الحكاية التاريخية هوية جيل ومجد وطن  

img
الحكاية التاريخية هوية جيل ومجد وطن  
بقلم :مفيدة الضاوي
 
من لا تاريخ له لا حاضر ولا غد له .ومن لا ذاكرة له لا تاريخ له ..نحن دائما في حاجة للتواصل الفكري والروحي مع الماضي ..مع الذاكرة التواقة الى الأطلال البشرية والجذور التاريخية ،التي منها نستمد قوة حاضرنا وأمل مستقبلنا ..لابد من الإيمان بضرورة التواصل مع التاريخ . ودحر تلك الذبذبات السلبية التي تقول إن التمسك بالتاريخ الوطني أو الشعبي يمنعنا يؤخرنا علي التقدم والازدهار ومواكبة التطور الحضاري… 
وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة عودة كبيرة إلى عالم الحكايات الشعبية والتاريخية .. وتسليط الضوء على عدة من الحكواتية البارعين في فن الإلقاء الشفوي للموروث الشعبي الوطني أو الخيالي سوي علي المواقع الافتراضية أو في الساحات الترفيهية والأروع ان الإقبال كثير من فئة الأطفال والشباب واليافعين .وكان هذا الإنتاج الحديث “الحكاية التاريخية ” للدكتور زهير بن تردايت الصادر عن دار منوال للنشر جويلية 2020 بدعم من صندوق التشجيع على الإبداع الأدبي والفني . مثالا لحرص المثقفين والمبدعين علي الإحتفاء بهذا النمط الأدبي العريق .و المعروف علي الدكتور زهير اهتمامه الشديد على تنشيط الشباب والناڜئة على الأنشطة والفعاليات الثقافية والفنية والمسرحية والركحية ..وقد عزم في هذا العمل على التعمق في تربية جيل جديد علي التعلق بجذورها المنسية أو المهملة ..وغرس حب الوطن والأصالة داخله ، من خلال مده بتاريخ وطني وشعبي مجيد . دأب وتعب علي جمعه من رموز المقاومة ، من شمال البلاد الى جنوبها ، من قصص وحوارات وأشعار وشواهد بشرية ووثائقية مهمة.. سترسخ أبد الدهر في سجل الصحف والذاكرة ..
عادة ما ينفر الشباب والأطفال الناڜئين من قالب السرد الحكائي المكرر والمتعدد ومن طريقة الرواة الساردين ومن سيكولوجية هذا النمط الأدبي القديم المعروف ..إلا أن الكاتب قدم الكتاب بشكل بسيط وسلس .. موجه للكبير والصغير والتونسي وباقي القراء العرب ..لما اعتمده به من مفردات ومعاني سهلة ومتداولة سوي بالفصحى أو العامية .و عن أساليب الحكاواتية يوسف البقلوطي ، كمال العلاوي، بشير المناعي، محمد بن ضو ..المتمكنين في طريقة الإلقاء والاستعراض حيث لا يفرق القارئ وهو يقرأ حكاياتهم باللهجة الدراجة أن كان يقرأ أو يستمع ..ذلك التسلسل اللغوي التلقائي الشيق يسوق القارئ في بحور
وقد ركز الدكتور من خلال عمله بشكل أولي خاص على تعزيز مد جسور التواصل التطبيقي والتدريب الحسي بين الشباب وتاريخهم . وتمتين انتماءاتهم الوطنية . وكما موجه بشكل عام للإطارات التعليمية لما يحمله من مراجع فنية مهمة تساعد المدرسين على تقديم أنشطة وفعاليات ثقافية هادفة ومميزة
الحكاية التاريخية لها قسمان أساسيان وهي قسم ثابث وقسم متحول .الأول يتمثل في مضمون النص أو الفكرة وأسماء الشخصيات البطلة والتواريخ الثابتة أو الحدث الأساسي لحكاية ما , والاخر يتغير حسب ظروف وأسلوب السارد أو الحكواتي من خلال طريقة سرده و الاطراءات التي يضيفها كل حكواتي للحكاية ، من إيقاع ومدخل وأشعار وبعض اللمسات الخياليه المشوقة لجذب المتلقي . كذلك كما اعطانا الدكتور زهير نبذه عن هذا النسق إذ قسم العمل الي جزئين الاول نظري يحمل ما جمعه من شواهد ومذكرات ووثائق علي لسان ابطال الملاحم الوطنية المقاومين ، مثل محمد بن ضو البوبكري وعلي بن ضو المحضاوي ومبروك بن منصور أيضا على أصوات الحكواتية . وفي الجزء الثاني التطبيقي جدول ومخطط طريقه تجسيد تلك الاحداث على ارض المسرح فأعطي نموذج لعمل قيم ومنسق جدا، مع جدول تقسيم المناظر والمقاطع لعرض ملحمي مستمد من حكاية محمد بن ضو البوبكري من صفحة 141 الي صفحة 166، ترجوا أن تعرض في الوقت القريب علي ركح المسرح وكافة الملاحم التاريخية ..ليستفيد منها الشبيبة والإطار التعليمي .
هذا العمل هو رد اعتبار لمكانة الحكايات الوطنية المتناسية في العصر الحالي. ورد جميل لمن صارعوا الموت من أجل تخليدها وتخليد ذخر تاريخي يفتخر به علي النطاق العمراني الداخلي والخارجي ..ولكي تخلد وجب تدوينها وتوثيقها كتابيا فالموروث الشعبي الشفهي وحده لا يتيح للقارئ دراسة خصائص ووظائف وفنّ تلك الحكايات والأحداث التاريخية . لذلك علي مرّ زمن بعيد سعي العديد من الكتاب والمهتمين بالأدب الشعبي الحكائي على تدوين عدد مرموق من المؤلفات.. مثل كتاب سالم ونيس (الخرافية والشعبية) وكتاب (خرافات العم الهادي) وغيره من المؤلفات التونسية التي حاولت الحفاظ على الموروث الشفوي المتداول من الاندثار والنسيان.
إن أهمية هذا الكتاب تكمن في قيمة الدراسات والتوثيقات التي جمعها الدكتور زهير بن تردايت والذي اختار بعناية أفضل الرواة للملاحم الشعبية التي وقعت في عهد الاستعمار الفرنسي . ليرسخ وينمو في ذاكرة جيل جديد عبثت به تقنيات الحديثة عن التطلع إلى مجده التليد ..
مفيدة الضاوي
تونس 26 جويلية 2020
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: