقيم المطلقة ما لم ينقطع توارثه حتى تراءت هذه النصوص لا تاريخيّة وغدت غير متعالقة بالإنسان وباتت دلالاتها متعالية، بمنأى عن كل ما يطرأ على الفكر البشري من تبدّل وتحوّل. ولمّا انبث الشك فيما كان الناس يرونه يقينا، وانفتحت ممكنات للفهم عديدة ومسالك للقراءة لم يسبق وطؤها، أضحى تركيبهم النصّيّ مصدرا لضروب من الخلط الزمني فإذا البون بين فهومهم المبتكرة وبين تصوّراتهم القديمة أو ما انغرس في نفوسهم على قدر من الاّتساع كبير.
ولأنّ أغلب المآسي ترتكب في غلوّ مسرف باسم التعصّب للإلهي والدينيّ، طفق مسيّرو أملاك التقديس، أولئك الذين غرّهم من غموض المعنى ما غرّهم وفتنوا به فتونا أذهلهم عن حاضرهم، يبسطون صنوفا من الاستحواذ على مختلف تمثّلات الدين وتمظهراته وطقوسه و مخزونه الرمزي كما لو أن أرض الفكر لم تكن واسعة فيتفسحوا فيها. فضلا عن أنّ المسألة ترتبط باحتكار الحقيقة وتعتمد على سلطة الوحي وتتكئ على دغمائيّة التفكير. وقد ظنوا أنّهم متى ضيّقوا في الأسئلة حالوا دون “المؤمن” ومسعاه إلى فهم ذاته بمزيد فهم نصوص إيمانه.
في هذا المستوى بالذات ستتجلّى أشكال متطرفة للانسحاب من الدنيويّ تسلك مسالك النجاة في انتظار أن يتصالح العالم مع الله، وسيستبين أن فعل العنف ليس يكون مجرد قوة بل وتأثير في كل مرة على أنفسنا وفي الأشياء وفي الآخرين.
حينئذ، وظفت قوى نافذة، طاقات هائلة لإنجاز مهمّة خطيرة ودقيقة، تتلخّص في قهرالفكر النقدي بل تمّ في مستواها، تجاوز أفق الكلمة والمهيب والجليل والمعنى لتقيم عوالم اللامعنى ومملكة الرعب، و لا يمكن في الواقع إرجاع هذه العوامل إلى ثقافة بعينها فهي كذلك ظواهر مصاحبة للحداثة ، ذلك أن العنف وسيلة لتحقيق أهداف إستراتيجية قادرة على توظيف كل ما يخدم مشروعها بما في ذلك توظيف الخطاب الديني الحامل الأساس لهذا الرصيد والعامل على نشره وإعادة إنتاجه.
إنّنا إزاء جماعات تحمل غلّا تاريخيّا وردود فعل متطرفة وحادة، إزاء انقلاع عنيف – مفترض ورمزي – واجتثاث غير رحيم من أنماط الحياة التقليدية، ترجم في أنحاء من الفعل الفظيع وتعطش للدماء وإطاحة بالعدد الهائل من الضحايا والأبرياء، فالحقد والتطرف والشراسة وقد استمكنت من النفس والوجدان، لم تترك إمكان مجاوزة مخططات التدمير. وتلك انعطافات وفواجع كان لابدّ للتاريخ أن يشهدها. فقد بدأ “المؤمن” يعيش اليتم بانقطاع الوحي وانسحاب الإلهي وقد خيّم الصمت على الكلمة فما عاد الربّ قادرا على التدخل المباشر وانفتح الوجود على ممكنات شتى تزاحم النص/ الأصل وتشاغب العقل التقليدي وفي مستواها يكون الإنسان فعّالا لما يريد.
إلا أنه لا يجدر بنا أن نتغافل عن حال من التأرجح بين هذا المرتبط بالشأن الإنساني في نسبيّته وذاك المتعلق بالنصيّة الدينيّة الإيمانيّة التي حجّرت تقصّي معناها البعيد فغشيتها غمامة طمست الآليات وركّزت على المضامين. فما هي الأشكال التي ظهر عليها الشرّ /العنف والتطرف؟ وما هي علاقته بالأساطير والنصوص والمقدس ؟ هل ثمّة من يملك الحقّ في التأويل ومن لا يملك هذا الحقّ؟ وإن كان ذلك كذلك، فمن يمنح الحقّ ومن يحجبه؟ ما علاقة ذلك بالقوّة والسلطة والمصالح والصراعات وأحاديّة المعنى ؟ ولأيّ ذنب نحرم متعة الوقوف عند فيوضات المعنى وتعدد التأويل وغزارة الحقيقة ؟
 
ومتى ما أهملنا وأغفلنا واقع الإذلال والانسحاق والغبن الذي تعيش عليه مجتمعات لم تشف بعد من جراحات الكولونيالية والنزعة التوتاليتارية والمتخيّل الممجد المنخرط في معارك وصراعات الماضي، نالنا من وقوع المكروه بنا وبلوغ المحذورات إلينا، ما لا ينتظر.
وليس الرأي عندي حلا ممكنا لهذا المأزق، إلا بناء دولة القانون والمؤسسات القائم على التعاقدات التاريخية و قراءات لنصوصنا جديدة – وقد استوت في صورة تقاليد وذهنيات وبنيات ثقافية آسنة -، عنوانها الإصلاح الديني تنوّع الأدوات وتطوّر الأسلوب وتبتكر أسئلة للواقع في ضوء المتغيرات والنوازل والمستجدات التي تصنع تحديات لم نألفها “وإن أسخط قوما وشق على آخرين، فسيرضي هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدّة المستقبل وقوام النهضة الحديثة”
وبالتالي إننا في عوز شديد إلى إعادة ترتيب أولويات أنفسنا وفي حاجة ماسّة ومستعجلة لأن نشغل بأسئلة العصر ومسائل الحياة وما الحداثة إلا مسار لا متناهي من الدمقرطة والعقلنة والتحرر.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: