“الحنّاء في الثقافة الشعبية، “المحنية” نموذجا”

img

“الحنّاء في الثقافة الشعبية، “المحنية” نموذجا”

إيمان المليّح

(باحثة دكتورا اختصاص حضارة عربية)

تعتبر الممارسات الطقّوسيّة ورموزها مجالا انثروبولوجيا هاما يسمح بفهم شواغل الجماعة وذهنها الجمعيّ، ـوحقلا يكشف ما ينتجه المتخيّل الجمعيّ من وضعيّات و طقوس لجلب الخير أو دفع الشرّ .ذلك أنّ ـالإنسان المؤمن -أيّ كانت ديانته يسعى إلى إضفاء بعد رمزيّ طوطميّ على الفضاء الذي يعيش فيه ـفيبتعد عن كلّ ما يمثّل موطنا للشرور أوجالبا النّحس و الأذى ، كما أنّه ابتكر طواطم وتعويذات لطرد تلك الشرور ، لذلك”كان من المهمّ التحرّي في اختيار المكان بتجنّب ما يعتقد أنّه ملاذـ ومأوى لجالبات الشرّ من القوى الخفية ومحاولة التموضع داخل حدود جغرافية المقدّس، وذلك عبر ـالارتباط رمزيا بالمركز الذي يمثّل منطقة المقدّس بامتياز”[1] ، من المميّزات الخاصّة التي تعطي للطقس ـفرادته ثلاث “: أوّلها التقعيد بحيث يخضع الطقس لقواعد منتظمة متعارف عليها لدى أفراد الجماعة ، وثانيتها التكرار حيث يعاد إنجاز الطقس في مناسبات تتتالى في أوقات مضبوطة من حياة الجماعة ، ـوثالثتها الشحنة الرمزيّة التي تتّخذها ، ممّا يعطي الممارسات دفقها وفعاليّتها الرمزيّة الخاصّة”[2]

ومثال تلك الفضاءات، المزارات و مقامات الأولياء الصالحين أو “الزّوايا” ، وهي فضاءات منتشرة بكثرة ـفي المغرب العربيّ وفي تونس خاصّة ، فلا تكاد تخلو مدينة أو قرية من “قبّة” أو مقام أو “زاوية ”  ـيرتادها سكّان تلك القرى طلبا للعون أو الشفاعة أو فكّ سحر وممارسة طقوس مخصوصة متعارف عليها كتغطية الرّأس عند الدّخول وإشعال الشّموع وذبح الأضاحي تقرّبا وذلك في وقت معيّن من كل ـسنة يسمّى “الزّردة “، ومن هذه الفضاءات اخترنا “المحنيّة ” في القيروان .

1-“المحنيّة” :

بالعودة إلى مختلف المصادر التي عنيت بمدينة القيروان لم نجد ذكرا لهذا المزار والطقوس الممارسة ـفيه و مرجعيّتها، وهو ما جعلنا نذهب لمعاينة هذا المزار و البحث في الأسطورة الشعبيّة وما يحمله ـأبناء المدينة من قصص حوله .

أ-الموقع :

هذا المعلم يتّخذ شكل طاقة وسط أحد جدران مسجد الأنصار (كما يسمّيه أهل المدينة ) أو الأنصاريّ، و بحسب اللّوح المعلّق ـبجانب المسجد ،” هو أوّل مسجد  بني بالقيروان و أسّسه سنة 47ه رويفع بن ثابت الأنصاريّ ، أحدـ أعيان الصّحابة ، أسّسه ليكون محرسا وذلك قبل أن يختطّ عقبة بن نافع القيروان، وتوفي رويفع ببرقة ـسنة 53ه، “[3]“وتسمّى هذه الطاقة المحنيّة وهي بشكل نصف دائري يوضع فيه الشمع و الحنّاء “[4] ، ـلكن سكاّن المدينة يتّفقون على أنّ هذه الطاقة أنشئت حديثا حتّى لا يلوّث الزّائرون حائط المسجد بالحنّاء وهو ما تؤكّده الصورة الثالثة ، ذلك أنّ زوّار المحنيّة لم يلتزموا بالطاقة لممارسة طقس تخضيب اليد بالحنّاء ـوطبعها في الطاقة بل نجد كل حائط المسجد مخضّا الحناء “[5]

 

 

ب- الطقوس :

إنّ المعاين لهذا المزار يجد آثار أياد مخضّبة بالحنّاء و مطبوعة على الجدار كما يجد بقايا شموع ـأشعلت بالطّاقة تماما كما يفعل أغلب الزّائرين للزّوايا و المقامات حيث يدفن “الأولياء الصّالحون” ، لكن ـالاختلاف هنا أنه لا يوجد قبر لوليّ صالح في المسجد ولاما يحيل على وجود أثر لذلك ، وهو ما دفعنا ـللبحث عن أصل هذا الطقس في هذا المسجد  فلم نجد لذلك في الآثار التي أرّخت لتاريخ القيروان ـالإسلاميّ ولا قبلها ما يدلّ على أصول هذا الطقس، ذلك أنّ أغلبها اهتمّت بقيروان عقبة وأرّخت لبناء جامعه بها.

فسألنا بعض متساكني المدينة العتيقة بالقيروان وأعيانها حول هذا الطقس و دلالته .

ب-طقس التخضيب بالحنّاء و دلالته بحسب الرّواية الشعبيّة :

تكاد الرّواية الشعبيّة المنتشرة في القيروان تكون واحدة ومتّفقا عليها ، ذلك أنّها تقسّم وفق مرحلتين ـزمنيّتين:

ـ*الرّواية الأولى تعود بنا إلى الزّحف الهلالي على القيروان خلال القرن الخامس الهجريّ أي في فترة ـالدّولة الصنهاجيّة ، حيث تقول الأسطورة أنّ المحنيّة كانت محرسا لصدّ العدوان عن المدينة من الجهة الغربيّة قرب “باب الجديد” من جهة جامع الأنصاري كما يسمّى اليوم، فكان الجنود عند الإصابة يتّكئون  على السور ويتتبّعون الحائط حتّى الوصول إلى المسجد ، وهو ما كان يترك أثرا من الدّماء على الحائط ، فتأتي النسوة مخضّبات أكفّهن بالحنّاء و تغطين آثار الدّم بمسح الحنّاء فوقها ، في علامة على قدسيّة ـتلك الدّماء و تخليدا لها ، ومن هذه الممارسة أخذ هذا الطقس الذي مازال يمارس إلى اليوم ، حتى إنّ البعض ذهب أبعد من ذلك بالقول إنّ “المحنيّة” أصبحت” وليّة صالحة ” من أولياء الله ، وهو ما ـتفنّده الرواية الثانية .

*أمّا الرواية الثانية فهي حديثة نسبيّا تعود إلى أوائل التسعيناتحيث ربطت ـالرّواية بين الخصوصيّة الجغرافيّة و هشاشة البنية التّحتيّة ب”حومة الشرفة”[6]  حيّ الأشراف بالمدينة ـالعتيقة بالقيروان وبين ممارسة هذه الطقوس ، ذلك أنّ المنطقة تتميّز بهشاشة الأرضيّة مما تسبّب في ـانهيارات متعدّدة ، منها ما حصل في صحن جامع الأنصار ويُقال إنّه وجد تحته  وقبر شهيد مدفونا ـبسيفه وكأنّه دفن توّا (وهو ما لم تثبته المصادر الرّسمية ولم يوجد أثر لوجود حفريّات بالمكان ) .

رغم أنّ الرّوايتين تأخذان بعدا أسطوريّافإنّنا بالبحث على تاريخيّة هذه الطّقوس نظرا لصمودها ـزمنيّا في تكرارها والمواظبة  عليها من قبل النسوة خاصّة ، كذلك رغم الدعوات كثيرة التي نادت بالكفّ عنها ونعتت هذه الطقوس بالممارسات “الشّيعية الوثنيّة ” والتي أدّت إلى غلق الطّاقة الموجودة في حائط الجامع، ونجد اليوم الكثير من هذه الدعوات خاصّة على شبكات التواصل الاجتماعي .

ويذكر أنّ شعراء القيروان ذكروا المحنيّة في شعرهم ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر الأستاذ منصف ـالوهايبي في قصيدته “عند أبواب القيروان “

ـ’وحائطا خضّبه النّسوة بالحنّاء

بارا مقفلا ،

سيّدة تجنح في زينتها ،

منزلا أخضرا مفتوحا على الجامع “[7]

2-*رمزيّة الحنّاء في الثقافة الشعبيّة  :

أ-معنى كلمة حنّاء في المعجم الوسيط : 
مفرد حِنّاءَة :
شجرٌ من الفصيلة الحِنّائيّة ورقه كورق الرُّمّان له زهر أبيض كالعناقيد طيِّب الرَّائحة ، يُتَّخذ من ورقه خضاب أحمر ، يُستعمل لصبغ الشَّعر أو الأكف وغيرهما .
• لَيْلَةُ الحِنّاء : اللَّيلة التي تسبق ليلة العُرْس .
خضاب أحمر يُؤخذ من ورق شجرة الحِنَّاء .

ب-الحنّاء في الثقافة الشعبيّة :

اكتسب نبات الحنّاء دلالات ومعاني رمزيّة ارتبطت أساسا ببعد قدسيّ ، حيث نجد أنّ كلّ الشعوب ـالعربيّة تخصّص لهذه النبتة مكانة هامّة للتعبير عن الفرح أو الاستشفاء أو الزّينة وهو ما يمكن معاينته ـأيضا عند بعض الشعوب الآسيوية ، وهو ما جعلنا نبحث في أهميّة هذه النبتة في شمال إفريقيا لما لاحظناه من آثار للحنّاء على حائط جامع الأنصاري أو “المحنيّة ” كما يسميها القيروانيّون ، فاسم المحنيّة أيضا منسوب إلى اسم الحنّاء و مشتق منه.

ـ-ارتبطت الحنّاء في الثقافة الشعبيّة بعدّة أساطير توارثناها عن أجدادنا منها مثلا أنّ أصل شجرة الحنّاء،هي دمعة حوّاء حين نزولها إلى الأرض تساقطت دموعها فنبت مكانها شجرة حنّاء . كما روي لنا أنّها ـشجرة من الجنّة وأوّل من تخضّب بها من النّساء هاجر زوجة ابراهيم النبيّ [8]فالحنّاء إذا شجرة الجنّة

ـو التخضّب بها سنّة أوصى بها الرسول من ذلك ” عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: (مدت امرأة يدها ـإلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب من وراء ستار فقبض يده “، فقالت: يا رسول الله، مددت يدي إليك بكتاب فلم تأخذه؟، فقال: ” إني لم أدر أيد امرأة هي أو رجل ” قالت: بل يد امرأة، قال: ” لو كنت امرأة لغيرت ـأظفارك بالحناء [9]، وهو ما جعلها نبتة مقدّسة بل أصبح لها بعد عجائبيّ ارتبط بطرد السحر و طلب عطف الله وذلك مثلا في الجملة المأثورة في الدّارجة التونسيّة التي تقال للمرأة التي تأخّرت ولادتها “حنّي ربي يحنّ عليك ” ، بل للحنّاء أيضا دور في فكّ السحر و إبطاله كما ذهب إلى ذلك محمّد الجوهري “إنّ مسحوق الحنّاء يستخدمه السحرة في عمل السحر أو فكّه “[10]

-إنّ التخضّب بالحنّاء رمز من رموز المجتمع ، فيمكن تحديد الفئة العمريّة ـوالاجتماعيّة للمرأة المخضّبة بحسب النقوش التي تختارها فالفتاة العزباء تكتفي بوضع نقوش بسيطة ـ على اليدين ومن العيب أن تخضّب رجليها ، أما المرأة المتزوّجة فلها حريّة الاختيار، و أمّا العروس ـ فلها زينتها الخاصّة .[11]

ـيمكن أن نخلص إلى أنّ دور الحنّاء لا يتلخّص في دور علاجي في الطبّ الشعبيّ ـ إنّما يتجاوز ذلك ليشمل بعدًا اعتقاديّا يتمثّل  في طرد السحر و الحسد والعين خاصّة في الأشكال التي ترسم ـبها، حتى أن رؤية الحنّاء في الحلم تكتسب تفاسير و دلالات مختلفة بحسب جنس صاحب الحلم  وحالته الاجتماعية. حتى أنّ البعض يخضّب يده بالحنّاء أو الدّم و يطبعَها على جدار بيته أو على لباس العريس اعتقادا منه أنّهما تطرد العين ، أي أنّ اجتماع رمز “الخمسة” مع الحنّاء يحصّن من الشرّ.

3-رمزيّة اليد أو “الخمسة ” :

أ-“اليد” في المعجم الوسيط :

اليَدُ :من أَعضاءالجسد، وهي من المنكب إِلى أَطراف الأَصابع.
و اليَدُ من كلِّ شيءٍ : مَقْبَضُه .

ب-“اليد ” في الثقافة الشعبيّة :

يعتبر رمز اليد من أشهر التمائم التي تعتمدها الشعوب العربية في درء العين و دفع الحسد ، حيث ـتختلف تسميتها بين الديانات ، المسلمون مثلا يسمونها “يد فاطمة ” نسبة إلى فاطمة ابنة محمد الرسول ، كما يذكرTrumbull في كتابه (The threshold covenant) “إن اليهود يسمون هذه التميمة أحياناً ـ «كف موسى» أما مسيحيو سورية فيسمونها «كف مريم» إشارة إلى مريم العذراء أم النبي عيسى”[12].

في الوقت الرّاهن مازالت هذه التميمة تكتسب مكانة هامّة في الثقافة الشعبية في تونس ، وهي عبارة عن خمسة أصابع متلاصقة تصنع من الفضّة أو الذّهب ، كما أنّها ترسم بالحنّاء على كفوف النّساء ـأو ـتطبع بدم الأضحية على جدران المنزل .

يمكن أن نخلص من خلال تتبّع رمزيّة الحنّاء و اليد معا في الثقافة الشعبيّة ، إلى أنّ هذه التمائم تدخل، في منظومة طقوسيّة رمزيّة تشكّلت في الذاكرة الجماعيّة، وممارسة هذه الطقوس تخضع إلى تمثّلات ـوتصوّرات ماثلة في الوعي الجماعي ومتّصلة باعتقاداته سواء ما ارتبط منها بالجانب ينيّ أو الدنيويّ. ـفالإنسان من وجهة نظر أنثربولوجيّة كائن طقوسيّ بامتياز مثلما هو كائن رمزيّ. فرغم التطوّر التكنولوجي ـوالثورات الصناعية وتطوّر الحياة اليوميّة فإنّ هذه الطقوس مازالت محافظة على مكانتها ـورمزيّتها بل و حتّى سيّتها، وممّايدعّم رأينا كثرة المزارات والمقامات التي تعجّ بالزّائرين أو “الزوّار” على اختلافها .


*قائمة المراجع باللغة العربيّة :

1- الجوهري ، محمد : علم الفلكلور-ج2- دراسة المعتقدات الشعبية ، دار المعرفة الجامعية 1988.

2-السّيوطي ، جلال الدّين ، سنن النّسائي بشرح السّيوطي ، المجلّد الرّابع ، دار المعرفة بيروت .

3- المحواشي ، منصف ، دراسة “الطقوس وجبروت الرّمز ، قراءة في الوظائف والدّلالات ضمن مجتمع متحوّل ” ضمن أعمال منتدى نور الدّين سريّب للتاريخ الاجتماعي والثقافي بمدينة جرجيس ، الدورة الثامنة تونس 2007.

4-الوهايبي ، منصف، من ديوان “من البحر تأتي الجبال ” ، دار أمية 1991.

*المراجع الأجنبيّة :

1-Edgard Weber Petit dictionnaire de mythologie arabe et des croyances musulmanes ; Editions Entente, paris 1996

2-Eliade, Mircéa, Le Mythe de l’éternel retour, Paris, Gallimard, 1969.

3-H.Clay Trumbul ; The threshold Covenant;Charles Scribner’s Sons 1896;second edition

*المعاجم :

1-المعجم الوسيط ، النسخة الالكترونية .

*الصور

[1]Eliade, Mircéa, Le Mythe de l’éternel retour, Paris, Gallimard, 1969, p. 30

[2]المحواشي ، منصف ، دراسة “الطقوس وجبروت الرّمز ، قراءة في الوظائف والدّلالات ضمن مجتمع متحوّل ” ص 15-43. ص20 ضمن أعمال منتدى نور الدّين سريّب للتاريخ الاجتماعي والثقافي بمدينة جرجيس ، الدورة الثامنة ، تونس 2007

[3]انظر الصورة الأولى

انظر الصورة الثانية[4]

انظر الصورة الثالثة [5]

[6] هذه التسمية تحريف للتسمية الأصلية “حيّ الشرفاء .

[7]الوهايبي ، منصف ، قصيدة “عند أبواب القيروان ” ، من ديوان “من البحر تأتي الجبال ” ، دار أمية 1991

[8] Edgard Weber Petit dictionnaire de mythologie arabe et des croyances musulmanes ; Editions Entente, 1996 ;p2018

[9]سنن النّسائي بشرح السّيوطي و حاشية السّندي ، المجلّد الرّابع ، الجزء الثامن ، كتاب الزّينة من السّنن ، الخضاب للنّساء ، ص 519، دار المعرفة ، لبنان

[10]الجوهري ، محمد : علم الفلكلور-ج2- دراسة المعتقدات الشعبية ، دار المعرفة الجامعية 1988، ص 493

توصلنا إلى هذا الاستنتاج لما عاينّاه في مجتمعنا كذلك بسؤال بعض النسوة المتخصّصات في وضع الحنّاء بمقام “أمّ الزين بجمّال” [11]

[12]H.ClayTrumbul ; The threshold Covenant;Charles Scribner’s Sons 1896;second edition;p77

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.