الحوار مع الأستاذ عبد اللطيف الحنّاشي: ملحق منارات عدد ماي 2017

img

اعداد : الدكتورة سعدية بن سالم 

(نشر للمرة الأولى في الملحق الثقافي منارات جريدة الشعب ،تونس ماي 2017).

تمهيد:

 ضيفنا لهذا العدد مؤرّخ وعالم في مجاله، لا يقف عند الأحداث بل ينظر في ما خفي من أسبابها ويحلّل بعين الناقد المعطيات الماديّة ليصل إلى النتائج الدقيقة والمقنعة ومن ثمّة يستشرف المستقبل، عرف ضيفنا باهتمامه بقضايا الرّاهن وبالتحوّلات السياسيّة والفكريّة التي يشهدها العالم المعاصر كما عرف باهتمامه بالشأن النقابي وبالحركات العمّاليّة وهو إلى ذلك منشدّ إلى القضايا الوطنيّة والعربيّة وعلى رأسها القضيّة الفلسطينيّة، دون أن نغفل عن انشغاله، ومساهمته، في الشأن الثقافي وكان ناشطا فاعلا في مهرجان قابس الدولي لأكثر من عقد ونصف العقد.

 ضيفنا لهذا العدد هو الأستاذ عبد اللطيف الحنّاشي، ومعه كان هذا الحوار:

 

  • الأستاذ الحناشي وهو يدرّس التاريخ السياسي، هل هناك تاريخ سياسي موضوعي أم أنّ جانبا كبيرا منه لا يعدو أن يكون مجموعة من الإسقاطات الذّاتية والأيديولوجيّة؟

تخضع الكتابة التاريخية  العلمية إلى مقاييس محددة و تستخدم منهجا أو منهجيات مختلفة وعلم التاريخ ككل العلوم الإنسانيّة والاجتماعية يخضع لنسبيّة  تقديراته  ونتائجه غير أنه قد يتميز بصرامة أكبر في سرديّاته ومقاربات “نتائجه” باعتباره يستند لعدة مصادر مكتوبة(أرشيفية أو منشورة) وشهادات ومراجع مختلفة بالإضافة إلى العلوم الساندة …ويستخدم المؤرخ كل ذلك بحذر شديد  ويبذل جهدا كبيرا لمكافحة مصادره ومراجعه حتى لا يقدم مقاربة مثخنة بالأيديولوجيا وحتّى لا تتحكّم الأنا في تشكيل السّرديّات  والرّؤية…وبشكل عام يمكن القول أن المؤرّخ يجتهد بالاستناد للأدوات التي ذكرنا، حتى يقدم  قراءة  أكثر موضوعيّة وأكثر تماسُكا بعيدا عن التوظيف السياسي أو الأيديولوجي…

  • تعود اليوم إلى الواجهة مسألة كتابة التاريخ في تونس. فما رأي الأستاذ الحنّاشي في الجدل القائم في الغرض.

الجدل القائم حول كتابة التاريخ أمر طبيعي جدا بل هو مطلوب ومؤكد. فكلّ البلدان التي تعرف تحولات عميقة في نظامها السياسي تحاول أن تعيد النظر في الكيفية التي تم بها توظيف الكتابة التاريخية سياسيا. وفي الأنظمة الأحاديّة الاستبدادية، باسم الاشتراكية أو القوميّة أو الوطنية، يقدم مؤرخون رسميون مقاربة تاريخية تخدم الزعيم الأوحد  أو الحزب  ويتمّ التأكيد على أحداث  معيّنة تعطي نوعا من “الشرعية التاريخية  والنضالية للحزب أو الزعيم، وتغيّب أحداثا وشخصيات برغم أهميتها. ولذلك نعتقد أنّه من الضروري، ونحن نعيش في ظل نظام ديمقراطي ناشئ جديد،  أن  يتجدد النقاش والحوار والجدل بين المؤرخين حول العديد من القضايا  التي ظلت ملتبسة من تاريخ تونس المعاصر والرّاهن  وإعادة النظر في قراءة بعض الأحداث برؤية نقدية جديدة.  ومن الضروري ابتعاد رجال السّياسة عن هذا الجدل  وعدم توظيفه في الأجندة السياسية

  • وأنتم المحرّر الرئيسي لتقرير “المناصرة لكشف الحقيقة في إطار العدالة الانتقاليّة” كيف يرى الأستاذ الحناشي المسار الذي اتّخذته العدالة الانتقاليّة في تونس اليوم؟

أصل هذا العمل هو بحث ميداني(تم خلال سنة 2013) تحت إشراف الجمعية التونسية لقانون التنمية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتونس وشمل ثلاث ولايات(جندوبة وقفصة ونابل)  وسبر رأي أكثر من 2400 مواطنا ذكورا وإناثا..وقد توصلنا لمجموعة من النتائج الهامة لا يتسع المجال هنا للتذكير بها رغم أهميّتها..وما يؤسف له أنه وبرغم تخصيص أموال تكاد تكون خياليّة من قبل  منظمات دوليّة وبعض الدول من أجل التهيئة لانجاز هذا المسار   وتجسيده في الواقع وتحقيق النتائج المرجوة غير أنّنا إلى الآن وبعد إقرار وزارة ذات علاقة بالموضوع (وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية التي تم إحداثها بموجب أمر عدد 22 لسنة 2012) وانطلاق الحوار الرسمي حول  المسالة منذ أفريل 2012 فان هذا المسار للأسف يبدو الآن “متراخيا”. بل هناك من يسعى لتوظيفه أحيانا أو تجاوزه أحيانا أخرى بطرح بدائل لا ترتقي لما هو مأمول ..ونعتقد أنّ عدم إقرار العدالة الانتقالية بكل أبعادها وشروطها  يعارض عملية الانتقال الديمقراطي في العمق  وهو ما يتيح إنتاج المنظومات السّابقة لما قبل الثورة ويهيئ على المدى البعيد إلى انفجارات اجتماعية وسياسية

  • أيّ دور يراه الأستاذ الحناشي للحركة العماليّة في الرّاهن الوطني؟

الحركة العمالية الوطنية التونسية حركة عريقة ومناضلة على المستوى الاجتماعي والوطني منذ أن برزت وتدعّم دورها هذا مع تطوّر البلاد، وهي تميزت، وتتميّز، بقدرتها على التجدد بتجددها  وبالتّفاعل الايجابي مع المفاهيم  النقابية الجديدة والتفاعل الايجابي  مع التحولات التي يشهدها المجتمع التونسي والحركة العمالية خاصة. وأعتقد أنّ دورها الوطني سيزداد ويتسع مع ضعف الأحزاب وهشاشة بنيتها وعدم قدرتها على التّمدّد اجتماعيا وجغرافيا  وعدم قدرتها على معالجة المشاكل الحيويّة ومنها  إقرار منوال تنموي جديد يتناسب وواقع البلاد الجغرافي وإمكانيتها الاقتصادية والبشرية من ناحية ومع تزايد المشاكل الاجتماعية  وتعقدها في إطار عولمة  الاقتصاد الرأسمالي الوطني والأجنبي من ناحية أخرى… أمر يتطلب من الحركة العمالية تطوير آليات عملها وتوسيع الممارسة الديمقراطية داخل مختلف هياكلها وإدارة شؤونها الإداريّة والماليّة بأكثر شفافية.

  • يرى بعض الدارسين (الأستاذ التميمي) أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل أخلّ بدوره الوطني حين رفض المشاركة في الحكومة. فماذا يرى الأستاذ الحناشي في هذا الأمر؟

  الدكتور الأستاذ عبد الجليل التميمي أستاذي وصديقي وزميلي وفضله كبير على عشرات الطلبة  من كافة دول المغرب العربي .كما أنّ مجهوداته العلمية(عبر مؤسسته الخاصة) تبدو فريدة في تونس والعالم العربي..غير أنّ ذلك لا يمنع من الاختلاف معه حول هذه المسالة بالذات. فالاتحاد لعب دورا أساسيا بل مركزيا في الثورة ومجراها ثم في عملية إنجاح الانتقال الديمقراطي على الأقل في جانبه السياسي. وساهم الاتحاد في صياغة “وثيقة قرطاج” وربما كان له رأي غير مباشر في تركيبة  حكومة.. وأعتقد أنّ ما قام به هو واجب وطني، أما تخطّي ذلك بالمشاركة المباشرة في الحكم فهو أمر يتجاوز تقاليد العمل النقابي(شارك الاتحاد في الحكومة الأولى وفي ظروف مختلفة تماما عن الظروف الحالية أقلها عدم وجود تعددية حزبية…) بل وظيفة النقابات. كما أنّ سلبيات  مشاركته المباشرة في الحكومة أكثر من ايجابياتها على المستوى النقابي والسياسي العام في إطار نظام ديمقراطي تعددي …

  • صرّحت لجريدة أسبوعيّة أنّ الحكومة الحالية في حاجة إلى دعم المجتمع المدني في هذه الفترة. علامَ بنيت حكمك وأيّ حلّ ترى للرّاهن السياسي في تونس في ظلّ كلّ ما يحدث؟

رأيي هذا يستند لفهمي لخصوصية الانتقال الديمقراطي الذي يتطلب الحد الأدنى من التوافق بين مختلف الفاعلين في الشأن الوطني من جهة وخصوصية الواقع الذي نعيشه والذي يتمثل خاصة في حجم ونوع وتعدد المشاكل التي تعيشها البلاد  ولا  قدرة لهذه الحكومة أو لغيرها على تحمّل وزر الأزمة الحالية التي تعيشها البلاد باعتبارها وليدة تراكمات سابقة بعضها يعود إلى النظام السّابق وبعضها تتحمّله الحكومات التي جاءت بعد الثورة  ولا نعتقد أنّ طرفا لوحده بإمكانه إيجاد حلول لما تعانيه البلاد من مشاكل مركبة بل المسؤولية يتحملها الجميع والوطن ينادي الجميع للمساهمة في صياغة التصورات والآليات الكفيلة لحل هذه التعقيدات”

كما أنّ تواصل خطر الإرهاب بالتوازي مع  هشاشة الوضع الإقليمي و تداعياته  “الكارثيّة” على البلاد(ليبيا تحديدا)امنيا(الإرهاب) واقتصاديا واجتماعيا كل ذلك يدعو للعمل جميعا في الحد الأدنى للخروج من هذه الأزمة…

  • الحركات الاحتجاجية المتنامية في الجهات الدّاخليّة، كيف يقيّمها الأستاذ الحنّاشي؟

أولا هي حركات شرعية تعبّر عن عمق معاناة مواطني الجهات الداخلية كما أنّ أسلوبها السّلمي ومطالبها تشي بدرجة تقدم الوعي  السياسي لدى القائمين بها والمشاركين فيها…غير أنّ بعض المطالب تبدو ذات صبغة تعجيزيّة لا تعبّر بالضرورة عن الاحتياجات الحقيقية لأهالي  تلك المناطق بقدر ما تعكس «مطلبيّة سياسيّة» قد تسيء لنبل تلك الحركاتـ ولم يعد يخفى اليوم انه ثمة أطراف سياسية/حزبية  تعمل على» مزيد تأزيم الوضع والتوسيع من دائرة المطالب  من ذلك المطالبة بالاستفادة من عائدات الثروات الطبيعية  الموجودة في بعض المناطق  … ما  قد يكرّس النزعة الجهوية  والتباغض بين الجهات والمناطق ويعلي من منطق «العقلية القبلية» وهو أمر يتناقض والوحدة الوطنية ومنطق الدولة الواحدة ويكرّس الولاءات الفرعية على حساب الولاء للدولة  والوطن الواحد. فكل الموارد الطبيعية  والمؤسسات الاقتصادية –خاصة أو عمومية)هي  ثروة وطنية وليست على ملك جهة بعينها.

  • كيف يقيّم الأستاذ الحنّاشي ظاهرة الإسلام السياسي وتداعياتها؟

يجب التمييز بين المفردتين  أو المفهومين: فالإسلام كدين وثقافة وحضارة وتاريخ وقيم هو ثابت. أما التوظيف السياسي للإسلام فمتحوّل. لذلك برزت مدارس واتجاهات مختلفة ومتباينة لما يعرف بالإسلام السياسي وإن كان الجذع أو الأصل واحد. وهذا الأمر ينطبق على كل الأيديولوجيات فالاشتراكية مثلا والماركسية والقومية العربية مدارس واتجاهات وتجارب. وتاريخيا “الإسلام السياسيّ”بصفته السلفية البدويّة كان سابقا لكل المدارس وإن تفرعت عنه السلفية الإصلاحية “التنويرية” لدى الأفغاني  ومحمد عبده وعبد العزيز الثعالبي، غير أنّ هذا التيّار ونتيجة لتحالفه الموضوعي مع الاستعمار، خلفه، بعد انهيار الدولة العثمانية، الإخوان المسلمون منذ سنة 1928 في مصر وفي بعض الدول العربية (سوريا 1936 – 1937 والعراق سنة 1949 وليبيا …) كرد فعل على التحدي الذي مثله الاستعمار الأجنبي للدول العربية.

و نعتقد أنّ الإسلام السياسي كما سبق أن صاغه سيد قطب  قد انتهى. وكان الباحث الفرنسي “أوليفية روا Olivier Roy”، قد أصدر قبل 20 سنة كتابا يحمل عنوان “نهاية الإسلام السياسي” وهذا “الموت”تجسد أكثر بعد الثورات العربية. في المقابل برزت عدة مقاربات تدعو للفصل بين الدعوي والسياسي  والحديث عن الإسلام الديمقراطي ( الأستاذ راشد الغنوشي  والبيان الختامي للمؤتمر العاشر لحزب النهضة الذي تبنى هذا المفهوم) وفي موازاة كل ذلك برز “مشروع فكري جديد” يعرف  ب”ما بعد الإسلامويّة” وأهمّ منظّريه الإيراني آصف بيات (ما بعد الإسلاموية: الأوجه المتغيرة للإسلام السياسي” تحرير: آصف بيّات، ترجمة: محمد العربي – نشر دار جداول 2016)، ويتأسس هذا المشروع على دمج التديّن بالحقوق، والإيمان بالحرية، والإسلام بالتحرّر. أي التأكيد على الحقوق بدلا من الواجبات، ووضع التعدّديّة محل الواحديّة وهي محاولة ل”مزاوجة الإسلام والاختيار الفردي والحرية، على اختلاف درجاتها، من ناحية، والديمقراطية والحداثة من ناحية أخرى..” و طرح قريب من المسيحية الديمقراطية  التي كانت بداياتها أواخر القرن التاسع عشر ثم تطورت إلى أحزاب بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. المهم أنّ هناك جدل فكري  وجهد نظري داخل بعض المجموعات التي كانت تتبنى مقولات  “الإسلام السياسي”للخروج من المأزق الذي وصلت إليه تلك المنظومة على مستوى الخطاب والممارسة واعتبر أنّ ذاك ايجابي في حد ذاته لتلك المجموعات  وللفكر السياسي على مستوى الوطن العربي.

يؤكّد جون زيغلر في كتابه “الانهيار الشامل Destruction Massive  ” أنّ الإصلاح الهيكلي للاقتصاد الذي تفرضه صناديق النقد هو خطوة في اتجاه تفقير الشعوب ووضع اليد على أمنها الغذائي خاصّة. فهل تعتقد أن تونس ستشهد مصير هايتي والنيجر وزمبيا مثلا؟ وأيّ حلّ لمواجهة تغوّل الامبريالية الجديدة؟

   تعتبر تونس من بين “دول الجنوب”التي اعتمد في “تنميتها الاقتصادية والاجتماعية”بُعَيد الاستقلال على القروض من المؤسّسات البنكية الصديقة ومن مؤسسات النقد الدولي(صندوق النقد والبنك الدولي..) وكان ذلك خيار الدولة الوطنية التونسية التي انحازت منذ البداية إلى المعسكر الغربي وقد ازداد الاعتماد على تلك المؤسّسات منذ أوائل  السبعينيات من القرن الماضي والاندماج في الاقتصادي العالمي(قانون تشجيع الاستثمار الأجنبي 1972-1974) أمر ترك اقتصادنا حبيس شروط تلك المؤسّسات وخيارتها الاقتصادية  والاجتماعية التي تتغير بعد كل عقدين تقريبا  من ذلك خضوع البلاد لأول مرّة سنة 1986 إلى ما يسمّى ببرنامج الإصلاحات الهيكليّة لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي…وإن كان من الصّعب أن تصل تونس لما وصلت إليه  بعض الدول كهايتي والنيجر وزمبيا لأسباب  موضوعية فان ذلك لا يمنع من القول أنّ مواصلة ارتباط خيارات تونس الاقتصادية  بتلك المؤسسات سيعمّق الأزمة لكن دون أن تصل إلى منتهاها…ونعتقد أن صياغة مشروع تنموي جديد يتماشى مع إمكانيات البلاد الطبيعية والبشرية بعلاقة بجوارها الجغرافي قد يساعد على تخفيف الارتباط بتلك المؤسسات فالمسالة تبدو معقدة جدا في مناخ العولمة والرأسمالية المتوحّشة.

  • يشهد العالم تحوّلات سياسيّة كبرى ظهرت في صعود “ترامب” للسلطة في أمريكا وفي ترشح “لوبان” للدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة في فرنسا. فإلامَ يؤشّر هذا الوضع وكيف يقرؤه الأستاذ الحنّاشي؟

بالفعل العالم(الغربي أو المتقدّم..) يشهد تحولات على مستويات  مختلفة ومنها سياسية واستراتيجيّة  بالتّوازي مع ظاهرة بروز “زعامات” سياسية لا علاقة لها بالمؤسّسات الحزبية التقليدية اليمنيّة واليساريّة المعتدلة أوالاشتراكية الاجتماعية وحتى اليمين كما حال ترامب(رغم انتمائه للحزب الجمهوري غير أنّ “بارونات” الحزب عارضوا توجهاته وسحبوا منه الثقة)  والرئيس الفرنسي الجديد ماكرون  الذي أسس حزبا جديدا(إلى الأمام) في أوت 2016   وتمكّن في وقت قياسي من التحول إلى رئيس فرنسا… أمر يشير إلى ترهّل الأحزاب السياسيّة وتراجع دورها من ناحية، وتحول السلوك الانتخابي للمجتمع وتنامي ظاهرة العزوف عن الممارسة السياسية بشكل عام من ناحية ثانية، لكن مقابل ذلك نلاحظ تزايد تقدّم اليمين وأقصى اليمين بأشكال ومضامين جديدة لا علاقة لها بالمدارس القديمة في العالم بشكل عام وكل ذلك سيؤثر بتفاوت في استراتيجيّة السّياسية الدوليّة في ظل صعود قوى جديدة (الصين…) ويبدو أن العولمة والتوحّش  بمختلف مدلولاتهما وأشكالهما المختلفة  التي تولدت عنهما سيتّسعان ويأخذان أبعادا جديدة  جغرافية ومضمونية …

  • كيف يقيّم الأستاذ الحناشي وضع تونس في ظلّ الواقع الإقليمي والدولي المتغيّر وإلى أين نسير؟

تونس تمر بفترة حرجة على جميع المستويات وهو أمر يبدو طبيعيا نسبيا باعتبار أنها تعيش مرحلة الانتقال الديمقراطي بل يمكن القول أنّ بعض البلدان التي مرّت بالتجربة كدول أوروبا الشرقية أو  البرتغال أو اسبانيا وبعض دول آسيا  قد عانت أضعاف أضعاف ما نعاني نحن اليوم في تونس.. التجربة التونسية رائدة في العالم وهو أمر يجب  الوعي بأهميته إذا قمنا بالمقارنات العلمية واعتبار بعض الخصوصيات الجغراسياسية. ولا بد من الإدراك أن تداعيات ما حدث في المنطقة العربية ككل كان ثقيلا على تونس  وخاصة ما حدث ويحدث في الشقيقة  ليبيا سواء من الناحية الاقتصادية(إغلاق اغلب المؤسّسات التونسية في ليبيا وتراجع إنتاج عدد هام من المصانع التي كانت تصدر لليبيا وتضرر القطاع الصحي من توقف أو تراجع عدد الوافدين المرضى وتراجع السياح اللّيبيين) ومن الناحية الاجتماعية (تقلص عدد العمال والفنيين والخبرات التونسية العاملة في ليبيا) ومن الناحية الأمنية (مثلت ليبيا قاعدة آمنة للإرهابيين التونسيين الهاربين أو النّاشطين…) وباعتبار ما تولد عن العمليات الإرهابية التي حدثت في سوسة أو متحف باردو وساهمت بشكل رئيسي في تراجع حاد لتدفق السياح الأوروبيين خاصة. هذا بالإضافة إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية نتيجة  تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية القانونية وغير القانونية(بصرف النظر عن شرعيتها) وتراجع إنتاج الفسفاط. …ومن المهم أن نذكّر أنّ تونس استرجعت بعضا من عافيتها منذ سنتين وهو أمر تؤكده الدبلوماسية التونسية التي اتسمت بحركية لافتة…ومن المهم أيضا أنّ  الاحتجاجات، ذات الطابع السياسي والاجتماعي، ظلت في سلمية  ولم تنزلق إلى العنف السياسي كما ظل الحوار بين مختلف الأطراف السياسية  والحزبية هو الآلية الأساسيّة في إدارة الصراع..

  • القضية الفلسطينية قضية مركزيّة في أعمال الأستاذ الحناشي. ولكن، أيّ مصير لهذه القضيّة في واقع تهلّل فيه دول عربيّة للكيان الصهيوني وهو يقصف دولة عربيّة؟ هل مازلنا نتحدّث عن صراع عربي- إسرائيلي وعن قضية فلسطينية بذات الحماس السّابق؟

للأسف القول أنّه بعد “الثورات العربية”تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية. وليس فقط من قبل الحكام ولكن أيضا من قبل رجال الفكر والثقافة والرأي…والمشكل في أحد جوانبه تتحمله القيادة الفلسطينية التي أفقدت القضية الفلسطينية طبيعتها التحرّريّة  بمختلف أبعادها من خلال توقيع اتفاقية أوسلو التي أضرّت بالقضية الفلسطينيّة وكسب منها الكيانُ شرعيّةً لم يكن ليحلم بها من قبل ناهيك أنّه وفي ظل تلك الاتفاقية تضاعف الاستيطان بنسب مرتفعة جدا ولم تكسب فلسطين لا السّيادةَ ولا الاستقلال….وقد سهّل هذا الأمر على الدول العربية أن ترفع يدها جهارا بعدما كانت تفعل ذلك سرّا… لقد تمكنت الدوائر الصهيونية والامبريالية من تحويل وجهة الصراع  من صراع عربي صهيوني إلى صراع طائفي ونجحت في ذلك ما دفع المنطقةَ إلى حرب دامت نحو 8 سنوات على خلفية طائفيّة ثم تخلصت من النظام العراقي بتحالف مع دول الخليج العربي. والآن تدفع الجميعَ للاستمرار تحت شعار زائف  وهو الديمقراطية حينا والطائفية حينا آخر… لكن ورغم كل ذلك ستظل القضية الفلسطينية المنارة التي يُقتدى بها وستظل القضية الفلسطينية محركة للتاريخ ومساهمة في بناء المستقبل العربي على أسس ديمقراطية. ففي ظل الأنظمة الوطنية  الديمقراطية تتسع مساندةُ القضية الفلسطينية كما تتجذر المبادرات من أجلها.

  • بعيدا عن الصراعات السياسيّة، للأستاذ الحناشي اهتمام بالشأن الثقافي والأدبي. كيف تقيّم الواقع الثقافي والأدبي في تونس؟ وهل من مقترحات لتطوير المشهد؟.

عادة ما تكون للمؤرخ والباحث في التاريخ اهتمامات معرفية متنوعة، فالي جانب استئناسه بالعلوم الرّديفة ذات العلاقة بعلم التاريخ (الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس.. وعلم الاقتصاد..) يهتم عادة بالشأن الثقافي والأدبي الذي يمثل ثراء معرفيا ولغويا، سواء في ذلك، الشعر أو الأدب أو الرواية ولذلك نجد لبعض المؤرخين إنتاجا روائيا أو قصصيّا. والى جانب ذلك تكون لهم مشاركات في الشأن الثقافي العام … أما بالنسبة إلى الواقع الثقافي والأدبي في تونس فاعتقد انه سجّل تطوّرا من حيث النوع والكمّ  غير أنّه تطوّر متفاوت من مجال  إبداعي إلى آخر وأُجزم أنّ القادم سيكون أفضل بكثير مما أُنتج الآن  خاصة في حقل الرواية أو القصّة عامة فهذا المجال الإبداعي يتطلب حيّزا زمنيا وإدراكا عميقا للتحولات التي يعيشها المجتمع. وأعتقد أنّ أكبر من “سيستفيد” من مناخ الحرية والديمقراطية هو المبدع…  غير أنّ ذلك يبقى مشروطا أيضا باهتمام الدولة والمجتمع المدني بالمبدعين  وبالشّأن الثقافي وما يتطلبه من بنية أساسيّة..

مقترحات للعناوين الفرعيّة:

وستظل القضية الفلسطينية محركة للتاريخ ومساهمة في بناء المستقبل العربي على أسس ديمقراطية.

– لقد تمكنت الدوائر الصهيونية والامبريالية من تحويل وجهة الصراع  من صراع عربي صهيوني إلى صراع طائفي ونجحت في ذلك.

– يبدو أن العولمة والتوحّش  بمختلف مدلولاتهما وأشكالهما المختلفة  التي تولدت عنهما سيتّسعان ويأخذان أبعادا جديدة  جغرافية ومضمونية .

– نعتقد أنّه من الضروري، ونحن نعيش في ظل نظام ديمقراطي ناشئ جديد،  أن  يتجدد النقاش والحوار والجدل بين المؤرخين حول العديد من القضايا  التي ظلت ملتبسة من تاريخ تونس المعاصر والرّاهن  وأن يُعادَ النظرُ في قراءة بعض الأحداث برؤية نقدية جديدة.

 

– ونعتقد أنّ عدم إقرار العدالة الانتقالية بكل أبعادها وشروطها  يعارض عملية الانتقال الديمقراطي في العمق .

– على الحركة العمالية تطوير آليات عملها وتوسيع الممارسة الديمقراطية داخل مختلف هياكلها وإدارة شؤونها الإداريّة والماليّة بأكثر شفافية.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.