الحلفاء-ابراهيم الرياحي

img

 

 

مدت أم الخير يدها إلى الحلفاء المستعصية تحاول أن تنتزعها،استغلظت يدها و تقرحت ،لم يكن لها هي و زوجها فرج من مورد رزق سوى تلك النبتة ،إلا أنها كانت شحيحة و يدها مغلولة إلى عنقها،لا تهب نفسها إلا بعد مجاهدة و معاناة،و في مرات كثيرة عجز الزوجان سويًا أن يقتلعاها،فرأيت أربعة أيدي تحامت تسحب النبتة،هي معذورة في إستبسالها فمن يرضى أن يهب نفسه بطواعية؟كل كائن يبذل ما عنده للبقاء و له الحق في ذلك.لكن هذه الحلفاء اللعينة صيرت الأيدي الناعمة خشنة و القلوب دامية،إن الأفعوان لأنعم ملمسًا منها و نقع سمه و عضة نابه أرحم من لحظة إنتزاعها

لم تكن الحلفاء الشئ الوحيد المشدود فهناك جنين مشدود بحبل سري إليها و كل يوم يسحب نفسه للوجود و يحاول الخروج.فكرت مرارا في الإجهاض لكنّ عارضًا من العوارض كان يحول دون ذلك دوما

باغتها زوجها يومًا تتكلم بين الأحراش و كاد يحدث ما لا يُحمد عقباه قبل أن يكتشف أنها كانت تكلم نبتة الحلفاء فلقد صار لها لغة خاصة معها

كوني طيعة هذه المرة من أجل الذي في أحشائي

لم تكن أم الخير وحدها تعمل في حقل الحلفاء،نساء كثيرات مثلها انحنين يجتذبن النبتة.لم تنس ذلك اليوم الذي علا فيه غبار كثيف لطخ وريقات الحلفاء و ظهرت سيارة من نوع بورش إجتذبت أعناق النساء إليها قبل أن ينزل منها صاحب مصنع الورق،نظرت النسوة إلى أيديهن الغليظة إنها بلا شك تخدش دهن البورش الناعم،أخبرهن على مسامع الحلفاء أنه سيخفض قيمة القنطار بعد صعود الصين كغريم ورقي و إمتداد طريق الحرير

تقبلت النساء الخبر بتجهم و ظلت أم الخير تكظم غيظها

مالي و مال طريق الحرير..أنا أقاسي في إنتراعها و أرى الأهوال..لماذا لا ينقص التعب كما ينقص ثمن القنطار؟لن أقبل المساومة و أجري سيبقى كما هو

و في أحد الأيام كانت أم الخير تهم بإنتزاع فسيلة إذ جاءها المخاض فانطرحت متأوهة تشكو آلام الوضع و طفقت تنتفض و تتصكك مثل طير مذبوح كأنها ستلفظ أنفاسها و لن تزيد حياةً ثانية،و لحسن حظها أن نسوة كن قريبات منها فهرعن يخلصنها و ما هي إلا ساعة حتى علا نحيب أتبعته زغاريد و وفد على الحلفاء كائن جديد ،أقبلت النسوة يتطلعن على المولود في فضول .ما أحلاه من وجه!و أخذن يتهامسن:المولودة لا تشبه أبويها الدميمين،من أين يا ترى هذا الجمال؟و ارتابت القلوب و لكن جمالها لا ريب فيه .و لا يهم من أبواها ،أوليست بنت الحلفاء .بنت الغلظة و القسوة.و ألقمتها ثديها و لقنتها كلمات:ليس لنا إلا الحلفاء يا ابنتي

شبت البنت و كبرت و لم تعرف تلك الدمى التي يعرفها من في سنها،و الألعاب التي يتناولها من في عمرها،بل هي لم تعرف بعد الحلفاء سوى أمها،فقد مات أبوها بطلقة طائشة،تفاجئت البنت لما أحاطت وجه أمها بيديها الصغيرتين،فقد وجدت نفس الملمس في وريقات الحلفاء،فهمت أنّ علاقتهما بتلك النبتة أبعد من كونها أخذ و رد،أخبرت أمها أن النبتة كلمتها و أعلمتها أنها ستأخذها إلى العالم السفلي،لم تحمل كلام ابنتها على محمل الجد،لم تشك أنه من نسج خيالها الخصب،صحيح أنّ الأمَ نفسها كانت تحادث الحَلْفَاءَ لكن ذلك كان من باب التنفيس لا أكثر،

في يوم كانت الطفلة ترتع بين الأعشاب و تلعب،انفجرت أحد الألغام فتطايرت الحلفاء إلى السماء،شاهدت العاملات الحلفاء متطايرة إلى قرص الشمس فهرعن يتهافتن عليها و يتلقفنها.كانت الحلفاء دامية في الأرض و في السماء،و ما انطلقت إلى الشمس حتى قدموا لها قربان الجمال،مرت أيام على تلك الواقعة قبل أن تفقن النسوة ذات صباح على الحلفاء و قد احمر لونها و سرت إشاعةٌ أنّ دماء الطفلة أضرجت النبتة فتعطلت أعمال مصنع الورق مما أجبر صاحبه على الذهاب إليهن مجددا  و حينما سمع بالإشاعة أغرب في الضحك ،و أعلمهن أنه وقع زرع نبات تكشف وجود الألغام فإذا احمر لونها فهو دليل وجود ثاني أوكسيد النيتروجين

استئنفت العاملات أعمالهن و رغم ذلك بقين مُتوجساتٍ، تسيطر عليهن قصة الفتاة.لن تنسى النسوة ذلك اليوم الذي رأين شعر أم الخير مغروسًا  و منذ ذلك الوقت اختفت أم الخير ،منهم من قال أنّ حلفاءً سحبتها  و غاضت بها أرضًا و منهم من قال أنّ البنت سحبت أمها إلى العالم السفلي مثلما أنزل هاديس بيرسفوني إلى عالمه.

قصت النساء خصلات الشعر و تفاجئن لما تحولت الخصل إلى قطع نقدية.


الحلفاء:نبتة تنبت في وسط البلاد التونسية و يُصنع منها الورق

 

ْ

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.